تحرير مذهب أبي حنيفة في أئمة الجور

الحمد لله وبعد، فإن مما يحتاج إلى التحرير خلاف الناس في مذهب أبي حنيفة في أئمة الجور، فمن قائل يرى فيهم رأي الحرورية، ومن قال بضد ذلك ينسبه إلى إرجاء التجهم، ومن متوسط.

ومن غرض الكلام في المسألة بيان أقوال أئمة المذاهب السنية المتبوعة والأقوال في مذاهبهم، ليعرف قدر تلك المسائل ومكانها عند المجتهدين، مع ما يتضمنه ذلك من الذبِّ عن أئمة الدين.

وقد جاء في كتاب الفقه الأكبر والذي يرويه عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أبو مطيع البلخي [وصفه الذهبي بالجهمي الذي يضع الحديث لنصرة البدعة؛ انظر ميزان الاعتدال 3/42، وقارن بما في لسان الميزان 2/334]، أنه قال: “قلت فَمَا تَقول فِيمَن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر فيتبعه على ذَلِك نَاس فَيخرج على الْجَمَاعَة هَل ترى ذَلِك؟

قَالَ: لَا.

قلت: وَلم، وَقد امْر الله تَعَالَى وَرَسُوله بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَهَذَا فَرِيضَة وَاجِبَة؟

فَقَالَ: هُوَ كَذَلِك، لَكِن مَا يفسدون من ذَلِك أَكثر مِمَّا يصلحون من سفك الدِّمَاء وَاسْتِحْلَال الْمَحَارِم وانتهاب الْأَمْوَال، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: {وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [سورة الحجرات: من الآية 9].

قلت: فنقاتل الفئة الباغية بِالسَّيْفِ؟ قَالَ: نعم؛ تَأمر وتنهى؛ فَإِن قبل وإلا قَاتلته فَتكون مَعَ الفئة العادلة وَإِن كَانَ الإِمَام جائرًا؛ لقَوْل النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (لَا يضركم جور من جَار وَلَا عدل من عدل لكم أجركُم وَعَلِيهِ وزره) [الفقه الأكبر ص108]”.

فهذا رأي بعدم الخروج عليهم مع جورهم، وقتال الباغي عليهم من أهل الأمر والنهي معهم.

وهذا غاية ما ينقله أمثال البلخي ممن وصفوا بالتجهُّم، وفيه:

  • إقرارهم بالأمر والنهي.
  • منعهم مع ذلك القتال.
  • إذا وقع القتال يقاتلون مع الإمام وإن جار.

وليتأمل هذا من يصف مخالفه في شيء من ذلك باسم الحرورية، ليعلم من حال أبي مطيع أن تبادل التهم سهل! ولاسيما أن من وُصف بالتجهُّم يروي عن الإمام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقول، فتأمل.

فهذا مذهب مروي عن الإمام أبي حنيفة وفي ثبوته ما ترى.

