إمامة الفاسق والمبتدع (3)

هل قام إجماع على انعقادها وحرمة الخروج عليه؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد فقد اتفق أهل العلم على أنّ الكافر لا تنعقد له الإمامة، ولا تجب له الطاعة، بل يجب خلعه إن طرأ عليه الكفر مع القدرة على ذلك، إذ هو مناقض لأصل ما شُرع الإمام لنصبه، مخالف للغرض الذي لزمت لأجله الطاعة، وكذلك أجمعوا في الجملة على انعقاد الإمامة للعدل المستجمع للشرائط، وعلى وجوب طاعته في المعروف.

واختلفوا في المبتدع الفاسق ببدعته، واضطرب النقل في ذلك، فنقل الإجماع على أنه لا تنعقد له الإمامة ابتداء، بل لو طرأ عليه ذلك خلع، ونقل الإجماع على ضد ذلك.

فهل في واحدة من المسألتين إجماع صحيح؟

أتناول هنا ما نقل من الإجماع على انعقاد الولاية للفاسق، وحرمة الخروج عليه.

وهاتان مسألتان: مسألة انعقاد الولاية للفاسق ابتداء هل فيها إجماع بالصحة؟

ومسألة جواز الخروج عليه هل فيها إجماع بالمنع منه؟

والمقصود عند أهل السنة؛ فقد عُلم أن للوعيدية مذاهب أخرى، وهم فرق معروفة، وبهذه المناسبة لا يعرف لضدهم من المرجئة قائل معين قال: لا يضر مع الإيمان ذنب، وإن نسب ذلك إلى المرجئة مبهمًا، وقد قال ابن تيمية: “ما علمت معينًا أحكي عنه هذا القول، وإنما الناس يحكونه في الكتب ولا يُعيِّنون قائله، وقد يكون قول من لا خلاق له؛ فإن كثيرًا من الفُسّاق والمنافقين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب أو مع التوحيد، وبعض كلام الرادين على المرجئة وصفهم بهذا”.

والقصد من هذا التنبيه على أن عامة أعيان المنتسبين إلى فرق إرجائية من العلماء، لا يعرف عن أحدهم قول بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب، ولن يستطيع مدعي هذا أن يسمي أحدًا من العلماء قال بهذا، ومِن ثَمَّ لا يتأتى تخريج مذهب لهم في خصوص هذه المسألة بناء على ذلك، بل للأشعري وغيره قولان مشهوران في جواز الخروج على الفاسق ببدعة أو معصية، تأتي الإشارة إليهما.

لكن حدثت طوائف منتسبة إلى السلف في هذا العصر لم تجرؤ على أن تقول لا يضر الإمامَ مع الإيمان ذنبٌ! ولكن عملها وفقًا لمقتضى ذلك في حقِّ الإمام، فهو يُحبُّ ويُدعى له بالخير إن أحسن وإن أساء، ولا يجوز الإنكار عليه، وإنما ينصح في الخفاء، مع مبالغتها في توجيه حكمه، وإنزالهم في حقه قواعد تسويغ لأفعاله لا تنزل إلّا بشرط الاجتهاد عند العلماء.

وهذه المفارقة في المنتسبين إلى السلف كالمفارقة الموجودة في فرق وعيدية؛ بل هي أشد في أولئك وذلك من لدن العصور الأولى، فالمعتزلة مثلًا والَوا الأمين والمأمون وعظّموهما، مع ما كان يبدر منهما من الظلم والإسراف في القتل على المُلك وغيره، ومع ما وقع بينها من الفتن الكبار، فتناقضوا في ذلك.

وكذلك فعل الشيعة -وهم وعيدية كالمعتزلة؛ بل شابهوا هؤلاء في غير أصل من أصولهم العقدية- على اختلاف طوائفهم مع أمراء حكمتهم، ومن أشدهم ظلمًا طوائف من التتر، فتناقض بعض المنتسبين إلى السلفية المعاصرة، في هذه القضايا وُجِد مثله بل أشد منه عند غيرهم.

