وقفة مع مقررات أشار إليها الشيخ الحوالي تتعلق بالحرب الحالية

ماذا يسع دولنا في الخليج؟

مما تفتقده الساحة الخليجية عمومًا والسعودية خصوصًا في هذا الوقت غياب رموز الفكر الإسلامي الذين عرفوا باتصال عميق بالواقع، ومعرفة وثيقة بالحركات والتوجهات الإسلامية وضدها، من المشايخ المستقلين أصحاب الفكر والفهم في الواقع كالشيخ سفر الحوالي، وسلمان العودة، وناصر العمر، وعوض القرني، وكذلك من الرموز العلمية المستقلة أو الصاعدة كالشيخ سليمان العلوان، والشيخ عبد العزيز الطريفي.

الأولون -ولا سيما الثلاثة- كان لهم رأي قديم في دخول القوات الأمريكية إلى الخليج، وكانوا يرونه يضر المنطقة، ويعدونه احتلالًا ناعمًا لمنابع نفطها، ورعاية أمريكية لمصالحها، في ما يسمى بالشرق الأوسط، وتهديدًا للجوار غير المؤاتي كإيران.

وكان بعضهم يرى انتقادات إيران لتلك القواعد ومخاوفها منها صحيحة في موضعها، يتفق معها فيها، مع علمهم بإيران وعقيدة الرافضة وتحذيرهم منها قبل أحداث العراق بأمد ليس بالقصير، وأصدر بعضهم في خطر الرافضة مذكرات، وكان الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي فرج الله عنه، وعافاه يذكر شيئًا مما قدمته من حق الرافضة في رفض الوجود الأمريكي الذي يهددها في المنطقة، مع موقفه العقدي منهم، وهو العالم المتخصص في العقائد والفرق، الذي لا يخفى عليه خطر الرافضة في الواقع ولا في التاريخ.

بل يقرر كما في كتابه الأخير المسلمون والحضارة الغربية! شرَّ الرافضة وعداوتهم للسنة، ويرى الشيخ حفظه الله أن مذهب الرافضة أُسِّس على يد عبد الله بن سبأ اليهودي لإفساد دين المسلمين. ويذكر تاريخيًّا أنهم وقفوا مع أعداء الأمة، والمقصود في كل حال أو موقف لا تتعارض أو يمكن أن تجتمع أو تتوافق مصالح أعداء الأمة معهم، ومن ذلك تحالفهم مع هولاكو وتيمورلنك ضد الخلافة العباسية والعثمانية، ويقرر عداءهم التاريخي للأتراك.

وفي الواقع المعاصر تحالفهم مع أمريكا والغرب، ضد بلدان السنة، وانتفاضاتهم، وينبه على وجود تحالف غير معلن بين الولايات المتحدة وإيران برز بعد حرب العراق، ويرى أن الشعارات مثل “الموت لأمريكا” كان في بعض الأوقات مجرد غطاء لتفاهمات سياسية تخدم الطرفين.

والذي نراه وجود أمرين متناقضين:

الأول: قصد تدمير القوى السنية ومنع قيام دول إسلامية سنية، فهذا يتفقان عليه، ويتعاونان في حدوده.

والثاني: فرض الهيمنة على أنقاض ذلك، فإيران تريد هيمنة رافضية، والغرب يريد هيمنة صهيونية.

وهذا لا يمنع التعاون، واستخدام كل طرف الآخر في أغراضه تكتيكيًّا؛ فالغرب براغماتي نفعي يستخدم كل ما يخدمه، وتجربته الحديثة في هذا ثرية من لدن الإمبراطورية البريطانية! والرافضة أهل تقية يُخلصون في تمثيل دور الآلة والسكين الذي يذبح به السنة!

والمقصود من شر الرافضة تعاونهم مع المغول المشركين والصليبيين والإنجيليين والصهاينة في تدمير القوى السنية، مما ينبه عليه الشيخ سفر.

واليوم لو حصل عكس ما هو واقع، فأتيحت لإيران فرصة في السعودية أو الكويت مثلًا وقدر أن الغرب قصفهما أو حاربهما لم تبال إيران أن تفعل ما فعلته في العراق.

لكن سياستها في ذلك تخدم إيديولجيتها ومصالحها أولًا وتراعيها، لن تسمح للغرب بأن تكون إيران منطلقًا منه، وممدًّا لوجستيًّا له، ولن ترضى بأن تكون في أراضيها قواعد قد تهددها وتستلب مقدراتها طوعًا، أو تسبب لها عداوات مباشرة غدًا، فهذه قضية استراتيجية.

لكن كما فعلت في العراق، تتدخل بدعم الجماعات المحلية الرافضية، دعمًا بالسلاح والمال والخبراء والنخب والرأي والإدارة وهلم جرًّا، وتتفاوض على استلام البلاد من خلالها مع الغرب، بحيث يمسك رجالها بزمام الأمور، وينفذون للغرب ما يريد جزئيًّا أو كليًّا إلى حين أن تواتيهم الفرصة للسيطرة والاستبداد بالأمر ولو بعد عقود، وهذا تكتيك يتوافق مع تقيتهم.

في مقابل هذه السياسة كانت سياسة من يسيطرون على الدول السنية موغلة في التبعية بعيدة عن رعاية مصلحة من يمثلونهم من الشعوب السنية!

