“يوم التأسيس” بجرة قلم – هل هكذا تدار الدول؟

لسنا أمام خلافٍ في التاريخ فقط، بل أمام سؤالٍ في هيبة الدولة

وصدقها مع مجتمعها: هل تُدار الذاكرة الوطنية بالبحث والمؤسسات والجامعات، أم تُدار بقرارٍ إداري يُعيد تعريف نقطة البداية ثم يُطلب من الجميع أن يصفِّق؟!

في 27 يناير 2022 صدر أمرٌ ملكي – كما نشرته وكالة الأنباء السعودية – ينص على اعتماد 22 فبراير من كل عام يومًا لذكرى تأسيس الدولة السعودية، وأن “منتصف عام 1139هـ” الموافق فبراير 1727 هو بداية عهد الإمام محمد بن سعود وبداية التأسيس. 

ثم جاء الموقع الرسمي ليوم التأسيس ليُثبت الفكرة بوضوح: “22 فبراير 1727 هو يوم تأسيس الدولة السعودية الأولى… بينما اليوم الوطني 23 سبتمبر 1932 هو يوم توحيد المملكة”. 

حتى هنا، قد يقول قائل: هذا “تصحيح” أو “تأطير” جديد. لكن المشكلة ليست في وجود قراءة تاريخية مختلفة؛ المشكلة في الطريقة وفي ما تعنيه سياسيًّا.

1) حين تعيش أجيالٌ على سردية… ثم تُستبدل رسميًّا بين ليلة وضحاها!

لأكثر من قرن، لم تكن لحظة 1727 هي المعروفة شعبيًّا أو أكاديميًّا كـ”بداية الدولة السعودية الأولى” عند جمهور واسع؛ السائد في الكتب والبحوث والدروس – خصوصًا في كثير من المقررات والملخصات التاريخية – أن قيام الدولة السعودية الأولى ارتبط بـ اتفاق الدرعية 1157هـ/1744م (تحالف الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب).

مثالٌ صريح على ذلك: وثيقة تعليمية/تعريفية منشورة (2018) تذكر حرفيًّا أن “اتفاق الدرعية 1157هـ/1744م… بداية قيام الدولة السعودية الأولى”.  ومثال آخر يعكس الشيوع الأكاديمي: وصف كتاب “محاضرات في تاريخ الدولة السعودية الأولى” يقرر أن تأسيس الدولة السعودية الأولى كان في 1157هـ/1744م. المقصود هنا ليس “إثبات رقم ضد رقم”، بل إبراز المفارقة:

فإذا كانت الجامعات والمناهج والكتب ومقولات الملوك السابقين من عهد الملك عبدالعزيز اليوم طوال عقودٍ تربط “البداية المؤسِّسة” بعام 1744، ثم يأتي أمر ملكي يجعل “البداية” 1727 ويُطلب من الجميع أن يتبنى الرواية الجديدة فورًا، وتقام لذلك الفعاليات الضخمة…

فالسؤال الطبيعي يصبح: هل الدول التي تحترم نفسها تُحوّل لحظات الهوية الكبرى إلى ملف يُحسم بجرة قلم؟!

الدول الرصينة قد تُراجع سرديتها، نعم. لكن المراجعة عادةً تمر عبر لجان أكاديمية، ونقاش عام، وتدرُّج منهجي، وتحفظ حق التاريخ في أن يُناقَش لا أن يُؤمَر.

2) لماذا يثير هذا التحول حساسية أكبر من كونه تفصيلاً تاريخيًّا؟  

 لأن اختيار 1727 بدل 1744 ليس رقمًا فقط، بل هو نقلٌ لمركز الشرعية:  1744 تُحيل تلقائيًا إلى التحالف الديني-السياسي وإلى مركزية دعوة محمد بن عبدالوهاب في قصة الدولة.1727 تُقدِّم الدولة ككيانٍ سياسي سابق للتحالف، ثم يأتي التحالف لاحقًا كمرحلة من مراحلها.

هذا بالضبط ما التقطته تقارير وتحليلات دولية عند إعلان يوم التأسيس؛ رويترز وصفت المناسبة بأنها “تُقلِّل” من الجذور المحافظة المرتبطة تاريخيًّا بالتحالف الديني. ومعهد دول الخليج في واشنطن (AGSIW) ذهب أبعد: اعتبر “يوم التأسيس” علامة على قطيعة/ابتعاد عن السردية الوهابية التي جعلت 1744 لحظة الميلاد السياسي.  وAmwaj رصدتها بالعنوان المباشر: الاحتفال الجديد “يُباعد” الدولة عن أصولها الدينية في الرواية العامة. هنا تتضح النية التي تسأل عنها – دون أن ندّعي قراءة الغيب:القرار يحمل رسالة سياسية واضحة: إعادة صياغة هوية الدولة الحديثة بحيث تكون شرعيتها : الدولة أولًا وليس التحالف الديني أولا.

3) ليست المشكلة في 1727… بل في منطق “التبديل السريع”!