أما المذهب الآخر المناقض لهذا والمروي عنه رحمه الله فكونه لا يرى إمامة الفاسق مطلقًا، ويرى قتاله مع أهل العدل، قال إمام الحنفية في زمانه أبو بكر الجصاص في تفسيره [أحكام القرآن، تحقيق قمحاوي، 1/86] قول الله تعالى: (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [سورة البقرة، من الآية: 124]، قال:  “وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَكُونُ حَاكِمًا وَأَنَّ أَحْكَامَهُ لَا تَنْفُذُ إذَا وَلِيَ الْحُكْمَ، وَكَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا خَبَرُهُ إذَا أَخْبَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا فُتْيَاهُ إذَا كَانَ مُفْتِيًا، وَأَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ لِلصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ لَوْ قُدِّمَ وَاقْتَدَى بِهِ مُقْتَدٍ كَانَتْ صَلَاتُهُ مَاضِيَةً؛ فَقَدْ حَوَى قوله: [لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ] هَذِهِ الْمَعَانِي كُلَّهَا.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ تَجْوِيزُ إمَامَةِ الْفَاسِقِ وَخِلَافَتِهِ، وَأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَاكِمِ فَلَا يُجِيزُ حُكْمَهُ، وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَهُوَ الْمُسَمَّى زُرْقَانَ، وَقَدْ كَذَبَ فِي ذَلِكَ وَقَالَ بِالْبَاطِلِ، وَلَيْسَ هُوَ أَيْضًا مِمَّنْ تُقْبَلُ حِكَايَتُهُ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ الْقَاضِي وَبَيْنَ الْخَلِيفَةِ فِي أَنَّ شَرْطَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْعَدَالَةُ، وَأَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَكُونُ خَلِيفَةً وَلَا يَكُونُ حَاكِمًا كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا خَبَرُهُ لَوْ رَوَى خَبَرًا عَنِ النبي صلّى الله عليه وسلم، وَكَيْفَ يَكُونُ خَلِيفَةً وَرِوَايَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَأَحْكَامُهُ غَيْرُ نَافِذَةٍ؟! وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى ذَلِكَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَقَدْ أَكْرَهَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي أَيَّامِ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى الْقَضَاءِ وَضَرَبَهُ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَحُبِسَ، فَلَجَّ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَجَعَلَ يَضْرِبُهُ كُلَّ يَوْمٍ أَسْوَاطًا، فَلَمَّا خِيفَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ الْفُقَهَاءُ: فَتَوَلَّ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِهِ؛ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ؛ حَتَّى يَزُولَ عَنْك هَذَا الضَّرْبُ، فَتَوَلَّى لَهُ عَدَّ أَحْمَالِ التِّبْنِ الَّذِي يَدْخُلُ، فَخَلَّاهُ، ثُمَّ دَعَاهُ الْمَنْصُورُ إلَى مثل ذلك فأبى فحبسه حتى عدَّ له اللَّبِنَ الَّذِي كَانَ يُضْرَبُ لِسُورِ مَدِينَةِ بَغْدَادَ. وَكَانَ مَذْهَبُهُ مَشْهُورًا فِي قِتَالِ الظَّلَمَةِ وَأَئِمَّةِ الْجَوْرِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: احْتَمَلْنَا أَبَا حَنِيفَةَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى جَاءَنَا بِالسَّيْفِ؛ يَعْنِي قِتَالَ الظَّلَمَةِ، فَلَمْ نَحْتَمِلْهُ”،  إلى آخر ما ذكره من حوادث عن الإمام تؤيد ما ذهب إليه.

وأما المذهب الثالث فهو التوسُّط بين الخروج عليهم والخروج معهم أو إعانتهم، فلا يرى الخروج عليهم، وينهى عنه، كما لا يرى الخروج معهم ضد من خالفهم من أهل العدل أو البغي.

وهذا القول يوافق الأول في نصفه، ويخالفه في نصفه الآخر.

وهذا الشقُّ الأول هو الذي يقتصر عليه الأئمة الكبار من أمثال الطحاوي حيث قال في عقيدته المشهورة التي ذكر في مطلعها أنها اعتقاد أبي حنيفة وصاحبيه: “ولا نرى ‌الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا ‌وإن ‌جاروا ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عزَّ وجلَّ فريضة ما لم يأمروا بمعصية وندعو لهم بالصلاح والمعافاة” [انظر شرح الطحاوية ص327].

وجاء في الاعتقاد المروي عن أبي حنيفة [لصاعد النيسابوري ص164] : “كان أبو حنيفة -رضي الله عنه- يرى الصلاة خلف الجبابرة من المسلمين الذين يرتكبون ما لا يَحِلُّ، وكان لا يرى الخروج على السلطان، وإن كان جائرًا، أو يقول: لم يخرج قوم على السلطان إلى اليوم فأفلحوا”.

