ثقة ترامب في محلها!

لم نرَ في خطبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلا استنساخًا بيّنًا لخطبة البابا أوربان قبل ٩٢٣ عامًا، وهو يحفِّز الأوروبيين على القيام بالحملة الصليبية الأولى، واعدًا إياهم بمثل ما وعد به ترامب أنصاره والإسرائيليين، وعلى رأسهم مجرم الحرب الدولي بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية، حين قال الأول «أوربان»: «انتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث وتملكوها أنتم، إن أورشليم (القدس) أرضٌ لا نظير لها في ثمارها، هي فردوس المباهج»، فقال الثاني «ترامب»: «سنتملك نحن غزة، وستصبح ريفيرا الشرق الأوسط»!

يتحدث ترامب بكل ثقة بأنه لو أراد لفعل، ولو لم يُرد كان ارتعاد فرائص «الزعماء العرب» كفيلًا بأن يبلغه أمنيات أخرى لديهم، كيف وهو يطلب شبرًا فيمنحونه ذراعًا!

يتساءل البعض: ماذا لو أسمع الحكام العرب ترامب أنهم لا يوافقون بكل وضوح على خطته، لأنها – على الأقل – ستكلفهم وتكلفه كذلك عروشهم، أكان يمكنه المضي سابحًا في خيالاته الامبراطورية؟!

أوَ مِن بعد هزيمة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق وأفغانستان وحتى الصومال أيمكنه معاودة المخاطرة بكل صلف وتكبر هكذا دون أن يخشى مذلة الهزيمة مرة أخرى؟!

كيف، وهو يرغي ويزبد من قبل استلام إسرائيل أسراها الأمريكيين؟!

إنه يصول ويجول ولم تمض سوى أيام قلائل على استلامه هو وحليفه نتنياهو أسيرًا من عند أبطال غزة وآخر يستلمه من لدن كماة أفغانستان!

لا يُعيي العرب أن يقولوا كلمة حاسمة وسيسمعها ترامب مضطرًا – لو أصروا عليها – لكنهم أضعف بكثير من أن يفعلوا. بل إن بعضهم ليقول: إي، سلمت. خلصنا رجاء من صداع غزة الذي يعرينا!

افعلها رجاء، فلقد أهانتنا غزة ومرغت أنوفنا، بصمودها، بجسارتها، باستعلائها الإيماني، بروحها العالية، وقوتها المعجزة.

لا تملك غزة مئات المليارات تبذلها عن يد وهي صاغرة؛ فلم تفعل. ولو ملكت فحرام على عزتها أن تفعل. وليس بين يديها جيش كرتوني يكدس الآليات كمثل الحمار يحمل أسفارًا! تمتلك غزة الوصفة السحرية للجهاد والمقاومة على النحو الذي يخلفه «القادة»، إنها الوحيدة من بين كل جيرانها التي لا تملك جيشًا ولا حكومة عربية؛ فلهذا خرجت من أعنف معركة في هذا الربع الأول من القرن الحالي مرفوعة الهام سامقة.

الذي أطمع أوربان والفرنجة، ضعف إمارات السلاجقة وانهزام العبيديين، وانصراف الشعوب عن قضاياهم الأممية الجامعة.. يتذرع محمد بن نصر في حلب بتخاذله عن قتال البيزنطيين على حدود الشام الشمالية فيقول لحاكم مصر: « وأما الروم فقد هادنتهم مدة وأعطيتهم ولدي رهينة على مال اقترضته منهم فلا سبيل إلى محاربتهم »!

ومن بعده يأتي رضوان بن تتش فيصالح البيزنطيين صاغرًا ويُعلِّق الصليب فوق مئذنة المسجد الأموي بناءً على أمرهم!

وأما مصر فقد جمعت بين حكم العبيديين المنسلخ من الدين، والمجاعة، والفساد…

رخاوة شجعت أوربان، شأنها كرخاوة المسؤوليْنِ العربييْنِ اللذين نقلت عنهما شبكة “سي إن إن” القول: إن تصريحات ترامب «كانت قاسية ويصعب فهمها واستيعابها ونحتاج إلى مزيد من الوضوح لفهمها»!

وإلى أن يفهم ويستوعب الأذناب، فقد تمطر القاذفات الأمريكية القنابل العملاقة التي سمح بتصديرها لإسرائيل مؤخرًا على رؤوس الغزاويين لحملهم على الرحيل الأخير من غزة هاشم.

وإذ عاونت الأنظمة العربية، العصابات الصهيونية في أربعينات القرن الماضي على إقامة «دولة إسرائيل»؛ فإنها اليوم تمارس الخديعة نفسها على الشعوب مدعية أنها تقاوم التهجير في الوقت الذي تشارك ترامب تنفيذ مخططه بالحماسة نفسها التي يبذلها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية والدول العربية، دونالد ترامب.

يقول شهود عيان فلسطينيون: إن كل جريح مع أهله المرافقين يمرون من معبر رفح يُجبرون على توقيع إقرار بعدم العودة لغزة مرة ثانية. لم يتسنَّ التأكد من ذلك لكنه ليس مستبعدًا أبدًا! وعلى مقربة يعارضون التهجير غير متنازلين عن «حل الدولتين» لكنهم يمنحون الحليف ترامب ثروة طائلة، لتتبدد هواجسه الأولية عن حل معضلة تمويل «ريفيرا الشرق الأوسط»، غزة هاشم سابقًا!

وكالعادة، يتخوف ساحل عُمان لا من التهجير بحد ذاته، وإنما من «امتداد الصراع وتوسعه في المنطقة».. هجّروا ولا تماطلوا. وسيعرب الآخرون من المحيط إلى الخليج عن رفضهم للتهجير، وماذا سيكلفهم هذا «الإعراب»؟!

إذا توجه أحد تلقاء غزة، فسيجدها مثلما كانت وقت العدوان الذي قد يعود، كالعادة، وحيدة، وهي تتحدى التهجير تمامًا مثلما تحدت الإبادة. وحدها تلعق جراحها متأهبة للغدر بعد أن زكم أنفها برائحته البغيضة. وحدها تستعد لحمراء الأسد.

يغرق ترامب في أكاذيبه حتى أذنيه، لكن قد يكون صادقًا حين قال: «سيفعلان»، «الجميع يوافقون على ما أقول»، «هناك من يرفض أولًا ثم يوافق»!