والمقصود هنا إنما هو الحديث في المسألة الثانية وهي مسألة الإجماع على منع الخروج على الفاسق، وينبغي أن يكون بحثها قاضيًا على مسألة جواز عقد الولاية له ابتداء إذا انتقض، فإنه إذا لم يكن هناك إجماع على الخروج عليه وهو والٍ متمكنٌ، كان ذلك أدعى لبعده في ابتداء الأمر له وهو دون ذلك في التمكُّن. ثم إن الأصل استصحاب العدم الأصلي، وهو دليل العقل المبقي على النفي، فإذا انتقض ما ثبت من أمر ولايته بالفسق عند بعضهم، فلأن لا يثبت إجماعٌ ابتداءً أولى.

والإجماع المنقول على منع الخروج على الفاسق بظلم أو بدعة، جاء على أوجه تختلف قوتها، فمن ذلك:

  • جاء نقل الإجماع على عدم لزوم الخروج عليه، قال أبو الحسن الأشعري [في رسالته لأهل الثغر ص297] : “وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين وعلى أن كل من ولي شيئًا من أمورهم عن رضى أو غلبة وامتدت طاعته من برٍّ وفاجرٍ لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جارَ أو عدلَ”، وقوله: “لا يلزم”، يُوجِّه القول الآخر المروي عنه بجواز الخروج عليه مع أهل الحق. قال ابن الملقن وغيره: وإن غصب الأموال وانتهك الحُرم، فاختلف هل يقام عليه مع الآمر؟ فقال الأشعري مرة: نعم، ومرة: لا. [التوضيح شرح الجامع الصحيح، 20/31، وعمدة القاري للعيني 16/74، وغيرها].
  • جاء نقل الإجماع مجملًا، قال ابن حجر [في الفتح 13/7] : “أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلِّب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء”، وهذا يشمل المتغلِّب بحقٍّ وغيره من الفساق.
  • جاء نقل الإجماع على وجه المنع والتحريم من الخروج عليه، ولو كان المتغلِّب فاجرًا، فقد ذكر ابن عبد البر [في التمهيد 23/279]، فيما أجمعت عليه الأمة من أمور الديانة ومن السنن التي خلافها بدعة وضلالة: “السمع والطاعة لأئمة المسلمين وكلِّ مَن وَليَ من أمر المسلمين عن رضا أو عن غلبة، فاشتدت وطأته من برٍّ وفاجرٍ فلا يخرج عليه جار أو عدل”. وهذا أُثر نحوه عن معاصره الأندلسي الآخر ابن بطال فقد ذكره عن جماعة الفقهاء في المتغلب، [كما في شرح البخاري 10/8]، فلعل أحدهما سبق الآخر به، وتلقاه الآخِر عنه.  وهذا الإجماع ينقله عدد من أئمة الدعوة النجدية، ولعل هذا من أسباب عدِّه قولًا واحدًا في بعض الجزيرة، قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب [الدرر السنية 7/239] : “الأئمة مجمعون من كل مذهب على أنَّ مَن تغلَّب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء”، وذكر الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن، أن أهل العلم: “متفقون على طاعة من تغلَّب.. ويرون منع الخروج عليهم بالسيف، وتفريق الأمة، وإن كان الأئمة فسقة”، اهـ [مختصرًا من مجموع الرسائل والمسائل النجدية 3/168].
  • جاء إنكار هذا الإجماع، وادعاء خلافه، وقد شنَّع الإمام ابن حزم في مراتب الإجماع على من ادعاه لِما كان في العصور الأولى، حتى قال في مراتب الإجماع ص178: “وَرَأَيْت لبَعض من ينْسب نَفسه للإمامة وَالْكَلَام فِي الدَّين، وَنصب لذَلِك طوائفه من الْمُسلمين، فصولًا ذكر فِيهَا الإجماع فأتى بِكَلَام لَو سكت عَنهُ لَكَانَ أسلم لَهُ فِي أخراه، بل الخرس كَانَ أسْلَمْ لَهُ! وَهُوَ ابْن مُجَاهِد البصرى الطَّائِي لَا الْمُقْرِئ؛ فإنه أَتَى فِيمَا ادّعى فِيهِ الإجماع أَنهم أَجمعُوا على أن لَا يخرج على أَئِمَّة الْجور، فاستعظمت ذَلِك، ولعمري إنه عَظِيم! .. وَقد علم أَن أفاضل الصَّحَابَة وَبَقِيَّة النَّاس يوم الْحرَّة خَرجُوا على يزِيد بن مُعَاوِيَة، وَأَن ابْن الزبير وَمن اتبعهُ من خِيَار الْمُسلمين خَرجُوا عَلَيْهِ أَيْضا رَضِي الله عَن الخارجين عَلَيْهِ وَلعن قَتلتهمْ، وَأَن الْحسن الْبَصْرِيَّ وأكابر التَّابِعين خَرجُوا على الْحجَّاج بسيوفهم”، وتابع السرد حتى بلغ به أئمة المذاهب المتبوعة،  إلى أن قال: “ولعمري لَو كَانَ اخْتِلَافًا يخفى لعذرناه وَلكنه أَمر مَشْهُور يعرفهُ أَكثر الْعَوام فِي الأسواق، والمخدَّرات فِي خُدُورهنَّ لاشتهاره! فَلَقَد يحِق على الْمَرْء أَن يخطم كَلَامه وَأَن يزمه إلا بعد تَحْقِيق وميز، وَأَن يعلم أن الله تَعَالَى بالمرصاد، وأن كَلَامه مَحْسُوب مَكْتُوب مسئول عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة، وَعَن كل تَابع لَهُ إلى آخر من اتبعهُ عَلَيْهِ وزره”.

