ترامب وزيلينسكي والخل العربي

أن تعرف أن للرؤساء والقادة في العالم خلافات قد تصل لحد المشادات الكلامية شيء، وأن تراها عيانًا شيء آخر مختلف.

ربما قد رأيتَ نموذجًا لها من قبل في مؤتمر أو على نحو ما قد تراه في طلات القذافي أو في بعض البرلمانات الدولية والمحلية، لكن أن ترى رئيس الولايات المتحدة وهو يُعنّف ضيفه، حتى لكأنك تخاله من شدة غضبه يكاد أن يصفعه؛ فإن هذا ما لم يكن أحد يتصوره أبدًا، خصوصًا أن رؤساء الولايات المتحدة غالبًا يحرصون على إبداء قدر من الاحترام في مثل هذه الأحوال، حتى لو كان الضيف مجرد عميل لواشنطن أو خادم مطيع لساكن البيت الأبيض أيّا ما كان اسمه!

ما حدث بين ترامب وزيلينسكي، رئيس أوكرانيا، من نقاش حادٍ، تطور لمستوى أوشك فيه أن يصل لحدود التشابك بالأيدي كان سابقة تاريخية بلا شك، فاضت من أجلها أحبار في كل مكان في العالم، وستسيل لها أقلام وأقلام، عدا عن مواقف سرعان ما تبلورت في داخل الاتحاد الأوروبي، ومن قادة وزعماء حول العالم، وأيضًا في الساحة السياسية الأمريكية نفسها، حيث رفض حكام ولايات ونواب ديمقراطيون، هذا السلوك الأرعن للرئيس الأمريكي، وتنوعت الآراء والمواقف ما بين مشيدٍ بموقف هذا ومعارضٍ لذاك، أو العكس، أو ناقدٍ لكلا الطرفين.

وجادت القرائح بما جادت به من تحليل لمستقبل القضية الأوكرانية، وخيارات زلينيسكي المتاحة، والفرص السانحة لبوتين… إلى غير ذلك، ولعل أطرافًا أخرى لخيوط اللعبة لم تُمس أو يتم الحديث عنها، فما يُرى من المشادة تلك أعمق من مجرد حديث عن طريقة جدل رئاسي حاد أدى إلى تداعيات سياسية خطيرة.

فالمشهد يطرح سؤالًا مستحقًا عن مدى جدارة الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم، فالرئيس الأمريكي ظهر كشبيح يحاول ابتزاز ضيف رفيع وإهانته وتركيعه من أجل تحصيل بلاده المال منه دون وجه حق.

ما شاهده العالم مظهر غير حضاري بالمرة، يدل على الانحدار السحيق الذي يتوجه إليه العالم بقيادة أمريكية إليه. وأخطر ما يشير إليه هو أن ما أصبح يمارسه ترامب من أسلوب في القيادة صار يتدحرج حتى وصل إلى مديري الشركات والمؤسسات الصغيرة في العالم التي تُقاد دولها من خلال قادة يقبلون من ترامب الإهانة التي ربما حاول زلينسكي ألا يتقبلها.

لقد أصبح مستوى البذاءة، والأساليب الرخيصة، «مرتفعًا» في العالم منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض أول مرة. ثم تفاقم الوضع مع وصوله إليه للمرة الثانية! فهذه الطريقة الوقحة هي التي غدت تدار بها الأمور وتتخذ بها القرارات، خصوصًا في الدول التي يركع قادتها أمام ترامب في غياب الكاميرات، أو ينحنون أمامه أمامها!

والذين يلاحظون ترديًّا في طريقة تعامل رؤسائهم معهم في العمل، وهو بالمناسبة قد شاع كثيرًا هذه الأيام، عليهم أن يراجعوا سندًا يصل بين رؤسائهم في العمل وترامب، مرورًا بحكام يعاملهم الرئيس الأمريكي باحتقار شديد، ولو احتاج إليهم في بعض الملفات.

طريقة ترامب أصبحت تستفز كثيرًا من الحكام إلا العرب منهم؛ فحين ترى زعماء أوروبا يعارضون ترامب، ويتحدث بعضهم عن حاجة «العالم الحر» لقائد جديد، على حد قول الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، وحين ترى التصريحات متوالية من دول أوروبية كثيرة، حليفة تقليديًّا للولايات المتحدة الأمريكية؛ فستدرك يقينًا أن رصيد هذا البلد آخذ في التآكل.

