أهان الرئيس ترامب يوم الجمعة الماضي الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، وعد الديمقراطيون، بل وبعض المحافظين ذلك كأحد أسوأ الحوادث الدبلوماسية في تاريخ الولايات المتحدة.
وحُقَّ لهم ذلك، والسبب باختصار أن هذا الرئيس المتعجرف هو رئيس الدولة الأهم التي أوصلت أوكرانيا إلى هذه الحال!
فمع كون الحرب الباردة عملت فيها أمريكا على تفتيت الاتحاد السوفيتي سنين متطاولة والتفريق بين بلدانه، ومع لف ودوران الغرب حول حمى روسيا وإغرائها ذلك الحمى بالتنكر لها واللحاق بالمعسكر الغربي، مع ملاحظة ذلك؛ فإن هذا النَّزِق هو نفسه الذي أصرت دولته النووية على انضمام أوكرانيا إلى اتفاقية الحدِّ من الأسلحة النووية!
وقصة ذلك أنه بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي، احتفظت أوكرانيا بنحو ثلث ترسانة الأسلحة النووية السوفيتية على أراضيها، وكانت ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم في ذلك الوقت، بالإضافة إلى معدّات مهمة لتصميمها وإنتاجها.
واليوم يأتي الرئيس الأمريكي ليطالب الأوكراني بإبداء الامتنان والشكر والعرفان على حزم أسلحة ذات قدرات هجومية محدودة في خطاب ألطف ما يقال عنه غير مهذب، وبلغة مبتذلة، وبغرور واضح، ومَنٍّ مع أذى بسبب ما دعمهم به سلفه بايدن من أسلحة يعلم جيدًا أنه قد كان عند القوات الأوكرانية خير منها! فنزعوها منها.
يعلم أنه كان لديها نحو 130 صاروخًا باليستيًّا عابرًا للقارات من نوع «يو آر-100إن»، أو SS-19 Stiletto قادر على حمل ستة رؤوس نووية تزن أكثر من خمسة أطنان، مداها عشرة آلاف كيلو يتجاوز موسكو من كييف! وهذا غير 46 صاروخًا باليستيًّا عابرًا للقارات من نوع «آر تي-23» أو SS-24 Scalpel القادر على حمل عشرة رؤوس حربية نووية!
إلى غير ذلك من الأسلحة الهجومية ومنها 33 قاذفة ثقيلة، في ترسانة تقارب 1700 رأسًا حربيًّا فتاكًا كانت كلها على الأراضي الأوكرانية، ورثتها الدولة الجديدة من الاتحاد السوفيتي المتفكِّك، كانت قادرة على أن تدمر بها كل شبر في روسيا!
أما أقوى سلاح منحه بايدن فهو صاروخ أتكامز ATACMS مداه دون منتصف المسافة من كييف إلى موسكو، لا يحمل غير رأس تقليدي أقصى ما يحمله نصف طن ونيفًا من المتفجرات التقليدية!
لكن أوكرانيا بسبب وعود اقتصادية أو أموال وغيرها استجابت في عام 1994 لأمريكا فوافقت على تدمير الأسلحة والانضمام إلى معاهدة الحدِّ من انتشار الأسلحة النوّوية وذلك إبان التوقيع على مذكرة بودابست بإلحاح ورعاية أمريكية بريطانية، بعد أن قدم هذان الضمانات، وقاسما أوكرانيا إنهما لها لمن الناصحين!

ساعتها كتب جون ميرشايمر John J. Mearsheimer أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو المتخصص في قراءة الحروب والجدير لأن يلتفت إلى كتاباته في هذه الشؤون، وهو صاحب الكتاب الشهير الذي اضطرت هارفارد إلى سحب اسمها منه بعد صدوره: اللوبي الإسرائيلي والسياسة الأمريكية الخارجية، The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy والذي يتحدث عن الدعم الأمريكي المالي والعسكري والسياسي لإسرائيل
ويبين بالحوادث والأرقام والأسماء نشاط اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، وما يضم من أفراد ومنظمات ومؤسسات تعمل لتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية لمصلحة الصهاينة.. وله ترجمة أصدرتها العبيكان بعنوان: أمريكا المختطفة: اللوبي الإسرائيلي وسياسة الولايات المتحدة الخارجية.
