المأزق الذي تعيشه المملكة!

تقف المملكة العربية السعودية اليوم أمام لحظة الحقيقة المؤلمة، تلك اللحظة التي لا تقبل القسمة على اثنين، ولا تنفعها الموائمة، ولا تحتمل أنصاف الحلول أو أشباه المواقف.

تتوالى الأخبار تثير نقعًا معتمًا، فالمستقبل يبدو محفوفًا بالمخاطر، فتنقل وول ستريت جورنال (يوم ٢٤ مارس ٢٠٢٦) عن مصادر مطلعة أن السعودية قد وافقت على استخدام قاعدة الملك فهد الجوية في الطائف، في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية و«إسرائيل» على إيران، مؤكدة بذلك الأنباء التي كانت نشرتها صحيفة ميديل إيست آي البريطانية قبلها بثلاثة أيام، عن مسؤولين أمريكيين، عن سماح الرياض باستخدام القاعدة التي تبعد عشرات الكيلومترات عن مكة المكرمة في العمل الحربي الأمريكي ضد إيران، وهي القاعدة التي كانت تعرضت من قبل لهجمات من الحوثيين قبل ٩ سنوات، وتقول نيويورك تايمز الأمريكية (١٩ مارس)، أن “السعودية تسارع مع الولايات المتحدة في توسيع لقاعدة ينبع التي أنشأت قبل أربعة أعوام، من أجل المساهمة في شن هجمات على إيران”، بعد أن هاجمت صواريخ إيرانية أكثر من حاملة طائرات أمريكية، وتعرضت قاعدة سلطان الجوية لهجمات إيرانية استهدفت طائرات أمريكية رابضة فيها.

سعت الرياض لفترة أن تبدو محايدة فيما يخص الحملات التي تشنها واشنطن وتل أبيب على إيران، لكنها الآن تواجه استحقاقًا بالغ الحرج والصعوبة، وحاولت أن تنأى بنفسها عن الصراع، لكنها تجد نفسها شيئًا فشيئًا منخرطة فيه، بعد أن امتدت الهجمات الإيرانية لتشمل أهدافًا خارج القواعد الأمريكية في السعودية، كالمنشآت النفطية، فيما تعتبره طهران ردًّا على استهداف منشآتها المدنية خصوصًا النفطية، وهددت بإظلام الخليج كله في حال ما إذا نفذ الرئيس الأمريكي تهديده باستهداف محطات الطاقة الإيرانية.

تخور الممانعة السعودية يومًا بعد يوم، خصوصًا بعد أن صرح وزير الخارجية السعودية فيصل بن فرحان بأن السعودية قد تلجأ لردٍّ عسكريٍّ على الاعتداءات الإيرانية، وشنه هجومًا لفظيًا على النظام الإيراني وسلوكه منذ نشأته مع جيرانه، ثم موالاة ذلك بطرد الملحق العسكري الإيراني وثلاثة من موظفي الممثلية الإيرانية الدبلوماسية، والأهم هو في تأثير الولايات المتحدة على القرار ، ومحاولته أكثر من مرة الزج بالسعودية في أتون هذا الصراع، فالصحافة الأمريكية دائمة الترداد بأن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، هو من يطلب من واشنطن مواصلة الحرب للقضاء على النظام الإيراني، وبتعبير نيويورك تايمز “يضغط على ترامب لمواصلة الحرب”، وترامب نفسه يقول مجيبًا عن سؤال لصحفي أمريكي: هل يشجعك ابن سلمان على أشياء معينة تتعلق بإيران؟ “نعم، إنه محارب، إنه يقاتل معنا”.

قد لا تكون الرياض تقاتل بالفعل، لكنها تقدم تسهيلات غير محدودة، وهي ماضية في توسيعها ومنح الولايات المتحدة صلاحيات أوسع في استخدام قواعدها ومجالها الجوي، ومثلما يقول مسؤول أمريكي في الخليج لموقع ميديل إيست آي البريطاني: “لقد تحول الموقف في الرياض نحو دعم الحرب الأمريكية كوسيلة لمعاقبة إيران على الضربات”.

سعت الرياض لفترة أن تبدو محايدة فيما يخص الحملات التي تشنها واشنطن وتل أبيب على إيران، لكنها الآن تواجه استحقاقًا بالغ الحرج والصعوبة، وحاولت أن تنأى بنفسها عن الصراع، لكنها تجد نفسها شيئًا فشيئًا منخرطة فيه، بعد أن امتدت الهجمات الإيرانية لتشمل أهدافًا خارج القواعد الأمريكية في السعودية، كالمنشآت النفطية، فيما تعتبره طهران ردًّا على استهداف منشآتها المدنية خصوصًا النفطية، وهددت بإظلام الخليج كله في حال ما إذا نفذ الرئيس الأمريكي تهديده باستهداف محطات الطاقة الإيرانية.

يحاول القصر السعودي إمساك العصا من المنتصف، فهو لا يدري لمن تكون الغلبة، وقد تغادر الولايات المتحدة الأمريكية المنطقة في أي لحظة أو تقلص «حمايتها الهزيلة» لدول الخليج، أو توقف الحرب، تاركة الأسد الإيراني جريحًا ينتقم من جيرانه أو يسعى لإعادة هيمنته وتوسيع هيمنته على مضيق هرمز، الذي تُعد سيطرة إيران عليه الآن أكبر كارثة ألمت بالرياض وأبوظبي والدوحة حتى لو عادت المياه لمجاريها، ولن تعود!

المأزق الذي يعيشه النظام في الرياض لم يوقعه أحد فيه، وإن كانت واشنطن وتل أبيب قد فعلتا، لكن المسؤولية الكبرى هم من رهنوا حمايتهم وقواعدهم وتسليحهم واستخباراتهم وكل مفردات قوتهم لمن لا تؤتمن غوائلهم. من أمنوا لأهل الغدر لا يلومون إلا أنفسهم، وهم يفكرون اليوم طويلًا: من سيمسك بالطوق غدًا؟!