وقد يُعزز هذا بمن نقل الإجماع على الخروج عليه إن هو تظاهر بالبدعة، أو ‌ترك ‌إقامة الصلاة ودعا إلى ذلك، كما يُنقل عن ابن التين وغيره [ينظر كلام ابن الباقلاني في تمهيد الأوائل ص478، وعياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم 6/246، ومن نقل عنهما كابن بطال في شرح الصحيح 8/215، وابن الملقن في التوضيح 32/440، والطيبي في شرح المشكاة المعروف بالكاشف عن حقائق السنن 8/2560، والنووي في شرح مسلم 12/229، وعنه ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج  9/75]، وإن كان في هذا نظر. ولكن كما أن للحديث نُقّادًا فإن للإجماع نقادًا أهل دراية بمواضعه، وانتقاد شديد لضعيفه، ولعل من أشهر هؤلاء ابن حزم. وأهل العلم في أدلة الشرع الأصلية والفرعية طرفان ووسط، طرف يتساهل في بعضها، وطرف يتعنَّت في بعضها، فمن تعنَّت في السنة وتوسَّع في الإعلال والتضعيف، يقابله من توسَّع في الأخذ بالضعيف، ومن تأمل هذا وجده في سائر الأدلة بدءًا من الكتاب؛ فبعض الناس يبني عقائد وأمور قطعية على دلالة ظنية راجحة يغلو فيها، وبعضهم يهدرها.

مسالك من نقلوا الإجماع في التوفيق بينه وبين حال من خرج من العلماء والصلحاء:

لكثير من العلماء في التوفيق بين ما نُقل من الإجماع على لزوم طاعة المتغلب الظالم، وما ثبت عن أفاضل في القرون الأولى خرجوا على أئمة ظلمة أو فسقة، لهم في التوفيق طرق أشهرها طريقان، أشار إليهما معًا القاضي عياض حيث قال: ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع، وقد ردَّ عليه بعضهم هذا بقيام الحسين وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث، … وحُجَّة الجمهور: أن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق بل لما غيَّر من الشرع وظاهَر من الكفر، وقال القاضي: وقيل إن الخلاف كان أولًا، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم، والله تعالى أعلم”.

وحاصل الطريقين المذكورين: إما تكفير من خرجوا عليه نحو الحجاج، وإما كون الإجماع إجماعًا متأخرًا، بعد اختلاف سابق متقدم.

والحقُّ أنه لم يثبت عن جمهور من خرج في القرون الأولى تكفير الحجاج ولا يزيد، بل الظاهر خلافه، إلَّا أحرفًا تُروى عن قِلَّة لا يمكن تعميمها على نظر في ثبوتها أو تأويلها، وإن كانت تشهد لمذهب من لا يشترط للخروج غير ظهور الكفر وإن لم يحكم على فاعله به، إذا رأوا أن لهم بذلك قوة. وهذا يقترب من قول من قال: كان الخروج على المأمون واجبًا، وكان الإمام أحمد وغيره يكفره، لكن الذي منع الخروج عليه أمر القدرة، وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد ذكره أبو يعلى وغيره.

