الواجب إزاء الضربات الإيرانية

حب الحروب وإشعالها ديدن نفوس خبيثة تحب التدمير والتتبير! وقد عرفت بذلك يهود، فلئن كانت للناس إحَنٌ، وفي قلوب بعضهم ضغائن لها أسبابها، التي لم يتطهروا منها، وقد يتطهرون مع المجاهدة، فهؤلاء الأبعدون هكذا قلوبهم غلف، طبع الله عليها، مليئة غلًّا على خلق الله! لا سبيل لتطهيرها، كروثة الحمار ولو غسلتها بمياه البحار لا تطهر!

واليوم منطقة الخليج تُجرُّ من الغرب وإيران نحو حرب، لها ما بعدها، ونسأل الله أن يلطف بنا وبإخواننا وبالمسلمين في أقداره.

ودول الخليج، ضبطت نفسها أكثر مما هو متوقع، وأحسب أن السيل قد بلغ الزبى، وأن الحزام قد جاوز الطبيين، وفي أية لحظة قد يقول قائلها:

قربا مربط النعامة مني

لَقِحَت حَربُ (فارس) عَن حِيالِ!

لَم أَكُن مِن جُناتِها عَلِمَ اللَهُ

وَإِني لِحَرِّها اليَومَ صالِ

وإن كان لساستنا يد في جنايتها!

وأنا ممن لا أحب أن يحطم بنو صهيون أركان إيران، ولا زلت كذلك رغم ما أثخنه الإيرانيون في إخواننا بالشام ومن قبلها بالعراق، فتعارض مصالحهم التوسعية وتدافعهم (إيران vs أمريئيل) خير من استبداد أحدهما.

وقد أعجبني أن الشام لم تجاز إيران بما صنعت، فلم تتعاون حتى الساعة مع من تعاونت معهم إيران عليها!وبإمكانها فعل أشياء في جنوب لبنان، والتفاوض على مقابلٍ في المناطق الدرزية!

ودول الخليج ضبطت نفسها كثيرًا وليس ذلك عجزًا محضًا فالغارات لا تعجزها، واليمن تشهد، وفتح القواعد مشرعة للأعداء يمكنها! وأكثر من ذلك. وقد صبرت صبرًا يحمد لها، وهو من رعاية المصلحة.

لكن تجاوز الأمر استهداف قواعد أعداء لإيران في الخليج، إلى ضرب مصالح اقتصادية لبلدان الخليج نفسها، وتهديد أحياء سكنية، وهذا منكر يجب أن ينكر سواء في الرياض أو الكويت أو الدوحة أو مسقط أو المنامة أو دبي! نعم قد لا تحب حكومات بعض هذه الدول، وقد يكون لك مواقف منها، ولكن ضرب الاقتصاد ضرب للشعوب ومقدراتها لا يضر الحكومة وحدها بل لا تملك الحكومة في حكم الشرع أموال الشعب ومقدراته وإنما تدير شيئًا من ذلك! واستمرار هذا لا يجعل لدول الخليج خيار فرجة، أو مجالاً لمساعي هدنة! فمن واجبها بعيدًا عما يجري بين إيران وإسرائيل حماية مصالحها! ومن فيها. فإذا استمر ذلك فلا بد مما ليس منه بدٌّ! وهو مرٌّ، مؤداه زيادة نفوذ للغرب في البلاد، ومزيد ارتهان لإسرائيل.

لكن على العقلاء أن ينكروا ضرب المصالح الاقتصادية لا أن يفرحوا أو يشمتوا، ويسألوا الله أن يجنب البلاد الفتن، فإن دخول الحرب يعني التنسيق والتعاون مع طرفها الأبغض، مع مفاسد أخرى منها:

احتمال اضطراب بعض الخليج كالبحرين وقطر، واضطراب أوضاع الخليج له ما وراءه من اضطراب مصالح اقتصادية كثيرة تؤثر على المسلمين وغيرهم.

بالإضافة إلى تضرر ملايين السنة في إيران والتي توصلهم بعض الدراسات إلى نحو ٤٠ مليون مسلم!

والذين سوف يطالهم مزيد قصف وتشريد.. ولاسيما في واقع الحروب المعاصرة التي أثبتت مجرياتها أن القنابل الذكية فيها غبية بما يكفي لتقتل أبرياء كثيرين!نعم النظام الإيراني مجرم، جرائمه قد سوغت قبل عقود إعلان قتاله! لو كان توفر شرط جهاد صالح!

لكن العوائق لا تزال موجودة، على صعد كثيرة، داخلية في رايات بلدان السنة، وإصلاح صفوفها، وإزالة مظالمها، التي قد تخذل بسببها، والتي منها حبس كرام يقبعون اليوم في السجون، وفيهم المصلحون، والعلماء، والمفكرون، والوعاظ، بل فيهم من عظم جريمتهم أنهم كانوا يؤيدون من يدافعون إيران في الشام والعراق أو يجمعون التبرعات لهم! وفيهم من جريمته الكبرى معارضته التطبيع والتصهين الذي ساق المنطقة اليوم إلى ما ترون! وفيهم من جنحته معارضته الوجود الأمريكي وتحذيره من كونه لا يأت بخير! فهؤلاء جميعًا تثبت الأحداث صحة نظرهم، ويلزم الدول الاعتذار لهم، وردّ اعتبارهم إن كانت صادقة في إرادتها حماية مصالح الأمة ومقدرات الناس.