العالم كما يظهر على مفترق طرق: إما الانحدار نحو هذا النمط من البلطجة والإسفاف، وهو مؤذن بخراب الدولة العظمى بوتيرة متسارعة جدًّا. أو السير نحو المصير نفسه لكن ببطء!

هذا الانحدار «الحضاري» تحاول أوروبا أن تكبحه لئلا يجرفها معه، ويحاول حكام أمريكا الجنوبية أن يتصدوا لهذا الصلف والتجبر والغطرسة الأمريكية، وتحاول الصين مجابهته بطرقها الخاصة، وتناهضه كندا والمكسيك.. لكن أين يقع الحكام العرب من هذا الاحتشاد؟!

يحاولون أن يجردوا حماس من سلاحها لأجل إرضاء ترامب، ودفع إتاوته الباهظة جدًّا تجنبًا لتحقيرهم وازدراءهم بأكثر مما يفعل حاليًا! إنهم الجهة الوحيدة اليوم في العالم التي لا تتردد مطلقًا في قول «لبيك» لترامب دون تفكير، يطلب شبرًا فيمنحونه ذراعًا وهم صاغرون.

وضع ترامب، زلينسكي في وضع بائس جدًّا، لكن الرئيس الأوكراني مع ذلك وحده كان أكثر شجاعة وكرامة وممانعة من كل المنظومة العربية التي لا تعرف سيادة ولا عزة ولا كرامة ولا قيمًا حضارية أو ثوابت وطنية. فزلينسكي يحكم دولة شبه مهزومة عسكريًّا ولا أفق لديه للانتصار من دون الولايات المتحدة الأمريكية، وبلده مدين بعشرات المليارات – على الأقل – ويواجه ثاني أقوى دولة في العالم وفقًا لكل التصنيفات العسكرية العالمية، ومع هذا يتصلب بقدر ما أمام «الامبراطور الأمريكي» المتوحش.

مجرد مهرج سابق لم تزل رقصاته المايعة منثورة في وسائل التواصل الاجتماعي، يتخذ موقفًا أكثر «رجولة» من قادة يرثون تاريخًا هو الأعظم في التاريخ الإنساني كله!

أي انحدار هذا، وأي استسلام ذلك المبذول منهم على عتبة البيت الأبيض، فالعصبة العربية صارت طوع يدي ترامب، حصرًا دون غيرها من التكتلات والدول. وهذا عائد إلى أنها لا تملك ظهيرًا شعبيًّا لها ولا عصبة حقيقية تقف خلفها، عدا عن تشبثها بحبل الأمريكيين وتسولها إليه. وأنها تخاصم موروثها الإسلامي المحفز لصلابة المواقف وشجاعة القرارات وقوة الإرادة، والذي كان سيقودها إلى الإمساك بأسباب التقدم والحضارة؛ فأصبحت مجردة من كل سلاح يمكن أن تواجه به أعداءها.

رمت بكل ثقلها خلف ترامب ودولته، ظانة أن في ذلك نجاتها، وهو عين هلاكها؛ فأمريكا التي ظلوا عليها عاكفين، ضعيفة خائنة. كما انهزمت في معارك كفيتنام وأفغانستان، وانسحبت يتقاطر عملاؤها من قعر طائراتها الفارّة، وكم تخلت عن عملائها أو لنقل «حلفائها» في أقرب منعطف تتعارض عنده المصالح.

وإذا كان زلينسكي، اليهودي، السلافي الأوروبي الأبيض، «زعيم» الدولة التي تملك ثروات هائلة من المعادن الثمينة، قد وُضع بين مطرقة ترامب وطاولة فانس؛ فكيف سيُوضع «الزعماء» الطيعين العرب؟!

ليعلم هؤلاء أن ترامب بتقاربه مع بوتين لربما سيدشن عهدًا جديدًا للامبراطوريات الكبرى التي سوف لن تلقي بالًا للصغار، وستسحقهم سحقًا ولا تبالي. وإذا كان ترامب يحقر من قدر أوروبا هكذا؛ فأي ضمانة في بقاء الدول والعروش والحكومات الصغيرة.

في قرارة نفس ترامب، ونظامه الجديد اعتقاد راسخ بأن «البقاء للأقوى»، لا للأرخص!