قصة مذهب الجمهور في الفاسق ببدعة أو غيرها

الحمد لله وبعد، فقد نُقل الإجماعُ على أنَّ الإمام لو طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة، خرج عن حكم الولاية، ووجب القيام بخلعه، وممن نقله الحافظ ابن حجر [في الفتح 13/116]، وتعقب ناقله في شأن البدعة، وقرر أنه لا إجماع في المبتدع، ولا إشكال في هذا، لكن الإشكال في قول الجمهور في شأن المبتدع خاصة ما هو؟

هل هو كالفاسق بالمعصية فسقًا دون الكفر؟

أو هو كالكافر؟

ذكر القاضي عياض في إكمال المعلم 6/246 : “إن كان فسقه كفرًا وجب خلعه، وإن كان ما سواه من المعاصي فمذهب أهل السنة أنه لا يُخلع”، وظاهر هذا أن قول جمهور أهل السنة في الفاسق ببدعة كذلك، لكن هذا الظاهر غير مراد، فقد قال بعدها: “لا خلاف بين المسلمين أنه لا تنعقد الإمامة للكافر، ولا تستديم له إذا طرأ عليه، وكذلك إذا ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها، وكذلك عند جمهورهم البدعة” [ينظر النص في السابق طبعة دار الوفاء، وقارنه في نسخة مكمل إكمال إكمال المعلم، للسنوسي 5/180 فإن تصحيح عقد من هنالك]، وهذا كالنص في أن الفاسق ببدعة ليس كالفاسق بجور، بل ينعكس فيه قول الجمهور.

 ويحتمل أنه أراد العقد ابتداء، دون الاستمرار، بدلالةِ لِحَاق الكلام في ذلك، فقد قال بعد ذلك: “وكذلك لا تنعقد ابتداء للفاسق بغير تأويل، وهل يخرج منها بموافقة المعاصى. ذهب بعضهم إلى ذلك، وأنه يجب خلعه، فإن لم يقدر عليه إلا بفتنة وحرب لم يجز القيام عليه”، ثم قال: “وقال جمهور أهل السنة من أهل الحديث والفقه والكلام: لا يخلع بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه، وترك طاعته فيما لا تجب فيه طاعته؛ للأحاديث الواردة في ذلك”. وهذا كالنص المبيِّن أن ما ساقه أولاً من قول أهل السنة إنما هو قول جمهورهم، وفيه تفريقهم بين العقد ابتداء وبين القول باستمراره، ويوجه احتمالاً بأن ما ساقه في المبتدع إنما هو في ابتداء العقد لا في استمراره أو وجوب خلعه إن طرأت عليه البدعة، وهذا الاحتمال قول كثير من أهل السنة في الفاسق مطلقًا، لكن كلام القاضي أرجح في التفريق بين البدعة وسائر الفسق الذي لا يخرج عن الملة.

والذي يظهر لمن نظر في كلام العلماء أنهما مذهبان، فبعض العلماء يفرق بين البدعة والفسق بسائر المعاصي، فأمر البدعة يجعلونه أشد، ومرادهم بالبدعة البدع الكبار لا الإضافية أو العملية، يريدون البدع التي هي لولا التأويل كانت كفرًا في حق المعين، كإنكار صفات الله عز وجل الذي تقول به المعتزلة، فمنكر ما ثبت بالنص كافر، لكن لما كان المبتدع متأولاً دفع ذلك الحكم على عينه، ومع ذلك فقد نسب إلى الجمهور أنهم لا يشترطون في وجوب -لا جواز- الخروج عليه أكثر من ظهور الفعل الكفري سواء كفر صاحبه أو لا، وظاهر صنيع السنوسي في مكمل إكمال الإكمال حمله كلام القاضي على هذا، يعرف ذلك من تدبر اختصاره كلام عياض وسياقه، ولهذا خرّج هو وغيره أمر الخروج على الحجاج بأشياء تروى عنه لها في التأويل مجال، وأطال السنوسي خلافًا للأُبِّي الذي أغفل التعليق على ذلك في إكمال الإكمال، وخلافًا للقاضي الذي اقتضب ذلك في الإكمال. وقد ذكر الخلال في روايته عقيدة إمام أهل السنة أحمد بن حنبل [ص124]، عن الإمام أنه: “كَانَ يَقُول من دَعَا مِنْهُم إِلَى ‌بِدعَة فَلَا تجيبوه وَلَا كَرَامَة وَإِن قدرتم على خلعه فافعلوا”، وظاهر قوله: “فافعلوا” الوجوب، وهذا مما يمكن أن يوجه به هذا المذهب. 

