لم المجاملة؟! أخطر ما يصيب الدول ليس التغيير بل طريقة التغيير، فحين تتحول الدولة إلى قرار شخص واحد، يُجر المجتمع جرًّا دون مشاورة، وهذا الشخص يعيد تعريف الهوية والتعليم والاقتصاد والحرب والسلم باندفاع واحد… فهذه ليست قوة، بل استبداد مغامر وكبرياء فرعون!
والمغامرة قد تنتج مشهدًا سريعًا، لكنها كثيرًا ما تنت
ج دولة تتآكل: بلا ثقة في الداخل، ولا احترام في الخارج، ثم تستعمل في الخارج!!
في هذه الحروف لسنا في خصومة مع الوطن، بل في دفاع شرس عنه من عقلٍ استبدادي يظن أن السيطرة تغني عن الشرعية، وأن الخارج يغني عن الداخل، وأن الدعاية تغني عن العدالة. والنتيجة؟! كما أثبت التاريخ مرارًا أن الدولة تُستنزف مرتين: داخليًّا بتفكيك المجتمع، وخارجيًّا بابتزاز الحلفاء.
كسر المشاركة كسر المناعة:
في أي دولة طبيعية تمر تحولاتها الكبرى عبر مناقشة مؤسسية: نقاش عام، تدرج، لجان، شرح، إقناع ، احترام ومراعاة الهوية.
أما حين تفرض التحولات من أعلى، بلا مشاركة وبلا حق في السؤال، فأنت قد تنجح في التنفيذ والفرض، لكنك تفشل في الثقة والطمأنينة والقبول. والثقة ليست ترفًا سياسيًّا بل من صميم الشرع والعقل.
فالدولة أمانة، والحكم بالعدل والحق، وليس الحكم تفردًا ولا أمزجة. بل إن النظام الأساسي للحكم نفسه يقرر أن الحكم في المملكة يقوم على العدل والشورى والمساواة. أما حين تدار التحولات بلا شورى ولا مشاركة معتبرة فهذه ليست مخالفة شكلية، بل تصادم مع أصل وركن معلن في النظام الأساسي للمملكة.
التغيير لإرضاء الخارج يتحول إلى نزع هوية، المناهج والهوية مثالًا:
نعم تغيرت المناهج كثيرًا، والتغيير في ذاته ليس جريمة؛ بل الجريمة دافع التغيير ونوعه، أن يتعامل مع المناهج بوصفها ورقة اعتماد ورضًى أمام الخارج، لا بوصفها عماد بناء الإنسان في الداخل وتعزيز هويته الدينية والمجتمعية.
حين تصبح الدولة مشغولة بتقديم نسخة مقبولة خارجيًّا من الهوية، فإن أول ما يستهدف عمليًّا هو تخفيف المواد الدينية والتربوية المؤسسة للنشء القوي، ليُستبدل بها مواد رخوة لا تتميز بخصوصية ولا تبني استقلالية!
العجيب أن النظام الأساسي للحكم يقرر أن مرجعية الحكم والأنظمة في الدولة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ويقرر كذلك أن الدولة تحمي الإسلام وتطبق شريعته!
فإذا صار التعليم يتجه بحركة سريعة إلى ضمور الهوية الإسلامية؛ فهذا يخلق صدمة وكأن الدولة تقول للناس: إن أصولهم الدينية عبء على صورتها!!
والنتيجة هنا ضعف استراتيجي: لأن الهوية هي التي تمنح المجتمع صلابة عند الخطر. ومن يخفف الهوية ليرضي الخارج، يضعف الداخل ويهزمه نفسيًّا وممانعة…ثم يكتشف أن الخارج لن يرضى ويريد أكثر!
الترفيه بواقعه الحالي يترك الجذور عطشى…
ليس الاعتراض على الترفيه المنطقي باعتباره فطرة بشرية، بل النقاش حول تحويله إلى لغة الدولة وواجهتها الأولى، في وقت تضييق ومنع الكلمة وحصار النقد وحبس أصحاب الرأي وصبغ الوطن بصبغة التأييد والتصفيق والامتنان فقط!
الدول التي تكثر من الواجهات وتضعف الجوهر كمن يشتغل بتلميع أوراق الشجر ويترك جذورها عطشى! قد تبدو خضراء يومًا، ولكنها ستنكسر مع أول ريح.
لا يكسب النظام شعبه… ثم يتفاجأ أنه بلا ظهر!!
الدولة لا تقف على النفط وحده، ولا على الأجهزة الحكومية وخصوصًا الأمنية وحدها بل تقف على الناس. وحين تُسكت الشخصيات الناطقة صاحبة الضمير الحي للمجتمع: العلماء المستقلون، الاقتصاديون، الأكاديميون، العاملون في الخير، أصحاب الرأي… لا يبقى في الداخل إلا صدى صوت واحد! والصدى لا يصنع دولة، إنما الصدى يصنع غرورًا، ثم يصنع عمًى فتحصل الكوارث! ولا يوجد من سيتحمل المسؤولية. فإدارة الوطن ليست إدارة ملف بل رعاية أُمَّة، وحين تتحول الرعية إلى خصم دائم، فهذه خيانة لمعنى الرعاية قبل أن تكون خطأً سياسيًّا.
