ما بعد الحرب . . رؤية للتصحيح

لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وأي حديث هادئ متوازن لا يمكن أن يجد من يستمع إليه في ظل هدير آلة الحرب المدمرة بين معسكري الصادين: الصهاينة والصفويين.حالة استقطاب حادة، بل قد لا أبالغ إن قلت إنها من أشد حالات الاستقطاب التي مرت بها الأمة في العصور المتأخرة!

أمزجة متوترة لا تقبل الاستماع سوى لصوت الاصطفاف الصريح، وأي محاولة لتفكيك الموقف أو الدخول في تفاصيل المشهد فإنها تقاطع بحدة ولا يسمح لصاحب الفكرة أن يكمل فكرته، بل يواجه مباشرة بتهم الخيانة والعمالة لهذا الطرف أو ذاك!

وضع محزن من فقدان الهوية وضياع الشعور بالكينونة المستقلة، فلا يمكن أن تتكلم كصاحب مشروع مستقل أو كحامل هوية متفردة، بل أنت ملزم أن تحزم أمتعتك وتلملم تاريخك وجغرافيتك وتقرر الصعود مرغمًا إلى أحد المركبين القذرين: مركب الصهاينة أو مركب الصفويين، وما عدا ذلك فأنت منافق مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء!

ولو حاولنا أن ننظر بهدوء واختصار بعيدًا عن تعقيدات التحليلات السياسية والقراءات الاستراتيجية؛ فإن انتصار أحد الطرفين في هذه الحرب المجنونة لن يصب في صالحنا كطرف محشور بينهما، وقد يكون الخيار الأمثل هو في إنهاك كل طرف للآخر دون نصر حاسم، كما كانت قوى الشرِّ العالمية تدخلنا دوما نحن المسلمين في حروب استنزاف طويلة دون أن تسمح بانتصار واضح ينهي حروب الاستنزاف تلك، فلعل هذه الحرب تستنزف الطرفين المجرمين اللذين لطالما اصطلينا بجحيمهما على مدار العقود الماضية على طول خارطة العالم الإسلامي وعرضه.

ودعونا نحاول أن ننفصل قليلًا -مع صعوبة ذلك- عن أجواء تلك الحرب المشتعلة؛ لنسأل أنفسنا سؤالا صريحًا:

وماذا بعد أن تضع هذه الحرب أوزارها؟

هل استوعبنا الدروس القاسية التي مررنا بها؟

هل شعرنا بحجم الخطر الهائل المحدق بنا من كل جانب؟

هل سنعترف بهشاشة وضعنا وحجم الفجوات الهائلة في بناء منطقتنا على جميع المستويات التكتيكية والاستراتيجية، والسياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، بل حتى هشاشة البناء الفكري والتعبوي الذي يمكن أن تلتف عليه جماهير الأمة؟

وبالتالي، هل ستكون هناك إفاقة جادة لتصحيح الوضع وتعديل المسار واستدراك ما يمكن استدراكه في ظل هذه الأوضاع المتفجرة التي تجعلنا ومنطقتنا كالنائم فوق برميل بارود تسير إليه الفتيلة المشتعلة مؤذنة بانفجار وشيك؟

ودعوني أركز الكلام هنا على بلاد الحرمين الشريفين لعدة اعتبارات مهمة؛ يأتي على رأسها أنها هي الدولة المركزية في الخليج، وهي التي لو كتب الله لها وتحركت في الاتجاه الصحيح فيمكنها أن تكون رأس حربة لتحرك أوسع يمتد ليشمل العالم الإسلامي بأسره لما تملكه من مقومات ضخمة من جميع النواحي: فموقع المملكة الاستراتيجي، ومساحتها الشاسعة، وقدراتها الاقتصادية الهائلة، فضلًا عن عمقها ومكانتها الروحية كونها مهوى أفئدة وقبلة ملياري مسلم؛ كل ذلك وغيره الكثير يجعل أثرها ضخمًا على مستوى الأمة لو كتب الله لها وعدلت من مسارها، وأعلم أن نفس هذا المقال قد لا يعجب حتى بعض رفاق الدرب الإصلاحي كونهم يرون أن حالة التصهين قد بلغت النخاع، ولكن فليسمحوا لي أن أختلف معهم قليلًا؛ فالسعودية لا تزال ليست كالإمارات التي باعت نفسها للصهاينة وارتهنت لمشروعهم ارتهانًا كاملًا، حتى أصبح بالفعل ابن زايد ونتنياهو وجهين لعملة واحدة!

ودعونا نعيش بالأمل الذي بثه النبي صلى الله عليه وسلم في صحابته حين يئسوا من عمر بن الخطاب حتى قالوا: “لو آمن حمار ابن الخطاب لما آمن عمر”، في الوقت الذي كان يدعو عليه الصلاة والسلام: “اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ بأحبِّ هذين الرجُلين إليك؛ بأبي جهلٍ أو بعمرَ بنِ الخطابِ. فكان أحبُّهما إلى اللهِ عمرَ بنَ الخطابِ“.