وهذا المذهب متسق مع قول كثير من العلماء في أصحاب البدع الكبار، فقد نسب القاضي إلى الجمهور السلف إكفارهم المبتدعة، قال القاضي عياض [في الشفا 2/232]: “قد ذكرنا مذاهب السلف في إكفار أهل البدع والأهواء المتأولين، ممن قال قولاً يؤديه مساقه إلى كفر، وهو إذا وُقِّفَ عليه لا يقول بما يؤديه قوله إليه. 

وعلى اختلافهم اختلف الفقهاء والمتكلمون في ذلك:

فمنهم من صوب التكفير الذي قال به الجمهور من السلف. 

ومنهم من أباه ولم ير إخراجهم من سواد المؤمنين، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين”، ثم ذكر ما عده اضطراب أقوال أكابر في ذلك.

وكأن حجة هذا المذهب أن من جهر بواحدة من هذه البدع الكبار فقد أتى كفراً صريحًا عندنا فيه من الله برهان. 

وأما المذهب الآخر فهو أن الفاسق ببدعة أو المبتدع الذي لم ينزل الكفر على عينه لدافع من تأويل أو جهل، كالفاسق بمعصية لا يجوز عند الجمهور عقد الولاية له ابتداء والمراد اختيارًا، ثم الجمهور على أنها إن عقدت وظهر ذلك فلا يخرج عليه درءاً للفتن، قال ابن بطال: “قوله: (من رأى شيئًا يكرهه فليصبر) يعنى: من الظلم والجور. فأما من رأى شيئًا من معارضة الله ببدعة أو قلب شريعة، فليخرج من تلك الأرض ويهاجر منها، وإن أمكنه إمام عدل واتفق عليه جمهور الناس فلا بأس بخلع الأول، فإن لم يكن معه إلا قطعة من الناس أو ما يوجب الفرقة فلا يحل له الخروج”.

 لكن من المهم هنا التأكيد على أن جمهور السلف والأئمة يقولون لا يخرج فيقاتل معه من أراد خلعه لمظلمة أو تأويل دع كفرًا أظهره [ولبسط هذا مقال آخر]. وهذا مذهب من يرى أن صدور الكفر نفسه غير كاف في إيجاب الخروج إن لم تقم الحجة.

والقدر المشترك الذي يمكن أن يتفق عليه في تحرير هذا النزاع أن يقال:

أولاً: المبتدع بدعة مكفرة، ومثله الفاسق فسقًا أكبر، لا يعذر مثله فيه، فهذا عند الجمهور لا يعقد له، وإن عقد فلا يستمر عقده، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إلاّ أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان) [متفق عليه من حديث عبادة انظر: البخاري (7056)، ومسلم (1709)]، قال القاضي عياض في إكمال المعلم 6/247: “فهذا يظهر أنّه فيما لا تأويل فيه”، وقد سبق وأن ميز بين رواية اللفظين وهل هي (براح أو بواح)، وقال الخطابي في أعلام الحديث 4/2329-2330: “قوله: (إلاّ أن تروا كفراً بواحا)، معنى البواح: الصراح، .. يريد القول الذي لا يحتمل التأويل، فإذا كان كذلك حل قتالهم، ومادام يحتمل وجهًا من التأويل لم يجز ذلك، وهو معنى قوله: (عندكم من الله فيه برهان)، يريد: نص آية أو توقيف لا يحتمل التأويل، كقوله عزّوجل: (قد جاءكم برهان من ربكم) [النساء: 174]؛ أي كتاب الله”.

ثانيًا: أما الاحتمال الثاني الذي تحتمل معه حكاية الإجماع المتقدم على تسامح: فهو حمل مراد حاكي الإجماع على قول الجمهور في من قُدِر عليه من المبتدعة وغلب على الظن أمن المفسدة فهذا حكاية الإجماع على وجوب الخروج عليه محتملة، وقد أشار القاضي عياض في إكمال المعلم 6/246، إلى شيء من هذا المعنى فقال: “لا خلاف بين المسلمين أنه لا تنعقد الإمامة للكافر ولا تستديم له إذا طرأ عليه، وكذلك إذا ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها، وكذلك عد جمهورهم البدعة”، فلم يجعله إجماعًا، ثم فرق بين الكافر والمبتدع فقال 6/247 في خلعه: “وإن لم يتفق ذلك إلاّ مع طائفة وفتنة وحرب، فيجب القيام بذلك على الكافر، ولا يجب على المبتدع إذا لم يتخيلوا القدرة عليه، ويجب في المبتدع إذا تخيلوا القدرة عليه، فإن حققوا العجز عنه فلا يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه”.