المقصود كتب هذا الرجل إن بقاء أوكرانيا دون أي سلاح ردع نووي يعني تعرّضها للعدوان الروسي، وكان ذلك قبل عام من توقيع اتفاق بودابست، في مقالة بعنوان: “لماذا ستكون أوكرانيا النووية أفضل؟” (Why Ukraine Should Have Kept Its Nukes)، نُشر في مجلة Foreign Affairs عام 1993. ولم يحفل به حينذاك كبير أحدٍ عمدًا لا لبعد ما جاء فيه!
وما هي إلا أن طبقت كييف اتفاق بودابست عام ٢٠١٤ حتى ضمت روسيا القرم إليها.. فقال الناس: صدق ميرشايمر! فكتب حينها مقالته الشهيرة: “لماذا الأزمة الأوكرانية هي خطأ الغرب؟ Why the Ukraine Crisis Is the West’s Fault، الذي نُشر في مجلة Foreign Affairs عام 2014، وترجم وقتها إلى العربية. لكن أوروبا لم تنته ولم ترد ذلك قصدًا فدارت الأيام، ووقع العدوان الروسي على أوكرانيا التي منَّاها الغرب بالانضمام إلى اتحاده الأوربي، وقال لها: الدم الدم والهدم الهدم ديني دينك!
فخبب هؤلاء أوكرانيا عن روسيا النصرانية العلمانية، طمعًا منهم في حِمى موسكو، فأغضب ذلك الدبَّ، فقام يحمي حقوقه ويحفظ حدوده أن يتاخمها عدوٌّ أوروبي!
وكانت ردة الفعل الطبيعية المنطقية الأخلاقية تجاه أوكرانيا أن تدعم أوروبا وأمريكا أوكرانيا، فهذا واجبها إزاء ما آلت إليه أمور تسببت فيها، وأعطت ضمانات عليه!
وهنا تظهر براغماتية الغرب الانتهازية، توريط ثم انسحاب متى اقتضت مصلحتها.
حتى الدعم المقدم لم يكن يخرج عن ذلك، فبينما كان بايدن يتبع سياسة استنزاف الطرفين، فيدعم حليفه بأسلحة ذات قدرات هجومية محدودة يضمن ألا تحسم الأمر، ولا تضطر معها موسكو إلى استخدام قوة ردع نووية، يطيل بذلك أمد الصراع للاستنزاف، اكتفى هذا الجواظ المتكبر بما كان فعمد إلى إهانة حليفهم، والتمنُّن عليه، وهم مَن جردوه من أسلحته ثم أوصلوه إلى هذه الحرب الطاحنة!
ولابد هنا أن يفهم الناس أن ترامب ليس مجرد فرد نزق جشع غير متزن تسنَّم ذُرى السلطة في حين غفلة من الدهر! بل هو صنيعة الحزب الجمهوري الذي يوصف: بالحزب القديم العظيم، وقد اختاره الجمهوريون عن سبق إصرار وترصُّد ثلاث مرات رئيسًا لحزبهم! وهذا الحزب التاريخي الرزين المتجذر في المؤسساتية والمعتني بغرف مجالس الإدارة والنوادي الريفية لم يختر هذا الرجل عبثًا.. ولكنها باختصار البراغماتية الانتهازية اللا أخلاقية الأمريكية.
والتي يقصد هذا المقال إلى كشف نوع منها ليقيس عاقل بها حال آخرين، فإذا كان ذلك ما يُعامَل به حليف يهودي يحكم أمَّة نصرانية علمانية ليبرالية بدرجة لا بأس بها؛ فهل ينتظر بعد ذلك منتسب إلى العروبة أو الإسلام أن ينتفع بحلف استراتيجي معه، أو أن يركن إلى ما يدعوه إليه؟!
وهل لمثله كلمة يعتمد عليها في بناء حلف؟!
من يروم حلفًا معه فإنما هو حلف يؤمن به طرف واحد، أما الآخر فيتمندل بالحليف، ويستمتع ويتبلغ، وعما قريب سوف يُقذف بالمنديل إلى سلة المهملات، فليكرم مسلم نفسه، وليعز عاقل مقامه!