حكام الطاغوت هل هم “أولي الأمر” ؟!

مع ما شاع في عصرنا هذا من هجر القرآن، ومخالفة تعاليمه، والاهتداء بغيره، إلا أن هناك آيات معينة، ما أكثر ما تواجه المسلم العادي في وسائل الإعلام، وما أكثر ما يستعملها المجتزئون لما يوافق أهواءهم من الدين، التاركون لمعظمه إعراضًا وتجاهلًا…

ومن أشهر هذه الآيات قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) [النساء،59]

لا يتطلب الأمر الكثير من القدرات العقلية حتى يكتشف الإنسان الداعي وراء تكرار هذه الآية واستحضارها، الذي يكون غالبًا مع حذف أولها وآخرها والاقتصار على ما تحته خط … فهي محاولة مكشوفة لاستعمال الدين في خدمة السياسة، تمر على أولئك الذين لا يهتمون بدينهم، ولا يقدرونه حق قدره، أما المسلم الحقيقي فحينما يقرؤها في سياقها فإنه يتلقى رسالة مغايرة لما يريده المسيسون، رسالة قرآنية متكاملة، لا مشهدًا مجتزءًا يسوِّغ واقعًا مخالفًا للقرآن، يقف خلف إخراجه (الذين جعلوا القرآن عضين).

في أول الآية نداء للمؤمنين، ثم ذكر أولي الأمر منهم، أي من المؤمنين، وفيها أمر بطاعتهم، وأمر بالتحاكم إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم عند وقوع النزاع والخلاف.

وحينما يقرأ المسلم الآية التي بعدها مباشرة يجدها تتحدث عن صنف يزعم الإيمان، ولكنها تكذبه وتنفي إيمانه وتنبه كل المؤمنين أنه ليس منهم: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا) [ النساء،60]

وبعدها ببضعة آيات (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) [النساء،65]

فالقرآن في غاية الصراحة في بيان حقيقة الطاغوت، الذي لا يرضى بحكم الله وحكم رسوله، ولا يريد أن يتحاكم إليهما، ويقصي حكمهما عن واقع الناس وحياتهم .. أنه ليس من المؤمنين، فضلاً عن أن يكون من أولي الأمر في أهل الإيمان، فضلًا عن مخاطبة المؤمنين بطاعته!

لقد أمر القرآن بطاعة أولي الأمر من المؤمنين، ثم أمرهم مع عموم المؤمنين بالتحاكم إلى الله ورسوله حال حدوث النزاع بينهم، ثم حذرهم جميعًا من صنف يزعم أنه من المؤمنين ولكنه ليس منهم، لا يريد حكم الله ورسوله وإنما يريد حكم الطاغوت، ثم أقسم الله بأنهم لا يؤمنون حتى يتحاكموا إلى الله ورسوله! هذا هو المشهد القرآني الكامل وهذه رسالته للناس .

أما الذين جعلوا القرآن عضين، واجتزأوا منه ما يوافق أهواءهم، فهم لا يذكرون القرآن ولا يقيمون حدوده، ثم إذا حصل نزاع بين أحد من المؤمنين وبين من يتبعونهم من الطواغيت، تذكروا هذه الآية (وأولي الأمر منكم) وتجاهلوا ما بعدها: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) و (ألم ترإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت) و(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) .

إن الطاعة لا تكون إلا بقيد الحكم بالشريعة والرد لكتاب الله عند التنازع، وهذا ما صرحت به السنة في عدة أحاديث وبمختلف الأساليب، فمرة بذكر قيد الحكم بكتاب الله صراحة كما في حديث: (ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا) ومرة بذكر الموجب لترك الطاعة (إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان) وإن الحكم بغير الشريعة والتحاكم إلى الطاغوت مما نص القرآن على تسميته كفرًا ونفى إيمان من يفعله.

فالقرآن في غاية الصراحة في بيان حقيقة الطاغوت، الذي لا يرضى بحكم الله وحكم رسوله، ولا يريد أن يتحاكم إليهما، ويقصي حكمهما عن واقع الناس وحياتهم .. أنه ليس من المؤمنين، فضلاً عن أن يكون من أولي الأمر في أهل الإيمان، فضلًا عن مخاطبة المؤمنين بطاعته!

ولكن الذين يحرفون دين الله ويبدلون كلام رسوله يزعمون أن الطاعة واجبة لمن يتحاكم للطاغوت، ويزعمون أنه من أولي الأمر المؤمنين الذين أمر القرآن بطاعتهم! وهم بهذا التحريف والتبديل يشبهون أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا دين الله وحرفوه وساقوا الناس إلى طاعتهم وطاعة سلطانهم وصدوهم عن طاعة الله وطاعة سلطانه.وحينما يزعمون أن طريقتهم طريقة السلف فإنما سلفهم هؤلاء، الذين أخبر عنهم صلى الله عليه وسلم بقوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) فهؤلاء سلفهم في حقيقة الأمر!

لا ريب أن لطاعة ولي الأمر تفاصيل فقهية كثيرة، في حدودها ومراتبها واختلافها باختلاف ولايته وسيرته ونطاق أمره ونهيه، تكلم فيها فقهاء الإسلام والمحققون من أهل العلم وأئمة الدين، غير أن الشأن هنا التنبيه لا على تجاهل المسيسين لكل ذلك فحسب، بل على تحريفهم دين الله وآيات كتابه من خلال تنزيل الأمر بطاعة أمراء المؤمنين على المنافقين والمتحاكمين للطاغوت والحاكمين به، الذين قال فيهم تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) .