وحتى لا يتشعب المقال ويطول كثيرًا؛ فسأحاول أن ألخص ما نرجوه ونتطلع إليه في مسارين رئيسين، تكتيكي واستراتيجي:

فعلى المستوى التكتيكي: لابد من إجراءات عاجلة داخلية وخارجية، فعلى مستوى الداخل نحتاج لنفس جديد في التعامل مع جميع فئات الشعب، لابد من تبييض عاجل للسجون وإطلاق سراح تلك الكوادر والطاقات الهائلة التي خسرها الوطن على مدى سنوات طوال بسبب توجسات وأوهام وظنون ووشايات، لقد بقيتم سنين تحاولون صناعة قيادات شعبية تقود الجماهير وتصنع الرأي العام، ولكنكم أيقنتم أن تلك الأسماء قد فقدت بريقها وتأثيرها حتى أن بعضهم بات ملفوظًا وممجوجًا حتى على مستوى حيه وجيرانه.

لقد أحرقتم حتى الكيانات الرسمية التي كانت فاعلة إلى حد معقول في المجتمع وتوجيهه، فهيئة كبار العلماء أصبحت مجرد هيئة سياسية ميتة، حتى أنكم عزلتم مفتيكم عن المجتمع وأحطتموه بسياج مخيف من العزلة القاتلة فلا يكاد يراه أحد ولا يملك هو حرية مقابلة من يشاء! فضلا عن تعيينه وهو هرم لا يستطيع الحركة حتى لو أراد، بينما في المقابل تحتجزون في سجونكم المظلمة قيادات شرعية وفكرية تستطيع تحريك العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه وليس فقط تحريك الشعب في بلاد الحرمين.

كما أنه غني عن الذكر ما آلت إليه وزارة الشؤون الإسلامية من حال مزرية حين تسلط عليها هذا الموتور عبداللطيف آل الشيخ، الذي بات همه وتركيزه ليلًا ونهارًا محاربة الدعوة والدعاة وملاحقتهم والوشاية بهم، فضلًا عن حال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي أصبحت جثة هامدة لا حراك فيها ببركات رئيسها عبدالرحمن السند!

لقد أصبح وجه البلد للأسف الشديد مربوطًا بالسفيه تركي آل الشيخ الذي بات مالئ الدنيا وشاغل الناس بتفاهاته ومغامراته ومراهقاته التي لا تنتهي، وقد جعل بلاد الحرمين الشريفين قبلة لكل ساقط ومنحط من مشارق الأرض ومغاربها، ووضعت تحت يديه وبكل سفه الموازنات المليارية ليعيث في البلد فسادًا!

فهل سنرى تحركات جادة لتصحيح هذه السقطات وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح؟ نرجو ذلك.

أما على المستوى التكتيكي الخارجي: فلابد من بناء تحالفات استراتيجية صلبة سياسية وعسكرية مع الدول الكبرى في المنطقة حتى تكون بديلًا عن الارتهان إلى قوى الصهيوينة العالمية التي مارست وتمارس علينا أبشع صور الابتزاز القذر والاستعلاء المهين، ولتكون هذه الأحداث باعثًا حقيقيًّا للانعتاق التدريجي من منظومة التبعية والارتهان للغرب.

لقد أصبح وجه البلد للأسف الشديد مربوطًا بالسفيه تركي آل الشيخ الذي بات مالئ الدنيا وشاغل الناس بتفاهاته ومغامراته ومراهقاته التي لا تنتهي، وقد جعل بلاد الحرمين الشريفين قبلة لكل ساقط ومنحط من مشارق الأرض ومغاربها، ووضعت تحت يديه وبكل سفه الموازنات المليارية ليعيث في البلد فسادًا!

أما على المستوى الاستراتيجي: فنحن أمام فرصة تاريخية ضخمة في ظل تصدع وانهيار النظام العالمي، وإعادة تشكله وفق قواعد جديدة، ولذلك لحجز مقعدنا مع الكبار، ولا يمكن لهذا أن يتم دون توفيق الله أولًا، ثم وجود استراتيجية وطنية جامعة، وعقد اجتماعي جديد، يتصالح مع الشعب ويحترم حقوقه ويفجر طاقاته الكامنة على أرضية صلبة من الثقة المتبادلة، بعيدًا عن العقلية الأمنية المأزومة، والاستبداد المتعول في كل مفاصل الحياة.

لقد أيقن الجميع أن الذي يعتمد على الخارج ويتغطى به فهو في الحقيقة عريان حين يَجِدُّ الجدُّ وتحين ساعة الصفر، فلابد من بناء موارد البلد والاستثمار الجاد في ما يصنع له مجده ويحميه بأمر الله من تقلبات السياسة ومفاجآتها، لابد من نهضة حقيقية في الاقتصاد الإنتاجي المبني على أعمدة الإنتاج الحقيقية، وليس الاقتصاد الهش القائم على تفاهات الترفيه وملاعب الكرة!

هل سنرى نهضة صناعية جادة، تضع في أولوياتها بناء منظومة الأمن القومي الاستراتيجي في كل ما يحتاجه البلد ويغنيه عن الارتهان للخارج سواء في غذائه أو سلاحه أو دوائه؟

إننا أمام فرصة تاريخية ليس فقط لبعض الإصلاحات هنا وهناك، وإنما لنهضة جادة شاملة تضع بلادنا في موقعها الريادي اللائق بها كقبلة للمسلمين، ومنطلق لأعظم رسالة خالدة عرفتها البشرية، بمبعث الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام برسالته الخاتمة، التي أراد الله لها أن تهيمن ويظهرها على الدين كله ولو كره الكافرون والصهاينة والمنافقون.