أصول «اللعبة» الجديدة، هو أن تجعل التطبيع شعبيًّا، بعد إلجاء الحكام الشعوب إليه، فالتطبيع في المغرب يلبس ثوب الاضطرار مع حاجة المغرب إلى اعتراف دولي حقيقي، ومساندة من الولايات المتحدة الأمريكية لتحصل الرباط على حقها في السيادة على الصحراء، ونزع أي غطاء عن جبهة البوليساريو.
وفي مصر، عزم السادات على مد ترعة السلام إلى سيناء، ووقتها حذرت القوى الوطنية والإسلامية من مدها إلى «إسرائيل»، ورفض الشعب كله خطة كهذه، لكن عندما أطيح بالرئيس محمد مرسي، الذي عُرف بموقفه الرافض للتطبيع، وقعت الحكومة المصرية وثيقة المبادئ مع إثيوبيا عام ٢٠١٥، التي تنازلت فيها مصر عن حصتها من مياه النيل التي كانت فرضتها اتفاقية عشرينات القرن الماضي (وتضمن لمصر ٥٥ مليار متر مكعب من المياه سنويًا)، ثم تنازلت مصر بموجب الترسيم الحدودي البحري عن بئري غاز لـ«إسرائيل»، وتنازت مصر أيضًا عن جزر كانت تستأجرها اليونان منذ أيام حكم محمد علي، ما أوقع مصر في أزمة مياه وغاز، جعلت التطبيع مع الكيان الذي يمسك بزمام سد النهضة الإثيوبي، ويتحكم في ضخ المياه إلى مصر عبر منظومة إقليمية تفرض قرارها على أديس أبابا.
وفي سياقنا العربي هذا، يصبح التطبيع قرارًا شعبيًّا يفرضه الاضطرار، من دون أن يسأل الجميع: من أوقع الشعوب في هذا الاضطرار؟! فإذا عطش المصريون، وقيل لهم الحل في فتح قنوات سد النهضة بشرط مرور جزء من مياه النيل إلى «إسرائيل»، فكيف للعطشى أن يرفضوا وقد أجبروا على هذا؟! وكيف للمصريين أن يرفضوا مزيدًا من الاختراق الصهيـ.ـوني لبلادهم إذا ما توقف الغاز عنهم فغابت الكهرباء، وشُلت الحياة تمامًا في مصر!
عندنا نحن، ماذا عسى أبناء الشعب السعودي المغلوب على أمره أن يفعل إذا قيل له: إذا أردتم توقف الصواريخ التي يمطرها الحوثيون فوق رؤوسكم فلا سبيل إلا بالتحالف مع «إسرائيل»، وتوقيع الاتفاقات الإبراهيمية معها، والسماح بمزيد من الخضوع للكيان المجرم، ولا طريق أمامكم غير نقل العلاقة الدافئة التي تربط القصر السعودي الآن بنظام الإبادة الجماعية في تل أبيب، من السرية إلى العلانية، ومن عالم التسريبات الإعلامية عن تلك العلاقة إلى المصافحة العلنية، ومن التنسيق المخابراتي إلى التحالف العسكري، ومن القطيعة الدبلوماسية وعدم الاعتراف الضمني إلى العلاقات الدبلوماسية الكاملة.
ومن نافلة القول، أن تصفحًا لما تقوله الصحافة الأمريكية، والعبرية، والقراءة المتأنية لما نُقل عن الرئيس الأمريكي من رفضه المتكرر لطلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مساعدة السعودية في صراعها مع الحوثيين، وتنقل شبكة سي ان ان الأمريكية عن تقارير أمريكية أن ترامب “لم يتجه حتى الآن إلى تدخل عسكري مباشر.” بدعوى أنه يخشى من فتح جبهة جديدة وإغلاق جديد لمضيق آخر بعد مضيق هرمز!
وتؤكد التقارير الأمريكية أن ترامب حث سلمان على التنسيق مع الإمارات العربية المتحدة و«إسرائيل»، ضمن تحالف جديد في المنطقة تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، يضمن انخراطًا كاملًا لمكونات التحالف في «الاتفاقات الإبراهيمية»، إذ يشترط ترامب «انضمامًا لدول جديدة في المنطقة لمجموعة الدول التي طبعت علاقاتها مع إسرائيل» لوقف العدوان الحوثي، والسماح للرياض بشراء صفقة أسلحة طائرات F-16 المتطورة، والسماح للسعودية بإنشاء برنامج للطاقة النووية، يكون فيه للرياض الحق في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية.
ماذا عسى أبناء الشعب السعودي المغلوب على أمره أن يفعل إذا قيل له: إذا أردتم توقف الصواريخ التي يمطرها الحوثيون فوق رؤوسكم فلا سبيل إلا بالتحالف مع «إسرائيل»، وتوقيع الاتفاقات الإبراهيمية معها، والسماح بمزيد من الخضوع للكيان المجرم، ولا طريق أمامكم غير نقل العلاقة الدافئة التي تربط القصر السعودي الآن بنظام الإبادة الجماعية في تل أبيب، من السرية إلى العلانية، ومن عالم التسريبات الإعلامية عن تلك العلاقة إلى المصافحة العلنية، ومن التنسيق المخابراتي إلى التحالف العسكري، ومن القطيعة الدبلوماسية وعدم الاعتراف الضمني إلى العلاقات الدبلوماسية الكاملة.
وما كان يخشاه العرش السعودي من مصير كمصير «السادات» بسبب انخراطه في التطبيع مع «إسرائيل» وسط رفض شعبي كبير لهذا التطبيع، يطمع الآن في تحقيقه مستندًا إلى قاعدة جماهيرية، يُلبّس عليها بأنه لا مناص من التعاون مع «إسرائيل» من أجل وقف العدوان الحوثي على مدن المملكة العاجزة عن التصدي لهجمات الحوثي، ولا مجال لعودة السعودية لتصدير نفطها، مورد دخلها الأساس دون الوقوف على أعتاب «إسرائيل»، وإلا هلكنا!
هذا ما ألجأته الحكومة السعودية الخانعة للشعب السعودي، كما تزعم أبواقها المشبوهة اليوم، ولا أحد يسألها أو يحق له أن يسأل: لماذا حصل كل هذا وأنتم كنتم تملكون كل الإمكانات لتكونوا حقًا دولة إقليمية كبرى حقيقة، لا خيالًا؟!