الإمام ومن يكون؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

فقد قيل الإمام في اللغة: كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين [تهذيب اللغة للأزهري 15/457، ولسان العرب 12/25، والكليات لأبي البقاء 1/176]، وأجود من ذلك في التعريف اللغوي قول ابن فارس: كلُّ من اقتُدِي به وقُدِّم في الأمور [معجم مقاييس اللغة لابن فارس 1/56]، فإنه يخرج من دور استعمال جذر المعرف في التعريف.

فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم إمام الأئمة، والخليفة إمام الرّعية، والقرآن إمام المسلمين.

وعلى هذا المعنى اللغوي درج العلماء في الاستعمال، فهم يطلقونه على أوجه مختلفة ويعرف المراد بحسب السياق أو الباب، فيكون سياقه مفهماً لتقييدهم المفهوم اللغوي، أو حمله على وجه ضمن اصطلاح خاص في كتب وسياقات وأبواب من العقيدة أو الفقه.

فالإمام كثيرًا ما يطلق على صاحب الرأي أو النظر المقدم عند أتباعه، في العقيدة أو الفقه، كالإمام أبي حنيفة، أو الإمام أحمد، أو الإمام الأشعري، أو الإمام ابن تيمية، أو الإمام الغزالي، وهكذا كما هو مشهور في الكتب.

والإمام إذا ذكر في أبواب الصلاة، انصرف إلى من يقتدي به المصلون في صلاتهم، والإمامة هنا ارتباط مصلٍّ وهو المؤتم بمصلٍّ آخر وهو الإمام أو المقتدى به، وفق شروط شرعية.

بينما الإمامة في كتب العقائد تطلق في الغالب على الرئيس، الذي له الإمامة؛ وهي: رئاسة عامة في الدين لرجل جامع لشروطها [شمس العلوم للحميري 1/139]. وليس هذا الإطلاق مختصاً بكتب العقائد فهو كذلك جارٍ في كتب الفقه، ضمن أبواب الجهاد أو الأقضية والأحكام، أو المعاملات، أو الحدود، وأيضًا في الكتب المستقلة ككتب السياسة الشرعية، وقيل في حدِّه ما تقدم.

وقيل: رئاسة عامة في الدين والدنيا لا عن دعوى نبوة [الدرة الغراء في نصيحة السلاطين والقضاة، لمحمود بن إسماعيل الخريبي ص109].

وقيل: رئاسة تامة، وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا، متضمنها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الجنف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين [غياث الأمم في التياس الظلم، للجويني ص15].

وقيل: خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين، وسياسة الدنيا به [تاريخ ابن خلدون 1/191، مع الموسوعة الفقهية 6/216]. وقيل: صفة حكمية توجب لموصوفها تقديمه على غيره معنًى، ومتابعة غيره له حسًّا [الفواكه الدواني للنفراوي 1/106]، وقال صديق حسن خان [العبرة ص177 وما بعدها] : “قيل: رئاسة عامة لشخص من الأشخاص، بحكم الشرع.

وقيل: رئاسة على كافة الأمة في الأمور الدينية السياسية، لا يكون لأحد عليه طاعة في ذلك ولا لأحد معه.

وقيل: رئاسة عامة لشخص واحد يختص به إمضاء أحكام مخصوصة على وجه لا تكون فوق يده يد”.

وعرفت بتعريفات أخرى مقاربة لما تقدم.

وهذا النوع من إطلاقات الإمامة والإمام هو المهم الذي انتصب فيه الخلاف بين الإسلاميين قديمًا وحديثًا، ويتحصل مما تقدم في تعريفه أمران متفق عليهما في الجملة: 

الأول: مقصود الإمامة وموضوعها، وهو إقامة الدين وسياسة الدنيا به.

والثاني: ما توجبه من تقديم صاحبها واتباعه وطاعته.

فمن آلت إليه الرئاسة وجمع شرائطها –على اختلاف الفقهاء فيما يجب من شرائطها عهدًا واختيارًا، أو يسقط من شرائطها تغلبًا وإجبارًا- فهو إمام واجب الاتباع في المعروف.

وتلك الشرائط يذكرها الفقهاء وغيرهم، ومن ذلك قول النفراوي [الفواكه الدواني 1/106] : ” لا تجب طاعة الإمام إلا بشروط: الإسلام، والتكليف، والذكورة، والحرية، والعدالة، والعلم، والكفاية، وكونه قرشيًّا، واجدًا، على خلاف فيهما”.

واجتهد في تحرير الخلاف في بعض هذه الشرائط بعض المعاصرين، ومنهم عبد الله ابن عمر بن سليمان الدميجي في أطروحته [الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، ص233-330، طبعة دار طيبة، الثانية، 1408، الرياض].

ولعله تتبع هذه المقالة مقالات أخرى، تبسط ذلك وتناقشه، وتقرر مذاهب العلماء والأئمة فيه، ليتميز ما له في الاجتهاد سبيلٌ وسعةٌ، مما ضعف وجهه أو أجمع العلماء على خلافه.

والمهم هنا ملاحظة قضية جوهرية وهي أن أصل الإمامة الشرعية ومدلولها، اقتداء وطاعة لغرض ومقصد ألا وهو إقامة الدين وسياسة الدنيا به. أما لخلاف هذا المقصد فتلك إمامة غير شرعية، وهي درجات، فمنها ما يندرج تحت قوله: ﴿فَقَاتِلُوا ‌أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 13]، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ ‌أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: 41]، ومنها ما لا يسوغ نزع يد الطاعة مطلقًا، وبينهما مراتب، وللعلماء فيها مذاهب.