وهذا ظاهر في التفريق بين الكافر والمبتدع، فالكافر يخلع إن أمكن ذلك ولو بجهاد تراق فيه المهج، وأما الفاسق فلا يولى ابتداء وهذا إجماع أو شبهه، ولا يقام عليه إن طرأ عليه الفسق وكان عدلاً وهذا شبه إجماع.

فكثير ممن نقل قول الجمهور يفرق بين ابتداء العقد للفاسق، وبين استدامته إذا طرأ عليه الفسق، ويشير كلامهم إلى أن الجمهور على أنها لا تنعقد له ابتداء، والجمهور على أنها تستدام إن طرأ عليه الفسق، والجمهور على أنه إن أمكن خلعه بدون مفسدة فذلك واجب أو لا بأس به.

مسألة الخلاف بين جمهور السلف وجمهور الفقهاء والمتكلمين في أصحاب البدع الكبار.

تقدم قول القاضي: “فمنهم من صوب التكفير الذي قال به الجمهور من السلف. 

ومنهم من أباه ولم ير إخراجهم من سواد المؤمنين، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين”، والذي يظهر أن جمهور السلف إنما أرادوا تكفير الأقوال، أو الكفر المطلق، الذي لا ينزل على الأعيان إلاّ بعد تحقق شروطه وانتفاء موانعه، وفي المقابل فالمتأخرون لا يخالفون في إكفار من استبانت له السنة ثم جحدها.  

ولهذا قال ابن حجر في الفتح 13/116 معقبًا على قول ابن التين: “وما أدعاه من الإجماع على القيام فيما إذا دعا الخليفة إلى البدعة مردود، إلاّ إن حمل على بدعة تؤدي إلى صريح الكفر، وإلاّ فقد دعا المأمون والمعتصم والواثق إلى بدعة القول بخلق القرآن، وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتل والضرب والحبس وأنواع الإهانة، ولم يقل أحد بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك، ودام الأمر بضع عشرة سنة حتى ولي المتوكل الخلافة فأبطل المحنة وأمر بإظهار السنة”.

هذا هو ما يظهر.

ويشكل على ما قاله الحافظ أنه استثنى البدع التي تؤدي إلى الكفر الصريح ومع ذلك لم يعد واحدة من أغلظ البدع عند السلف كذلك، فما هي البدعة التي تؤدي إلى الكفر الصريح إذا لم يكن القول بخلق القرآن ونفي القدر منها؟

ومع تأكيد ما سبق وصفه بالظهور من قول السلف، فالحق أن المسألة موضع خلاف، اضطربت فيها الأقوال على الأقل في نظر أعلام من العلماء، حتى وصف القاضي بالاضطراب في ذلك قول مالك، وقول ابن الباقلاني، وقول الأشعري، وذكر تهيب الجويني الحديث فيها [الشفا 2/276-277].

وأما ما أجب به ابن حجر رحمه الله من شأن الخلفاء الدعاة إلى فتنة القول بخلق القرآن، فالحق أن في مذاهب العلماء قولان مشهوران فلا يقال لم يقل أحد. بل في مذهب الإمام أحمد نفسه أثر ذلك، لكن يبقى كلام الحافظ وجيهًا من جهة الاحتجاج على الإجماع الذي نقله ابن التين في المبتدع بوجود الخلاف، وهو كذلك فقد حمل بعضهم صنيع الإمام أحمد هذا على منع الخروج، وحمله بعضهم على ترك الواجب لعدم القدرة، مع كفر المأمون عنده، أو مع إظهاره الكفر الصريح الذي يوجب الخروج.