فالقواعد التي تمثل احتلالًا ناعمًا لمنابع النفط ومقدرات البلاد قد مكن منها القوم، فملّكوا رقبتهم لهم، وبينما لايمكن أن يمكنهم الإيرانيون منها ابتداء رغم تعاونهم معهم، يحمي هؤلاء القواعد الأمريكية التي تسيطر على بلادهم ممن قصد إزالتها من أبناء تلك البلاد، فيقاتلونهم بالوكالة وينفذون فيهم أشد الأحكام، كالقتل تعزيرًا بالسيف والذي لا يرتضيه الحقوقيون من الغربيين! وفيه من التوسع والتجاوز في التعزير بالقتل ما يخرجه عن تنفيذ الحدود إلى حد البطش والقمع لمن عارض مصالح أجنبية، هي في الواقع تفري في إخوانهم السنة في دول الجوار أو تسهم لوجستيًّا في ذلك!

فيقوم هؤلاء الوكلاء بقتل أبناء بلدهم من المسلمين وإن وقع هجوم لم يسفر عن قتل للكافر! فكيف وقتل المسلم بالكافر منكر، لكنهم يفزعون إلى التوسع في التعزير، والتوسع في حد الحرابة، ليًّا للأمر عن وجهه، وتحريفًا له عن جادته!

ومن جهة أخرى بينما تدخل إيران وتدعم الحشود الشيعية والمتطوعين الشيعة وتسهل استجلابهم من كل مكان، تجرم وتحرم وتحارب دول الخليج المستنفرين السنة الذين يعارضون المشروعين الأمريكي أو الصهيوني، والمشروع الرافضي أو المجوسي!وهو مما يدل على استلاب إرادتها في قيام أي نفوذ للسنة، أو حضور قوي في تمثيل الشعوب، ونطقها برأيها وصدورها عن رؤاها!والغرب في المقابل يغضي وربما يدعم تلك الحكومات لذلك.

وقد جرب التعامل مع الشعوب السنية ومجاهديها فكانت تجربته مريرة غير سلسة، وعلم أن ما يجريه مع الرافضة من التعاون والاتفاق عسر معها، لم يحمد مغبته في أفغانستان كما حمده مع الرافضة!

فالقواعد التي تمثل احتلالًا ناعمًا لمنابع النفط ومقدرات البلاد قد مكن منها القوم، فملّكوا رقبتهم لهم، وبينما لايمكن أن يمكنهم الإيرانيون منها ابتداء رغم تعاونهم معهم، يحمي هؤلاء القواعد الأمريكية التي تسيطر على بلادهم ممن قصد إزالتها من أبناء تلك البلاد، فيقاتلونهم بالوكالة وينفذون فيهم أشد الأحكام، كالقتل تعزيرًا بالسيف والذي لا يرتضيه الحقوقيون من الغربيين! وفيه من التوسع والتجاوز في التعزير بالقتل ما يخرجه عن تنفيذ الحدود إلى حد البطش والقمع لمن عارض مصالح أجنبية، هي في الواقع تفري في إخوانهم السنة في دول الجوار أو تسهم لوجستيًّا في ذلك!

وحرب أفغانستان أيام الاتحاد السوفيتي شاهدة، فالسماح للدول بدعم النفير إلى بلاد الأفغان، وحثها على ذلك، يوم كان الملك سلمان وكيلهم في ذلك يجمع له التبرعات ويسهل السفر!تلك التجربة أسفرت عن وجه للسنة مشرق لا يمكن أن يقدم على مصالح مسلمين أطماع غربيين، لم يزل يرى فيهم وفي الصهيونية العدوَّ الأكبر! وكل غرضه بسط نفوذ السنة، أو أن تكون كلمة الله هي العليا، لايمكن أن يقاتل لتكون كلمة الغرب هي العليا.

فأفادت التجربة المعاصرة مقررات التاريخ بالأمس يوم حمى صلاح الدين رافضة من الصليبيين، بحكم كونهم رعية مسلمة مع كونهم خانوه من قبل! وكذلك وجدوا السنة قد يفيدونهم في كسر شوكة الشيوعيين المحتلين لبلدان المسلمين، لكنهم لا يعينونهم على كسر شوكة مبتدعة في بلدانهم!

وعلموا أنهم سوف يعارضون احتلالهم كما يعارضون احتلال الشيوعين، لا يمكن أن يتحاصوا معهم بلاد مسلمين، أو يتقاسموا كعكتها! فضلًا على أن يجعلوا لهم القول الأول، والفصل في الأمور، فهذا لا يمكن أن تقبله العقيدة السنية، وإن قبلته عقيدة التقية الرافضية.. لكن يمكن أن يقبله عملاء ووكلاء مستترون بالسنة.

والمقصود من البدهي أن توعز أمريكا والغرب للبلدان التي كانت بالأمس تسهل نفير السنة ضد عدو مشترك مع الغرب، إلى كف بنيها عن النفير ضد الغرب في العراق والشام وفلسطين.

لكن استراتيجية الغرب التي حاولت استعمال السنة في النفير لمصلحتها في أفغانستان قديمًا، لا تمنع استعمالهم مرة أخرى في تحقيق مآرب الغرب في إيران، وسوف تحاول تلافي خروج المشاركة عن ربقتها، عن طريق قيادات سبق وأن استعملتها في أغراضها مرارًا.. كما حصل من الغرب في حرب العثمانيين قبل قرن ونيف.

فهل تعي قياداتنا ما يراد ببلادها من الارتهان لبني صهيون، فتكف عن حماية مصالح القوم متوهمة أنها مصالحها! وتعرف أن مصلحتها الحقيقية في تقوية جبهات سنية مستقلة بقيادتها وسياستها وعقيدتها العسكرية وصناعتها الحربية!

أتمنى ذلك وأتمنى أن تزول الغشاوة عن أعين حكامنا وأن تنفذ بصيرتهم لعز الدنيا والآخرة كما أراد الشيخ سفر بكتابه! فهم إليه أحوج اليوم مع تأزم الأحداث، ومع تأهل الشام لتكون رأس حربتها في ذلك!