المعارضة والنصح: أولوية العفو

لاقى توجيه رئيس أمن الدولة السعودي عبد العزيز الهويريني، رسالة إلى «المعارضين السعوديين» في الخارج تحمل إمكانية العفو عنهم وعودتهم إلى البلاد آمنين، ما لم يكونوا متورطين في جرائم، ترحيبًا حذرًا لدى المتابعين لملف تعامل الدولة السعودية مع المعارضين والناصحين لقادة البلاد، والناقدين لبعض السياسيات الممارسات والمخالفات الشرعية.

قال الهويريني: «يعودون، مرحبًا بهم، ولن ينالهم أي عقاب»، معقبًا على قرار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالعفو عنهم والسماح لهم بالعودة إلى السعودية.

بعض المعارضين أبدوا عدم ثقتهم بالعرض المُقدَّم من الحكومة السعودية، خصوصًا فيما يتعلق بآلية العودة التي تستلزم – بحسب الهويريني – مراجعة قنصليات بلادهم أولًا، على أن افتراضهم سيناريو استدراج الحكومة للمعارضين من بوابة العفو مستبعد إلى حد كبير؛ فالحكومة جادة في إنجاح هذا المسعى على ما يظهر، ليس لأنها راغبة في فتح صفحة جديدة مع المعارضين، وإنما لسبب آخر مختلف.

ولمعرفة السبب يتعين العودة كثيرًا للوراء، والنبش في صفحات التاريخ. جميع الشعوب العربية تعلم أن زرع الكيان المحتل في خاصرة العالم الإسلامي قد كان نذير شؤم كبير على العرب، لكن قلة صغيرة جدًّا هي من تعلم أنه قبل «إسرائيل» لم يكن المسلمون يعرفون كثيرًا كثرة المعتقلات والسجون والملاحقات الأمنية والتعذيب وحياة الخوف «الأمنية» في العالم العربي.

قلة هي من ربطت بين قيام دولة الاحتلال وزراعة الخوف، وقلة قليلة هي من ربطت ما بين الحملات الأمنية الكبرى في العالم العربي وبين اقتراب توقيع اتفاقات للتطبيع مع كيان الاحتلال؛ فلـ«إسرائيل» يد في معظم حالات اعتقال العلماء والدعاة والمصلحين، وسائر الرافضين لها ولبناء علاقات بين دولهم معها، وهذا ليس فريةً مدعاة؛ فمن يقلب صفحات التاريخ لن يبذل جهدًا كبيرًا في استنتاج ذلك بنفسه دون كبير عناء.

وبلاد الحرمين لا تشذ عن تلك القاعدة؛ فيوم بدأ صهر ترامب، كوشنر، يسبق الزمن من أجل إقامة علاقات بين سائر دول الخليج، وبخاصةٍ السعودية، كانت الاعتقالات تتوالى والاتهامات تتوالد، فلا مناص من إسكات صوت «الناصحين» من كبار العلماء والدعاة قبل أن تبدأ أولى حلقات التطبيع، وهي سلسلة عمليات تمهيدية تدور مع تقييد عمل الدعاة، وإفراغ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مضمونها، وقيام هيئة الترفيه، وتغيير ملامح التعليم المناوئ لـ«إسرائيل»، وفتح باب السياحة على مصراعيه.. إلخ.

اليوم يتساءل المعارضون في الخارج: إذا كان الهدف هو فتح صفحة مع المعارضين، أليس من باب أولى فتحها مع المعتقلين، الذين كانوا لا يعدون أنفسهم، ولا يظهرون كذلك بمظهر المعارضين، بل الناصحين، وكلهم تقريبًا قد بايع الملك وولي عهده في حينه بخلاف بعض المعارضين الذين لم يفعلوا، ولم يُطلب منهم ذلك مع عودتهم؟!

تساؤلهم منطقي، والإجابة كذلك منطقية! فالحكومة لا ترغب بسماع أصوات معارضة للتطبيع الذي يُنظم عقده الآن، لا في الداخل ولا في الخارج، وإذا كان لا صوت لسجين فلماذا يخرج في هذا التوقيت الحرج، الذي تسعى فيه الولايات المتحدة الأمريكية لملمة قضية غزة والتفرغ لإطلاق قطار التطبيع الخليجي – «الإسرائيلي»! وإذا أوشك القطار أن ينطلق؛ فلماذا ينغص عليه المعارضون في الخارج، فسكوتهم رهن عودتهم!

تفكيك صوت المعارضين الصاعد مطلب حكومي مفهوم ليس لأجل التطبيع وحده، وإنما لإغلاق عدد من الملفات، خصوصًا أن القادم سيحمل كمية وافرة من المواد الخام لقضايا ستلوكها ألسنة المعارضين الحادة. وهذا مزعج ولا رغبة في حصوله.

المشاريع الجديدة، مناخ الاستثمار الداخلي، ملفات الاستثمار الخارجي خصوصًا في الولايات المتحدة الأمريكية، السياحة، السياسة الداخلية، وكثير مما ينبغي للمعارضين الكف عن الحديث عنه، وهذا يستلزم فتح أبواب العفو الخارجية، واستمرار إغلاق النوافذ الداخلية.

أحب ما نتمناه أن تكون هذه المقاربة خاطئة، وأن يُعبّد الطريق للتعامل الصحي الطبيعي مع الناصحين على المسار ذاته الذي تعودت عليه بلاد الحرمين، من الإصغاء لأصوات الناصحين المحبين، الحريصين على أمن هذه البلاد أكثر بكثير من غيرهم، هذا فضلًا عن الوقوع في فخ الإصغاء لسكان البيت الأبيض والكابينيت!