والنصوص عن أحمد في ذلك مختلفة نقل بعضها أبو يعلى في الأحكام السلطانية 1/20، قال: “قد روي عن الإمام أحمد رحمه الله ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل، فقال في رواية عبدوس بن مالك القطان: ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا عليه، برًا كان أو فاجرًا، فهو أمير المؤمنين. وقال أيضاً في رواية المروزي: فإن كان أميرًا يعرف بشرب المسكر والغلول يغزو معه، إنما ذاك له في نفسه، وقد روى عنه في كتاب المحسنة: أنه كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين في غير موضع. وقد دعاه إلى القول بخلق القرآن، وضربه عليه، وكذلك قد كان يدعو المتوكل بأمير المؤمنين، ولم يكن من أهل العلم، ولا كان أفضل وقته وزمانه”، ثم قال وهو الشاهد: “وقد روى عنه ما يعارض هذا؛ فقال في رواية حنبل: وأي بلاء كان أكبر من الذي كان أحدث عدو الله وعدو الإسلام: من إماتة السنة؟ يعني الذي كان أُحدث قبل المتوكل فأحيا المتوكل السنة. وقال فيما رأيته على ظهر جزء من كتب أخي رحمه الله: حدثنا أبو الفتح بن منيع قال سمعت جدي يقول: كان أحمد إذا ذكر المأمون قال: كان لا مأمون. وقال في رواية الأثرم في امرأة لا ولي لها: السلطان. [يعني أجاب فقال: وليها السلطان]، فقيل له: تقول السلطان، ونحن على ما ترى اليوم؟ وذلك في وقت يمتحن فيه القضاة [يعني على القول بخلق القرآن]. فقال أنا لم أقل على ما نرى اليوم، إنما قلت: السلطان [يعني السلطان ولي من لا ولي لها حال استقامته]! قال القاضي: “وهذا الكلام يقتضي الذم لهم والطعن عليهم، ولا يكون هذا إلا وقد قدح ذلك في ولايتهم، ويمكن أن يحمل ما قاله في رواية عبدوس وغيره، على أنه إذا كان هناك عارض يمنع من نصبة العدل العالم الفاضل وهو أن تكون النفوس قد سكنت إليهم وكلمتهم عليه أجمع، وفي العدول عنهم يكثر الهرج”.  واحتج قوم من المتأخرين على تكفيره المأمون بما رواه الخلال في السنة، قال: أخبرني أحمد بن محمد بن مطر، قال: ثنا أبو طالب، قال: قلت لأبي عبد الله: إنهم مروا بطرسوس بقبر رجل، فقال أهل طرسوس: الكافر، لا رحمه الله! فقال أبو عبد الله: «نعم، فلا رحمه الله، هذا الذي أسس هذا، وجاء بهذا»، وهذا الإسناد جيد إلى الإمام، قالوا: والمأمون دفن في طرسوس، وهو الذي أسس بدعة خلق القرآن.

والذي يرجحه محققو الحنابلة كشيخ الإسلام ابن تيمية هو الأول، وهو الأظهر فالنصوص الأخرى عنه ليست صريحة في الخروج عليهم أو خلعهم بله تكفيرهم بأعيانهم، بخلاف ترحمه عليهم، وصلاته خلفهم، بل صح عند الخلال في السنة 1/131 قوله: “ما أعرف نفسي مذ كنت حدثا إلى ساعتي هذه إلا أدى الصلاة خلفهم واعتد إمامته ولا أرى الخروج عليه”، وهذا لم يصرح فيه بذكر المأمون أو غيره، لكن ظاهره يدخل فيه المأمون وغيره فقد نص على أن تلك حاله منذ حداثته، ثم إن “المنصوص الثابت عنه من رواية صالح أنه قال ومتى رأيت أباك يلعن أحداً لما قيل له ألا تلعن يزيد فقال ومتى رأيت أباك يلعن أحدًا” [ينظر منهاج السنة 4/573]، وما زعموه من قوله: لا رحمه الله، لعنٌ، على أنه من رواية أحمد بن محمد بن مطر وقد نصوا على أن له غرائبًا، لكنه ثقة في الجملة، ولا تعل الآثار بمثل ذلك، ولاسيما التي تكون بين الخاصة، لكن كذلك لا يصلح أن تبنى عليها أحكام عامة، ثم إنه لم يسم هذا المذكور بطرسوس من يكون، ففي طرسوس قبور كثيرة منها قبر المأمون! وربما كان فيها من قبور أئمة الجهمية الذين ناظر بعضهم، وكانت الفتنة بالقرآن شائعة، فعادت الرواية إلى احتمال! ولا يُدَّعَى على رجل أنه كفر رجلاً بعينه بمثل هذا، وإذا كان الإمام أحمد قد جعل في حل من ضربه على القول بخلق القرآن -وهو المعتصم- بعد أن ناظره ولم يكفره فمن لم يمتحنه أو يناظره –وهو المأمون- أولى بذلك. [انظر في ذلك سيرة الإمام لابنه صالح ص65، بتحقيق فؤاد عبدالمنعم أحمد، طبعة دار الدعوة، الثانية، 1404، الإسكندرية].