حتى لو قبلنا أن 1727 مدخل تاريخي ممكن – وهو موجود في مصادر متعددة – فإن الإشكال الأخطر هو هذا المنطق: إذا كان تعريف لحظة تأسيس الدولة، وهي من أثقل رموز الهوية، يمكن أن يُعاد تعريفها رسميًّا بهذه السرعة، فماذا عن: سرديات أخرى في السياسة والاقتصاد؟ قراءة الوقائع الحساسة؟ الأرقام والميزانيات؟ تقييم المشاريع؟ إعادة تفسير النجاحات والإخفاقات؟المجتمع يتعلم من الرسائل الضمنية. والرسالة الضمنية هنا قاسية: ما تعلّمتموه يمكن أن يُستبدل… فقط لأن السلطة قررت.” وهذه – بميزان السياسة الحديثة – تآكلٌ للثقة. لأن الدولة حين تُظهر أن التاريخ قابل لإعادة التسمية بقرار، تُضعف حجتها حين تطلب من الناس تصديق “الأرقام” و”الوعود” و”الروايات” في ملفات أخرى.

 لأن اختيار 1727 بدل 1744 ليس رقمًا فقط، بل هو نقلٌ لمركز الشرعية:  1744 تُحيل تلقائيًا إلى التحالف الديني-السياسي وإلى مركزية دعوة محمد بن عبدالوهاب في قصة الدولة.1727 تُقدِّم الدولة ككيانٍ سياسي سابق للتحالف، ثم يأتي التحالف لاحقًا كمرحلة من مراحلها.

4) الابتعاد عن الدين ليس هتافًا… بل أثرٌ محسوس في الخطاب!

لا أحد يقول إن الدولة أعلنت ترك الإسلام. لكن النقاش الذي يفرض نفسه: لماذا يُدفع عنصر “التحالف الديني” إلى الخلف في لحظة تأسيسية بهذا الحجم؟ الجواب السياسي العملي – كما يفهم من تحليلات متعددة – أن الدولة تريد “وطنية أوسع” أقل ارتباطًا بالهوية الدينية-الحركية، وأكثر ارتباطًا بالسلالة السياسية والكيان والدولة المركزية.

وهذا قد يُرضي خطاب الدولة الحديثة خارجيًّا، لكنه داخليًّا يفتح سؤالًا حسَّاسًا: هل يمكن بناء وطنية صلبة عبر تقليل وزن “الأصل الديني” الذي تأسست عليه شرعية الدولة قرونًا؟ أنت هنا قد لا تطلب “ هيمنة تيار ديني معين  بل تطلب حقًّا وعدلًا : أن تعترف الدولة بجذورها كما هي، لا أن تُعيد ترتيبها وفق حاجة اللحظة.

5) ماذا كان يمكن فعله بشكل محترم؟

لو كانت الدولة تريد فعلًا “تصحيحًا تاريخيًّا”، فهناك طرق تُحافظ على الهيبة وتمنع شعور التدوير:

1. لجنة تاريخ وطنية مستقلة تضم جامعيين ومؤرخين من اتجاهات متعددة، وتصدر تقريرًا علنيًّا بأسانيده ومنهجه.

2. إبقاء 1744 في مكانه الرمزي: ليس كـ“يوم تأسيس”، بل كـ“يوم ميثاق/اتفاق الدرعية” مثلًا، بما يحفظ الأصل الديني دون أن يُحاصر الرواية السياسية.

3. تدرُّج تعليمي: تحديث المناهج واللوحات والمتاحف عبر سنوات مع شرح التحول لا فرضه.

أما أن تُدار المسألة بمنطق: “هذا هو التاريخ الجديد… وانتهى”، فهذه ليست قوة دولة، بل استبداد سلطة واستغباء شعب.

خاتمة:

النقد هنا ليس حنينًا للماضي ولا خصومة مع الوطن؛ بل دفاع عن مناعة الدولة نفسها.

الدولة التي تحترم عقل مجتمعها لا تُلقنه “نسخة جديدة” من تاريخه بجرة قلم، ثم تتوقع منه أن يثق بقرارات أكبر في الاقتصاد والميزانية والمشاريع!

اليوم غُيِّرت لحظة التأسيس من رواية كانت سائدة في كثير من التعليم والكتابة (1744)  إلى رواية رسمية جديدة (1727) بأمر ملكي ومواقع رسمية!!

  والتحليلات الدولية قرأت هذا التحول بوصفه ابتعادًا عن مركزية التحالف الديني في السردية السياسية. 

فإذا كان التاريخ نفسه يُعاد تعريفه بهذه السهولة، فالسؤال المطروح الآن  – وهو سؤال مشروع – : إذا كان “الماضي” يُعاد ترتيبه بقرار وأمر ملكي وتوقيع شخص… فكم من “وقائع الحاضر” و“أرقام المستقبل” يمكن أن تُعاد صياغتها بالطريقة نفسها؟!