وفي أصول الدين للغزنوي الحنفي [ص281، بتحقيق عمر وفيق الداعوق، طبعة دار البشائر الإسلامية، الأولى، 1998، بيروت] : “ولا يحل الخروج عليهم وإن جاروا، ولا ينعزلون عن الإمامة والولاية وإن ظلموا أو ارتكبوا كبيرة، ولا ندعو عليهم إذا ظلموا بل ندعوا لهم بالصلاح والعدل”. [وانظر ما ساقه الكوثري في تأنيب الخطيب ص138، مسندًا إلى أبي حنيفة في معناه، وكذلك ما ذكره الملك أبو المظفر الأيوبي في كتابه: (الرد على أبي بكر الخطيب)، ص51، المذيل بطبعة دار الكتب العلمية لتاريخ بغداد الجزء 22، بتحقيق مصطفى عبدالقادر عطا، الطبعة الأولى، 1417-2010م، وقد وقع فيها أن الرد لابن النجار، والظاهر أنه خطأ بل هو رد الملك عيسى الأيوبي الذي يسوق الكوثري شواهد منه في رده على طليعة التنكيل للمعلمي المسمى: بـ(الترحيب بنقد التأنيب)، انظره في ذيل طبعة دار البشائر للتأنيب، الجديدة، 1410-1990م، ص370 وما بعدها]. 

وهذا هو المقرر في كتب متأخري الحنفية [انظر المقرر على سبيل المثال في حاشية ابن عابدين رد المحتار 1/549، 4/263، ويقيدون عزله والخروج عليه بأمن الفتنة كالجمهور انظره 4/264، وانظر تقريره عن أبي حنيفة في الفتنة 4/265].

وهذا المنقول عن الإمام، والمعزو إليه من مجتهدي المذهب كالطحاوي، المقرر أنه المذهب عند من تلاهم من متأخري أئمة الحنفية أولى بالنسبة إلى النعمان من نسبة من نسب إليه خلاف نصه، باستنتاجات من قصص وأخبار عنه في ثبوتها أو دلالتها نظر، ومن ذلك ما تقدم عن الجصاص وقد ساق بعده جملة من ذلك، ونقله عنه صاحب مفاتيح الغيب [التفسير الكبير 4/39].

ومما في دلالته نظر، جوابه إبراهيم الصائغ بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقيام هذا بأمر أبي مسلم ونهيه مرارًا حتى قُتل رحمه الله.

فهذا فيه وجوب أمر الأمراء بالمعروف ونهيهم عن المنكر وترك السكوت على ذلك، وليس فيه الخروج عليهم بالسيف.

وكذلك أمره بعضهم بالذبِّ عن أخيه ظلمًا وقع عليه، وقوله مخرجه أحب إليّ من مخرجك، يريد تركك الدفع عنه أو نحو ذلك.

وفي هذا الصدد ما نقل عن بعض الأئمة كالأوزاعي احْتَمَلْنَا أَبَا حَنِيفَةَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى جَاءَنَا بِالسَّيْفِ؛ يَعْنِي قِتَالَ الظَّلَمَةِ، فَلَمْ نَحْتَمِلْهُ، وهي تهمة أو جرح لا يخلو من إجمال، ولا يدرى مستنده ووجهه، هل يريد قال بخلع الفاسق وقتاله؟ أو يريد قال بدفعه عن ظلم أخيه، دون منازعته ملكًا أو دعوة إلى خروج عليه يتجاوز دفع صيال عسكره، فالأخير معنى ثبت عن أكابر قبله، غايته أن يكون اجتهادًا، كما في صحيح مسلم ومسند أحمد وغيرهما من خبر الخلاف في أرض لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، مع عنبسة بن أبي سفيان وكان واليًا لمعاوية رضي الله عنه على الطائف وتلك الأنحاء، فبلغ الأمر بعبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن دعا خدمه ومماليكه وتيسروا للقتال: فركب خالد بن العاص إلى عبد الله بن عمرو، فوعظه خالد. فقال عبد الله بن عمرو: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكر الحديث المشهور: «‌من ‌قتل ‌دون ماله فهو شهيد»، هذا وعنبسة كان الوالي من قبل معاوية رضي الله عنه، وكان النزاع على أرض أو بستان لعبد الله بن عمرو رضي الله عنه يقال لها: الوهط، جاء عنبسة ليقبضه فلبس عبد الله بن عمرو السلاح وجمع من أطاعه وجلس على بابه فقيل له: أتقاتل؟ فقال وما يمنعني أن أقاتل وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الخبر… [انظر الأم 6/32-33، ومعرفة السنن 13/80 (17538)، ورواه عبد الرزاق (18566) عن معمر، عن أيوب، وانظر سياقاته الأخرى في المصنف 10/113-115. ورواه أحمد 2/ 163 (6522)، قال: حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا حجاج، عن قتادة. وانظر 2/ 221 (7055)، والمحلى 11/335، وهو مشهور في كتب الآثار]. وقد يكون الأوزاعي رحمه الله فهم الأول، وأبو حنيفة أراد الثاني، فوقع التباس ما كان ينبغي وإن اختلف فيه أن يعطى هذا القدر من النكير، الذي يفهم منه قوله برأي الخوارج.