ولبيان الأقوال في هذا القضية من كلام أئمة الحنابلة موضع آخر.

وبهذا – أي شرط ظهور الكفر لجواز الخروج وإن لم يُنزَّل على المعين- يمكن الجمع بين بعض ما نقل عن أئمة الدعوة النجدية – وتقدم طرف منه- وبين وقوفهم مع آل سعود، قديمًا في الدولتين، بل وكذلك أخيرًا في الدولة الثالثة، فقد خرج عبد العزيز رحمه الله على بلاد كان فيها الحكم لولاة من قبل ابن رشيد رحمه الله، أو غيره، كما كان حجاز مستقرًا بأيدي آخرين.

وبعض الفضلاء يُخَرِّج هذا على التفريق بين فعل السياسي الذي لم يكن بهدى من شرع الله، وبين فتوى العلماء، كما كان من خبر اللحاق بأمير الرياض من قبل ابن رشيد عجلان بن محمد وهو فار إلى برجه ليحتمي، ومحاولة قتله من ابن سعود قبلها، ثم قتله من قبل ابن جلوي على أعتاب قصره، في أخبار يرويها ويذكرها من شافهوا بها الملك عبد العزيز نفسه ورجاله من أمثال أمين الريحاني في تاريخ نجد الحديث، وحافظ وهبة في جزيرة العرب في القرن العشرين، وخير الدين الزركلي في شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز، وغيرهم، بل من قبل هؤلاء في أحداث مضت في عهود الدولتين الأوليين يذكرها ابن غنام، ثم ابن بشر، وليس ذلك مختصًا بالدولة السعودية، ليشنع عليها أو ينسب مذهب الخوارج إليها، فهذا شأن الدول كلها، فما فعله بنو أمية في بعض الجيل الأول، ثم ما فعله بنو العباس في عصر السفاح ببني أمية، وما تلا ذلك في الجزيرة والعراق والشام، أو بأفريقية والأندلس، أو دول المشرق، كل ذلك فعل الساسة، وقد يتبعهم فيه بعض أهل الفضل والصلاح، على خلاف مقرر كثير من العلماء. 

والمهم هنا أن القول بأنهم خرجوا لظهور الكفر – وإن لم ينزل على الأعيان- لا مطلق الظلم أحد توجيهات الإجماع المنقول، وفيه ما ترى.

وأما التوجيه الآخر فهو ادعاء استقرار قول الناس بعد العصر الأول على عدم جواز الخروج، وهذا يذكره بعض أهل العلم، قال الحافظ ابن حجر في ترجمة الحسن بن صالح [تهذيب التهذيب 2/288]، (ت: 169)، وقد ذكر جرح من جرحه برأيه في الخروج على أئمة الجور: “وهذا مذهب للسلف قديم لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه؛ ففي وقعة الحرة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عِظة لمن تدبر”!

وهذا الذي ذكره الحافظ تتابع عليه الفقهاء، قال الهيتمي في تحفة المحتاج 9/66 على قول النووي في المنهاج: (كتاب البغاة، وهم مخالفو الإمام) قال: “ولو جائرًا لحرمة الخروج عليه، أي؛ لا مطلقًا بل بعد استقرار الإجماع عن زمن الصحابة والسلف، فلا يرد خروج الحسين بن علي وابن الزبير -رضي الله عنهما- ومعهما كثير من السلف على يزيد وعبد الملك ودعوى المصنف الإجماع على حرمة الخروج على الجائر إنما أراد الإجماع بعد انقضاء زمن الصحابة واستقرار الأمور؛ أي وحينئذ فلا فرق في الحرمة بين المجتهد الذي له تأويل وغيره…”، وتابعه الشروني في حاشيته عليه 9/66، والبجيرمي في تحفة الحبيب 4/200، فقال: “قوله (ولو جائرًا) في شرح مسلم يحرم الخروج على الإمام الجائر إجماعًا ويجاب عن خروج الحسين على يزيد بن معاوية وعمرو بن سعيد بن العاصي على عبد الملك ونحوهما بأن المراد إجماع الطبقة المتأخرة عن التابعين فمن بعدهم”، وانظر المعنى في مطالب أولي النهى للبهوتي 6/267.