وأما كونه قد يرى فسق بعضهم، فلا يعتده أهلاً لولاية اختيارًا، كولاية نكاح، أو يصفه بالسوء فهذا ليس نصًا على التكفير والدعوة إلى الخروج، وبكل حال لو كان يرى الخروج عليهم مشروعًا لذكر ذلك وذكر الموجب للكف كأن قال يترك للمصلحة أو عدم القدرة، لكنه دأب وهو يعاني ذلك العهد على تقرير تحريم الخروج على السلطان ويذكره في عقد أهل السنة، كقوله: “ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق”، [انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي 1/161]، ونحو كلامه قاله أبو زرعة، وابن أبي حاتم، وعلي بن المديني [انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة 1/164-167]، وهذا منهم في ذلك العصر الذي اشتدت فيه المحنة أظهر أن يحمل على حالتهم، لا أن يجعل في حق العدل وحده، وإلاّ كان فيه تمويه أجل الله عنه مقامهم.

والغرض مما سبق التأكيد على أنه ما ذكره ابن حجر صحيح في الجملة، وأن ما نقله القاضي من تكفير جمهور السلف للمبتدعة ليس كلامًا في المعينين وإنما هو حكم مطلق أو على الأقوال، وإن كان لا يقال ما قاله ابن حجر لم يقل أحد بنزوله على من قال بنحو خلق القرآن، كلا فقد قال به كثيرون. والمهم هنا أن جمهور السلف فيما يظهر ليسوا على تكفير الأعيان بنحو تلك البدعة المغلظة.

لكن وقع لبس قديم في فهم نصوص تكفير السلف للجهمية، فحملها قوم على الكفر الأصغر لأنهم رأوا ما يفيد عدم تكفير السلف لكثير من الجهمية بأعيانهم، حتى عد بعضهم القول بخلق القرآن كفراً أصغر وجعلها روايةً عن أحمد، وحملها قوم على الأكبر الضروري فكفروا بعض أعيان الجهمية المجتهدين، وهذا اللبس في فهم النصوص عن الأئمة الأُوَلِ  من جنس اللبس الذي وقع لأهل البدع في فهم نصوص الوعيد، فما قالته الجهمية كفر مخرج عن الملة، لكن المعَّين منهم يتوقف تكفيره على إقامة حجة وتوافر شروط وانتفاء موانع، ولهذا لم يكفر أحمد رحمه الله بعضهم على التحقيق، وقد نبه على ذلك الإمام ابن تيمية حيث قال: “سبب هذا التنازع تعارض الأدلة فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم، ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمنع أن يكون كافرًا، فيتعارض عندهم الدليلان، وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في الفاظ العموم في نصوص الشارع، كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين اطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه، فإن الإمام أحمد مثلاً قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن ونفي الصفات، وامتحنوه وسائرَ علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق ورد الشهادة وترك تخليصهم من أيدي العدو، بحيث كان كثير من أولى الأمر إذ ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم يكفرون كل من لم يكن جهميًا موافقًا لهم على نفي الصفات؛ مثل القول بخلق القرآن، ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر؛ فلا يولُّونه ولاية، ولا يفتَكُّونه من عدو، ولا يعطونه شيئًا من بيت المال، ولا يقبلون له شهادة ولا فتيا ولا رواية، ويمتحنون الناس عند الولاية والشهادة والافتكاك من الأسر وغير ذلك، فمن أقر بخلق القرآن حكموا له بالإيمان، ومن لم يُقر به لم يحكموا له بحكم أهل الإيمان، ومن كان داعيًا إلى غير التجهم قتلوه أو ضربوه وحبسوه، ومعلومٌ أن هذا من أغلظ التجهم؛ فإن الدعاء إلى المقالة أعظمُ من قولها، وإثابةَ قائلها وعقوبةَ تاركها أعظمُ من مجرد الدعاء إليها، والعقوبةَ بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب، ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الاسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والاجماع، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعيَّنين من الجهمية الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قوما معينين” [هذا نصه كما في مجموع الفتاوى 12/487-489، وانظر المعنى في المجموع أيضًا 23/348-349، 7/507-508].

ومما تقدم يعلم توجه كلام ابن حجر في تعقبه نقل الإجماع على الخروج على المبتدع الذي لا تخرجه بدعته إلى حد الكفر عينًا، ويقرب أن الحق فيه كالخلاف في الفاسق، ليس فيه إجماع، وقول جمهور السلف فيه تنازع واشتباه، لكن الأقرب عدهم له كالفاسق مطلقًا في حكم الخروج عليه، وأن المسألة يعسر فيها تحرير قول الجمهور فضلاً عن أن يدعى فيها الإجماع، ونحوها مسألة من أتى بمكفرات أخرى كالبدع الكبار وإن كانت في عداد الأمور العملية، والله أعلم.