والمقصود هنا هو بيان أن هذه القضايا لا يصلح الحكم فيها دون بينة، فإذا جاءك قول عالم في عالم أنه كذا، فلا يجوز لك أن تقلده في ذلك مع احتمال خطئه من جهة الناقل له، أو احتمال أنه قد بلغه من الآخر ما غُيِّر أو أُجْمِل، ولا سيما إن علمت أن أهل العلم اختلفوا في ذلك العَلَم، فلا يجوز قبول قول القادح والناسب ذمًّا بكلام لا تدري ما حجته فيه، ولا يلزم من ذلك قدح في الأول ولا الثاني، فقد يكون كل منهما معذورًا؛ هذا بلغه الكلام على وجه، أو فهم من مجمله غير ما أراد قائله، وذلك بريء من فهمه أو مما بلغه.

وقد ذكر المعلمي عشرة أمور تجعل القول المسند الذي ظاهره الذمُّ لا يثبت بالذمِّ، منها:

السادس: ظهور أن المراد في الكلام ظاهره.

السابع: ظهور أن الذامّ بنى ذمَّه على حُجة لا نحو أن يبلغه إنسان أن فلانًا قال كذا أو فعل كذا فيحسبه صادقًا وهو كاذب أو غالط.

الثامن: ظهور أن الذامَّ بنى ذمَّه على حجة لا على أمر حمله على وجه مذموم وإنما وقع على وجه سائغ.

التاسع: ظهور أنه لم يكن للمتكلم فيه عذر أو تأويل فيما أنكره الذامُّ.

العاشر: ظهور أن ذلك المقتضي للذمِّ لم يرجع عنه صاحبه. والمقصود بالظهور في هذه المواضع الظهور الذي تقوم به الحجة.

وقد يُزاد على هذه العشرة، وفيها كفاية” [التنكيل 1/187].

ومما تقدم يظهر أن ما نقله الطحاوي وابن صاعد وأشباههم أشبه بالإمام أبي حنيفة، ولاسيما مع ما يقابل ذلك من مذهب مرجئة الفقهاء المنسوب إليهم، فالظاهر خطأ من قال إنه يرى السيف على الأمة بدعوى بعض الأجلة الذين بلغتهم أخبار عنه على غير وجهها الذي عنى، أو كلام له غير محرر حملوه على معنى تبادر لهم لم يرده، أو غير ذلك من الأعذار التي تعرض لأفاضل فيذمون بها مجتهدين أماثل نعتذر لجميعهم فيها عالمين بأن الخصم كريم، والربَّ رحيم، وطمعنا فيه أن يجمعنا بهم إخوانًا على سرر متقابلين.

ويحسن التنبيه هنا إلى أن الباحث لم يقف على شيء يثبت عن الإمام أبي حنيفة من قوله يفيد رؤيته السيف، لكن هي دعوى ادُّعيت عليه، وسببها حرفٌ محتمل من قوله لأوجه، وأهمه وأثبته ما تقدمت الإشارة إليه وفيه أن أبا إسحاق وهو إبراهيم بن محمد الفزاري، بلغه قتل أخيه مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الذي يقال له إبراهيم الفاطمي، الخارج على المنصور فقدم أبا حنيفة، فسأله أبو حنيفة فأجابه أنه جاء من المصيصة -الثغر الذي كان أبو إسحاق يرابط فيه لجهاد الروم ودفعهم عن بلاد الإسلام فقال أبو حنيفة: «لو أنك قتلت مع أخيك كان خيرًا لك من المكان الذي جئت منه»، فهذا ما ادعي عليه بسببه الإمام الأوزاعي رحمه الله، [ينظر في التنكيل 1/287، وأصل الخبر في المعرفة والتاريخ 3/98، ومن طريق يعقوب هذا رواه الخطيب في تاريخ بغداد 13/398 في جملة أخبار بألفاظ بعضها فيه نظر، وطريق يعقوب في المعرفة والتاريخ من أصحها]، والمعلمي رحمه الله ساقه ولم يحسن التوجيه والاعتذار على طريقته المعهودة، ولو سلك قواعده التي قررها أولًا لكان خيرًا، لكنه ساقها مسلمًا بأن الإمام يرى السيف وأن ذلك مذهب للسلف قديم.