لكن الواقع السياسي في بلدان السنة لا يتفق مع ذلك، من لدن دولة بني أمية، إلى دولة آل سعود الثالثة، وكثيرًا ما يتبع الساسة أهلُ رأي ونظر، فيهم فضل وصلاح. وذلك مما يضعف معه دعوى استقرار الأمر على إجماع. أما كونه قول أكثر العلماء أو كثير منهم، فهذا لا إشكال فيه. 

إحكام التعبير عند ابن تيمية:

الذي يتأمل قرون الإسلام، وما حدث فيها من الفتن، وتتابع من الأحداث، يجد القول باستقرار الإجماع تخريج كالأول فيه ضعف، فإن القائمين في تلك الفتن لا يخلون عن أفاضل لا يقولون بالتكفير، كشأن الفتن الأولى، وقد ذكر ابن حزم في مواطن قائمة طويلة تبرهن ذلك فليطلبها من لم تملأ عينه مواقف الحاضر أو المسطورة فيما قرأ من الدفاتر. وقد استقصى الفتن الواقعة في الأمم إلى عصور متأخرة بعض المتأخرين كالشيخ مرعي الكرمي في القلائد (ت: 1033/1624م). 

ثم على فرض استقرار سواد المتأخرين على قول فهل يقضي إجماع متأخر على اختلاف الجيل الأول؟ وهل قوله: لا تجتمع أمتي على ضلالة -على فرض صحته لأن معناه صحيح- منظور فيه من سبق وسلف من العلماء أو لا؟

هذا فرع عن مسألة موت الأقوال بموت أصحابها، يذكرها المصنفون في أصول الفقه وغيرهم، وفيها قولان مشهوران للعلماء، [انظر مسودة آل تيمية ص465، وكذلك البرهان في أصول الفقه لأبي المعالي 1/456، وكذلك أدب المفتي والمستفتي لأبي عمرو ابن الصلاح ص160، وغيرها من كتب الأصول].

وكثير من المحققين على أن الخلاف يبقى، لكن يبقى لما آل إليه نظر جماهير العلماء خطره، بحيث لا تجوز مخالفته من قبل العامَّة الذين أُمروا بالردِّ إلى علمائهم، وفرضُهم تقليدهم، بل لا يسوغ التشويش على الناس بإعلان المخالفة إلَّا من مجتهد قدوة.

ولهذا جاء تعبير الإمام ابن تيمية أكثر إحكامًا حيث قال [منهاج السنة 4/529]: “ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة، وترك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين، وباب قتال أهل البغي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشتبه بالقتال في الفتنة”.

 

فهذا الاستقرار في الحقيقة لا يرقى لأن يكون إجماعًا، وقول أهل السنة به، ونسبته إليهم يُراد به في مقابل الحرورية وأنواع الوعيدية، وليس من أقوال أهل السنة المحضة التي أجمعوا عليها وتميزوا بها، ولهذا لم يذكره في نحو الواسطية، ومعلوم أن اعتقاد أهل السنة أصول، وفروع ربما يذكرونها لمقتضيات، وإن لم يخرج مخالف بعضها عن حدِّ أهل السنة، كما لا يُدْخِل القول بها مبتدعة في جملة أهل السنة.

وقد نص على أن هذا مذهب أهل السنة جمع قبل ابن تيمية منهم أبو الحسن الأشعري، ومنهم ابن عساكر، ومنهم قوام السُّنة الأصبهاني، ومنهم الإسماعيلي وغيرهم [انظر بعض أقوالهم: الإبانة للأشعري ص31، وتبيين كذب المفتري لابن عساكر ص162، والحجة في بيان المحجة للأصبهاني 2/285، واعتقاد أئمة الحديث للإسماعيلي ص76، وانظر اعتقاد أهل السنة للالكائي 1/177]، لكن تعبير ابن تيمية جاء محكمًا، فالذي استقر عندهم إنما هو ترك القتال في الفتنة، لا مع مَن يُعِدُّ الفاسق إمامًا كالعدل، ولا مع من يسعون في خلعه وإنكار منكره.

