الحمد لله وبعد فإن وظيفة الإمام الذي أوجبت له الشريعة الطاعة، هي حراسة الدين، وسياسة الدنيا به، وبذلك يحصل خير الآخرة والعاجلة، وحصول خير الدنيا تبع لازم لصلاح أمر الآخرة من جهة، وليس هو مقصود الإمامة الأعظم إلَّا من جهة ارتباطه بالآخرة وإلاّ فإن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وليس المنتهي بشيء إذا ما قيس بالأبدي.
وهذا لابد أن يكون منظورًا في إيجاب الائتمام الشرعي، أعني رعاية الإمام للشريعة أولًا، وفي ذلك صلاح الدين والدنيا، وإنما أَوجب الطاعة والائتمام ديانة أمر الآخرة أصالة، فإذا أُغفلت هذه ونُوقضت، سقط فرض الطاعة إجمالًا.
كشأن الصلاة، لا توجب الشريعة – بل لا يجوز فيها- أن يُؤتم بإمام يلعب ويهزأ بها، ولا يجوز أن يُنصب إمام للفرائض من كان منكرًا لها، لا يرى صلاحيتها ولا إصلاحها، بل لا يجوز الائتمام بمن أفسد صلاته، وكذلك الشريعة لا يجوز أن يكون إمامًا فيها مناوئٌ لها، مناقضٌ لأحكامها! وهذا مما ينبغي أن يكون في غاية الظهور.
ولهذا أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، بل لو طرأ على إمام شرعي الكفرُ خرج عن حكم الإمامة، وسقطت طاعته، وفسدت ولايته، بل وجب على المسلمين خلعه، وهذا الواجب كأي واجب في الشريعة منوط بالقدرة؛ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
وقد نقل هذه الإجماعَ جمعٌ غفير، كابن التين – وهو السفقاسي- كما نقل الحافظ في الفتح [فتح الباري 13/116، وانظر للقسطلاني إرشاد الساري 10/217 وبعضهم ظن أن السفاقسي آخر وليس بظاهر]، ونقل الإجماع أيضًا القاضي عياض، ووافقه النووي كما في شرح مسلم [شرح النووي، 12/229]، وابن عرفة كما في تفسيره [تفسير ابن عرفة 1/167]، وكذلك نقل الإجماع الطيبي في شرح المشكاة، [الكاشف عن حقائق السنن 8/2560 حديث رقم (3668)]، ونقله أيضًا القاري [مرقاة المفاتيح 6/2393]، وغيرهم.
وهذا الإجماع لا يُعرف له مخالف من أصحاب المذاهب السنية الخمسة؛ الأربعة مع الظاهرية، بل جميعهم قرَّر مضمونه، من الحنفية [انظر على سبيل المثال: بدائع الصنائع للكاساني ٢/ ٢٣٩، وبريقة محمودية للخادمي ١/ ٢١٦، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٣٠٩]، والمالكية [انظر الفواكه الدواني 1/106]، والشافعية [انظر غياث الأم للجويني ص98، وأسنى المطالب في شرح روض الطالب لزكريا الأنصاري 4/108]، والحنابلة، وكذلك الظاهرية، قال ابن حزم: قال: “وَاتَّفَقُوا أَن الإمامة لَا تجوز لامْرَأَة وَلَا لكَافِر” [مراتب الإجماع ص126]، وهذا مما ينبغي القطع به، قال ابن المنذر: ” أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْكَافِرَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مُسْلِمٍ بِحَالٍ” [ينظر في أحكام أهل الذمة 2/787]، بل لا تخالف في ذلك الإباضية والزيدية والإثنا عشرية بل يتوسعون في ذلك، فيخرجون عن حد الإمامة أهلها، ومن هو أحق بها، ومن هو دونه، وعصاة الموحدين، فتبين بذلك أن هذا إجماع إسلامي لأهل القبلة في الجملة.
والله عز وجل إنما أوجب طاعة أولي الأمر منا، وقال عز وجل: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، وقال عز وجل لخليله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124]، ولهذا وغيره كثر في كلام الفقهاء منع تولية الكافرين ولايات دنيا ليس لها شأن، فكيف بالولاية العظمى، التي أعظم غرضها إقامة الدين، وسياسة الدنيا به؟!
فمن قال بجواز إسناد ولاية أمر الأمة إلى كافر فقد خالف المعقول، والنص، والإجماع القطعي، وأتى بدعة منكرة، تجعله في عداد الظالمين المتولين لهم.
وإذا تبين أن الكافر لا يكون إمامًا، فكذلك لا تجب له طاعة، بل يجب خلعه، وإنما يجري حكمه على الناس قهرًا، ويؤدي المسلم طوعًا ما ألزمه به الشرع لا طاعة للإمام ولكن طاعة لله عز وجل.
وعلى نقيض الكافر العدل المستجمع لشرائط الولاية، فهذا إذا عقدت له الولاية انعقدت، ولزمت طاعته عند أهل العلم كافة على سبيل الإجمال، وقد نص على الإجماع على وجوب طاعة من كان كذلك عدد من العلماء [ينظر على سبيل المثال كلام أبي العباس أحمد بن محمد الحموي، في غمز عيون البصائر، 3/299، والآداب الشرعية لابن مفلح 1/467].
وإنما قلنا إجمالًا للخلاف فيما يطاع فيه العدل؛ أيدخل فيه جملة المباح وما جرى به العرف، أم ما كان معروفًا في الشرع؟
فيه تفصيل لأهل العلم وخلاف قديم، ليس من غرض هذا المقال، وإنما الغرض هنا التنبيه على ما أجمع عليه العلماء من وجوب طاعة العدل إجمالًا، وأن الكافر لا تنعقد له الإمامة، ولا طاعة له، بل الواجب خلعه.
ثم بين هذين مرتبة أخرى وهي مرتبة المبتدع، والظالم، والفاسق مطلقًا، وفي هذه خلاف، وأقوال متباينة، في حكم انعقاد الولاية له ابتداء، وفي عزله إن طرأ عليه ذلك أو عُلم عنه، ومن ظن أن لأهل السنة فيها إجماعًا فهو غالط، فنصوصهم المتضاربة متظاهرة تبين ذلك الخلاف، وإن كان ثمة راجح تدل عليه الأدلة، وعليه جماهير الأمة، وثمة رأي مرجوح، قد يُجعل لتباين أحوال الظالمين الفسقة مجالًا للاجتهاد فيهم، فليس الظلم والفسوق والبدع والعصيان مرتبة واحدة، ولكل ذلك مقامات أخرى، تفصلها مقالات لاحقة إن شاء الله تعالى.