والحق أن القدر الثابت عن الإمام مجمل قد يريد به ابتداء الخروج والقتال وخلع الإمام، وقد يريد به الذبَّ عن مظلوم في فتنة يراد أن يُقتل ظلمًا أولى من الرباط للتعليم في ثغر آمن، وقد يراد به غير ذلك.

وقد رأى عدد من أعيان المذهب أن مذهبهم في البغاة بل الخوارج إن خرجوا وتحيزوا عدم ابتدائهم بالقتال حتى يبتدئوا القتال هم، ذهب إليه القدوري في مختصره ص239، ووافق القدوري جماعة كالكاساني في بدائع الصنائع 7/140، وهو شرح لتحفة الفقهاء بني على مختصر القدوري، ووافقه أيضًا الجصاص كما في شرح مختصر الطحاوي 6/101، وإن كان مشهور المذهب عند المتأخرين على ما في الفقه الأكبر، لكن تحرير قول الإمام فيما يظهر أنه لا يرى القتال مع الإمام إن لم يكن عدلًا، وهو المذهب الذي يحكيه ابن تيمية عن جمهور السلف والأئمة [ينظر منهاج السنة 4/392، ومجموع الفتاوى 4/450-452].

وقد قال أبو الحسن الكرخي في مختصره: “قال الحسن بن زياد وقال أبو حنيفة: ‌إذا ‌وقعت ‌الفتنة ‌بين ‌المسلمين فينبغي للرجل أن يعتزل الفتنة ويلزم بيته ولا يخرج في الفتنة”، وهذا تأوله عدد من المتأخرين بما يصحح ما اختاروه في قتال البغاة [انظر تبيين الحقائق 3/294، وانظر بدائع الصنائع 7/140، ومعين الحكام ص190، والبناية شرح الهداية 7/302، تحفة الترك ص58]، لكن ظاهر ما جاء عن الإمام أكثر مما ذكروا، بل يرى مع ذلك الدفع عن المظلوم الذي يسميه كثير من المتأخرين باغيًا إن تحيز فقُصد ظلمًا، فهذا الذي يدل عليه خبر أبي إسحاق، وهو كالصريح في رأيه الذب عن المظلوم في الفتنة، ولا يطاع الإمام في قتاله، وليس فيه رأي السيف على المسلمين، ولا الخروج على الأئمة ومنازعتهم الملك، لكنه قد يشتبه على من لم يقف منه إلَّا على هذا ونحوه، وتقرر عنده قول كثير من متأخرة الفقهاء الذين يجرون البغاة على أئمة الجور مجرى البغاة على أئمة العدل ويخلطون أحكامهم بأحكام الخوارج في آراء تخالف التحقيق وما كان عليه السلف والأئمة وما دلت عليه النصوص التي سوف تعرج عليها مقالات لاحقة بعد ذكر مذاهب الأئمة إن شاء الله.

ومن مجمل ما تقدم يظهر تحرير قول الإمام، وأما مذهب الحنفية فيعلم كذلك مما سبق ما عليه أكثرهم واستقر عليه مشهور مذهبهم، قديمًا وحديثًا، ومخالفة بعض المحققين لهم من مجتهدي المذهب في ذلك كذلك قديمًا وحديثًا، والمقصود من ذلك تبيين قدر هذه المسائل، ومحلها من الخلاف، إجمالًا، فإن ذلك مما يساعد على بحث أدلتها بإنصاف، وترك تأويلها باعتساف، لما ُيزعم أو ُيظن أنه إجماع أهل السنة.

والله الموفق.