وأما العوائق الخارجية فتقدمت إشارة إليها، في طبيعة الحروب، وما تسببه من قتل أبرياء، وفي طبيعة الحليف وما يريده.

وهذا الوضع الحرج لا أستحل أن أفتي فيه فتوى عامة، وإن كنت لا أرى في حرب تشنها دول الخليج ولا سيما قبل إصلاح الداخل خيرًا، ولكنهما شرَّان! بأيهما تدفع، وما حدود ذلك؟ وكيف يكون؟ ومما يمكن أن يقال في ذلك:

* النهي عن أن تشن حرب شاملة أو تدخل قوات برية أو بحرية، وإنما توجه ضربات مدروسة للنظام الإيراني، أو مصالح الحرس الثوري الاقتصادية على وجه الخصوص.

* عدم الرد على قصف القواعد الأمريكية والغربية والإسرائيلية، في الدول العربية أو المياه الدولية وبلدان الأقاليم المحيطة بهم، فهذه من مصلحة دول الخليج أن تقصف وأن تزول سواء من جهة الخليج وما تاخمه أو في الجزيرة أو في البحر الأحمر وتخومه أو بعض الجزر أيًّا كانت تبعيتها أو كانت دولية، بل لو تحقق قصدها بالقصف الإيراني فمن الخسارة إطلاق مضاد واحد يحول دونها وغرض المقذوفات ولو قدر أن ثمن المضادات مدفوع، غير مشتراة بحر المال الخليجي!

* النهي عن التمييز بين الرد على إيران دون إسرائيل، فلو ثبت أن بعض هذه المسيرات والصواريخ من قبلها، أو ظهر ذلك، فالواجب الردُّ على تل أبيب أسوة بطهران، سواء جاء القصف منها أو من مياه دولية لها وجود فيها دون الإيرانيين.

* أن تكون مظلة ذلك حلف دفاع خليجي، يراعى في إنشائه قابليته للتوسع على نطاق جامعة الدول العربية، بل دول منظمة التعاون الإسلامي في ما يستقبل، إذا تغير النظام الإيراني.

لكن العوائق لا تزال موجودة، على صعد كثيرة، داخلية في رايات بلدان السنة، وإصلاح صفوفها، وإزالة مظالمها، التي قد تخذل بسببها، والتي منها حبس كرام يقبعون اليوم في السجون، وفيهم المصلحون، والعلماء، والمفكرون، والوعاظ، بل فيهم من عظم جريمتهم أنهم كانوا يؤيدون من يدافعون إيران في الشام والعراق أو يجمعون التبرعات لهم! وفيهم من جريمته الكبرى معارضته التطبيع والتصهين الذي ساق المنطقة اليوم إلى ما ترون! وفيهم من جنحته معارضته الوجود الأمريكي وتحذيره من كونه لا يأت بخير! فهؤلاء جميعًا تثبت الأحداث صحة نظرهم، ويلزم الدول الاعتذار لهم، وردّ اعتبارهم إن كانت صادقة في إرادتها حماية مصالح الأمة ومقدرات الناس.

فهذه أطر عامة، وتحتها مسائل كثيرة تحتاج إلى تفصيل تتعلق بالآليات الممكنة غير التعاون الخليجي، والأحلاف المشروعة من الممنوعة، وهي مسائل تستحق أن تُجمع لها لجان الفتوى والمجامع لترى فيها رأيًا، وتُقرَّر فيها قرارات، تضعها بين يدي الدول، لعلها تساعد الساسة في صنع ردٍّ صائب، وترشد العامة إلى ما يجب أن يلتزموه، وهو الأهم.

ولست أعني المجامع الرسمية وحدها، وإن كانت هذه مقصودة إذ فيها علماء كبار، وإن كانوا تحت أجنحة الساسة، ولكنهم اليوم ساسة مختلفون، ومن مصلحتهم معرفة المقررات الشرعية وحدود الممكن!

لكني أعنيهم ومعهم المجامع والروابط والاتحادات التي صدرت منها فتاوى فيها تباين، وكانت فتاواهم قبل أن تتأزم الأحداث وتبلغ ما بلغت، فليتهم يجتمعون وتعرض أوراق علمية، فقهية وسياسية، ثم يصدرون فتاوى جامعة محكمة تبصر العامة والخاصة بما هو أرضى لله عز وجل.فإن لم يكن ذلك فمن واجب المراكز البحثية السياسية، إقامة مؤتمرات وندوات تدرس ذلك وتطرح فيه رؤية!

هذا والله المستعان، وهو المسؤول أن يصلح الأحوال، ويدفع الفتن، ويحفظ بلدان المسلمين.