مع ملاحظة أنه لم يسمه إجماعًا، فهذا الذي استقر عليه رأي جمهور أهل السنة ليس بإجماع، بل الخلاف فيه قديم يحدث في كثير من الأعصار، كما قال ابن حزم: “ذهبت طوائف من أهل السنة، وجميع المعتزلة، وجميع الخوارج، والزيدية، إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلَّا بذلك، قالوا: فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولا ييأسون من الظفر ففرض عليهم ذلك، وإن كانوا في عدد لا يرجون لِقلَّتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعة من ترك التغيير باليد”، وعد في سياق القائلين بهذا جمهرة من الأعلام من لدن الصحابة حتى بلغ  الأئمة المتبوعين كأبي حنيفة، والحسن بن حي، وشريك، ومالك، والشافعي، وداود، وأصحابهم، [انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/132]، والحق أن هذه أقوال في مذاهب هؤلاء وغيرهم، لمناقشتها والموازنة بينها وبين غيرها مقام آخر.

والغرض هنا بيان أن المسألة من مسائل الخلاف الواجب عرضها على الأدلة، وأن حكاية الإجماع فيها من جنس حكايته على خلافها، لا يصلح إطلاقهما، وأن من قال بمنع الخروج قاله سدًّا لذريعة فساد أعظم، ومنكر أكبر، فالأمر عندهم من باب سدِّ ذرائع الفساد العظيم، والموازنة بين المصالح والمفاسد، والأهم أن القول بمنع الخروج على الفاسق، لا يفيد الخروج معه كما ذهب إليه كثير من المتأخرين، فجمهور السلف والأئمة على خلاف ذلك.

وينبغي أن يكون مكان هذه المسألة من جنس مكان مسألة المسح على الخفين، والتي هي مما يذكر في كتب السنة والاعتقاد مع كونها من مسائل الفقه، وإنما يذكرونها في العقائد لتميُّز أهل السنة بقول فيها أو قدر متفق عليه.

وكذلك هنا ثمة قدر متفق عليه في العدل، فالعدل إذا بدرت منه السيئة احتملت، ولم يخرجه ذلك عن مسمى الإمامة ولا أحكامها بالاتفاق، ومن كثرت سيئاته، ورقَّت ديانته، وقلَّ خيره، وكثر شرُّه، فكالخفِّ المخرَّق أو المقطوع، أو كالجورب سليمًا كان أو معيبًا رقيقًا أو كثير التخرُّق يختلف أهل السنة في إجزاء المسح عليه!

والحق قد يكون أقرب إلى الإجزاء وقد يكون أقرب إلى عدمه بحسب الخف أو الجورب، ومَن عَدَّ ذلك الاختلاف خلافًا لمذهب أهل السنة في أصل المسح على الخفين فهو جاهل، أو صاحب هوى إما مع أمير أو مع ثائر!

بل الخلاف فيما قوي دليله من فروع العقائد لا يُخرج عن حيز أهل السنة، إلَّا إن كثرت الفروع التي يخالف فيها الرجل، كما قرر الإمام الشاطبي [ينظر الاعتصام- ط الهلالي 2/712]، ومن قبله الإمام ابن تيمية [مجموع الفتاوى 3/348-349] حيث صنف الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات: منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة، ومَن يكون قد ردَّ على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه، ثم قال:  “وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة، ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولًا يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه ويعادون؛ كان من نوع الخطأ”.

 مع التأكيد على أن أكثر أهل العلم وأغلب الأحوال ترجح المنع من منابذة المتغلِّب الفاسق بالسيف، سواء وجبت له الطاعة باطنًا أو لم تجب، لكن آكثر السلف والأئمة لا يرون قتال من خرج عليه ولا يعدونهم بغاة كما يفعله كثير من متأخرة الفقهاء، كما أن أكثر أهل العلم بل هو إجماع أو شبه إجماع على عدم جواز عقد الولاية له ولا استبقائها اختيارًا ورضى، ولكن قهرًا، وخوفًا من الفساد، ولبسط هذه الجمل مقامات أخرى يأذن الله بها إن شاء.