فإذا صار التعليم يتجه بحركة سريعة إلى ضمور الهوية الإسلامية؛ فهذا يخلق صدمة وكأن الدولة تقول للناس: إن أصولهم الدينية عبء على صورتها!!
لحظة الخارج: الحليف لا يعرف إلا مصلحته!
وهنا نصل إلى الحقيقة التي لا يطيقها المتعلقون بالخارج! فالخارج لا يصنع لك أمنًا دائمًا. الخارج يستعملك… ثم يتركك… ثم يبتزك.
منطق السياسة الدولية واضحٌ وقاسٍ: إذا تطابقت مصالحك مع مصالحه يبتسم! وإذا تعارضت يبتز، إذا انتهت حاجته يتركك. وإذا احتاجك ثمنًا في صفقة أكبر يدفعك أنت لا نفسه.
المستبد حين يكسر الداخل يظن أن تعويضه يكون بالخارج. لكنه لا يفهم أن الخارج لا يمنح شرعية بل يمنح تبعية دائمة وفاتورة مضاعفة! قف هنا! ادفع هنا! اصطف هنا! اسكت هنا!… ثم إذا احترقت المنطقة… يفتح لك باب التصريحات لا باب النجاة.
وانظر إلى حرب إيران اليوم، قرار إشعالها لم يصنع عندك، ولم تكن لك فيه كلمة تقديم أو تأخير…ثم كان الارتداد عليك! منشآت تتوتر، ممرات تهتز، أسواق ترتجف، وشعوب تدفع ثمنًا لشيءٍ لم تختره، ولم تُستشر فيه أصلًا!
وبعد أن تقع الضربة هنا، يجيء الحليف البعيد بوجهه المتغطرس ليطلب منك الاصطفاف والمشاركة وتحمل المزيد كأنك كنت شريكًا في القرار، لا مجرد ساحة للكلفة!
هذه هي التبعية: قرار الحرب بعيد… وشظاياها قريبة… وفاتورتها على بلادك… ثم يُطلب منك أن تدفع أكثر وقد أرضيتهم سنوات بإضعاف الداخل وتجريف الدين والأخلاق وإفراغ المناهج من قوَّتها .. وهاهو من أرضيته يعربد في أرضك!
منطق السياسة الدولية واضحٌ وقاسٍ: إذا تطابقت مصالحك مع مصالحه يبتسم! وإذا تعارضت يبتز، إذا انتهت حاجته يتركك. وإذا احتاجك ثمنًا في صفقة أكبر يدفعك أنت لا نفسه.
الاستبداد لا يكسب الداخل ولا يكسب الخارج!
هكذا تتشكل المأساة داخلٌ منهكٌ وهويةٌ دخيلةٌ باهتةٌ تابعةٌ غير مستقلة لإرضاء الخارج، تعليمٌ خاوٍ يُعاد تشكيله بلا مشاركة، ترفيهٌ يُقدَّم كبديل للمعنى، مجالٌ عامٌّ مغلقٌ ونخبةٌ مستقلة محاصرة ومسجونة. وخارج لا يرحم، مصالح متبدلة، ضغوط، توظيف سياسي، وطلب اصطفاف عند الأزمات… ثم تركٌ لك عند الكلفة. فيخسر البلد ظهره في الداخل، ويفقد ضمانته في الخارج، وهذا بالضبط واقع دولة تدار بالاستبداد: تبدو قوية لأنها تتحكم… لكنها ضعيفة لأنها فرد لا مجتمع قوي!
أولوية المرحلة والإنقاذ :
استعادة الداخل: فتح المجال العام، إغلاق ملفات الاعتقال في قضايا الرأي والعمل السلمي، إعادة الثقة، وإعادة احترام الإنسان بوصفه أصل الاستقرار.
استعادة الهوية: إصلاح المناهج بعقل مؤسسي يشارك المجتمع ويحفظ الثوابت، لا عقل علاقات عامة يُخفف الهوية لإرضاء الخارج.
استعادة ميزان الأولويات: الواجهة والترف لا تسبق الإنسان، والمشهد الشكلي والبنياني لا يسبق العدالة، والصورة لا تسبق المعنى والفحوى.
تقليل الارتهان للخارج: ليس بالعداء، بل ببناء استقلال قرار يبدأ من قوة المجتمع وتماسكه ومشاركته والعودة إليه.
وإذا كان النظام الأساسي للحكم يقرر أن الحكم في المملكة يستمد مرجعيته من القرآن والسنة، ويؤكد أن الملك “يحكم وفق أحكام الإسلام” ويشرف على تطبيق الشريعة والسياسة العامة وحماية البلاد والدفاع عنها. فأين يذهب هذا كله إذا صار الداخل ضعيفًا، والهوية رخوة، والمشاركة مغلقة، والقرار مرتهنًا بالخارج؟ والنظام الأساسي شكليًّا ومعطلًا؟!
المستبد لا يفهم أن قوة الدولة ليست في أن يخافك شعبك، بل في أن يقف شعبك معك إذا جاءت العاصفة. ومن كسر الداخل ثم هرول للخارج… سيظل يهرول، لأن الخارج لا يشبع إلا مصالحه، ولا يمنحك إلا ما يبقيك تابعًا!