في البدء إذا انتقدت بلداننا أو قارنت بينها وبين غيرها فالقصد هو انتقاد الخطأ وبيانه جليًّا واضحًا بالمقارنة، ولا يلزم من ذلك تزكية المقارن به أو الإشادة به، ومن ذلك ما أذكره هنا بخصوص واقعنا وأنظمتنا التي استبدت حتى فيما ينشره ويقرؤه الناس من الخير!
وفي العالم يوجد نظامان في الجملة للرقابة على الكتب:
- أنظمة شمولية رقابتها قبلية، كالصين والحال في بلادي.
- وأنظمة رقابتها بعدية، فإذا خرج كتاب وتحقق أنه مخالف للقانون، يثير كراهية، أو يتناول موضوعات محرمة أخلاقية كإباحية الاطفال، أو سياسية أو حقوقية؛ كالإشادة بالنازية، أو إنكار الهولوكوست، أو معادات السامية، فيحاسب مصدره وفق القانون بعد تقديم الدعوى بموجبه.
وهذه في الحقيقة لا تصنف على أنها تقييد سياسي، ولكنها تصنف ضمن القوانيين التي تمنع الكراهية على أساس عرقي، أو مزدر للأديان أو الحقوق، فهم من الناحية النظرية يفرقون مثلاً بين معاداة السامية كعرق ومعاداة الصهيونية كحركة سياسية، لها جرائمها وتوجهاتها ومعارضيها وكارهيها من اليهود وغيرهم، لكن من الناحية العملية تجد توسعًا وخلطًا متعمدًا، فمعاداة السامية مع كونها خاصة باليهود لا تشمل العرب عندهم وهم أكبر مجموعة سامية بإقرار الجميع، والجرائم ضدهم تصنف إسلام فوبيا أو غيرها.
ومن جهة أخرى تجد الدعاوى والترهيب من نقد سياسات إسرائيل ونقد الصهيونية -والتي هي حركة سياسية- تحت ستار معاداة السامية!
ويوجد اتجاه متصاعد في الغرب لجعل قوانين معاداة السامية تتوسع من جهة لتشمل معاداة الصهيونية، كما ضيقوها من الجهة الأخرى لتخرج معاداة العرب الساميين!
والمقصود هنا التنبيه على فرق ما بين النظامين مع ذم واقعهما، النظم الشمولية الاستبدادية التي تجعل الكاتب متهمًا حتى يثبت براءته! فحينها يؤذن له في حرية أساسية يعبر فيها عن رأيه، وبين النظم الديمقراطية أو الحرة التي تأذن في الكتابة والنشر باستيفاء لاشتراطات تقنية محضة للحصول على رقم ردمك ثم تحاسب لاحقًا على انتهاك ذلك المنشور لقانون ما بإقامة الدعوى وإثباتها.. لكنها تحتال على ذلك في قضايا سياسية معينة.
ومع ذمِّ ذلك إلا أنه أقل نكارة من الأنظمة الشمولية، كالجارية في بلداننا، فهذه تجعل أرباب الفكر وحملة الأقلام في قفص الاتهام، وتمنع الكتابة قبلًا، وفي موضوعات كثيرة، وفي كل سياسة مخالفة لسياسة النظام الحاكم، بل قد تمنع النشر لمجرد اسم الكاتب، الذي قد لا يكون مدانًا بأية جريمة!
وهذا قد قيل صراحة لعدد من المشايخ والأفاضل، لا توجد ملاحظة على الكتاب، لكن يعوق النشر اسم الكاتب!
وجرب أن تطبع في السعودية قصيدة أدبية أو قصة لسيد قطب رحمه الله، أو بحوثًا للشيخ القرضاوي رحمه الله، أو كتابًا لأحد معتقلي الرأي، ولو في المواعظ والرقائق وسوف تعلم! أقوله عن تجربة قبل اعتقال بعضهم لا عن توهم!
وقد شكا بعضهم من ذلك صراحة وكتبه ونشره في كتاب بغير فسح فقال: “عقبة الفسح وهي عقبة في غاية الصعوبة بالنسبة لي، وقد قال الموظف المسؤول حينما قدمت إحدى دور النشر أحد كتبي للفسح: المشكلة ليست في المضمون وإنما هي في اسم المؤلف، فلو وضعتم اسمًا آخر أو مركزًا بحثيًّا مثلاً لكان الفسح بلا إشكال!
وأنا من عادتي دائمًا الكتابة باسمي الصريح ولا أرضى أن يوضع اسم غيري مكانه”[الشيخ سفر فرج الله عنه].
بل ذكر لي بعض من استدعوا ولُفت نظرهم لتحدثهم في شأن عام، بأنه قال للمحقق: ما تكلمت به لا يعارض الدولة بل يؤيدها! فقال له المحقق ما حاصله: أنت لا تتكلم بخير أو شرًّ! طغيان وجبروت لا أحسب أن فرعون قد بلغه في سياسته التي عبر عنها بقوله: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [سورة غافر، من الآية: ٢٩].
وجرب أن تطبع في السعودية قصيدة أدبية أو قصة لسيد قطب رحمه الله، أو بحوثًا للشيخ القرضاوي رحمه الله، أو كتابًا لأحد معتقلي الرأي، ولو في المواعظ والرقائق وسوف تعلم! أقوله عن تجربة قبل اعتقال بعضهم لا عن توهم!
وهذا هو الأصل في بلدنا أن الكتابة في الشأن السياسي ممنوعة، بل في كل شأن، وهذا المنع استباقي ابتدائي، ويزيد إن كان من قبل أهل الثقافة والفكر الذين لهم رأي وعندهم كلمة!
لقد عرف التاريخ همجيين متوحشين كثيرين، كالتتار الذين غرقوا المكتبات وحرّقوها، وعرف أقوامًا أكثر تحضرًا كالغربيين إبان عصور الاحتلال عرفوا قيمتها فصادروها وحفظوها وإن كانت مضامينها تدعو إلى خلاف سياستهم، وها أنت اليوم ترى المخطوطات الإسلامية في الأروقة العلمية الغربية!
وهذا التحضر في الغربيين جديد نفعي، وإلا فقد حرق أسلاف هؤلاء الأوربيون قديمًا مكتبات إسلامية في حروبهم الصليبية، كالذي ذكره القفطي أبان غارتهم على المعرّة، وكما حدث في طرابلس، فهؤلاء كانوا من جنس المغول.
أما العالم الإسلامي فلم يعرف تلك الهمجية في بنيه، نعم أحرقت كتب لأسباب سياسية كما فعل سليمان بن عبد الملك مع كتاب أبان في السيرة لما فيه من الإشادة بقبائل كانت غير ملائمة لهم، وذلك بعد وقعت الحرة.
بل قُتل أبو عبد الله القضاعي البلنسي محمد بن عبد الله بن أبي بكر المعروف بابن الأبَّار، وأحرقت كتبه لتهم سياسية أو انحراف عن صاحب تونس.
وكان المهدي العباسي يحرق الكتب على أساس عقدي فكري، وكذلك فعل بعض فضلاء آل سبكتكين إبان دولتهم الغزنوية مع كتب الفلسفة ومذاهب الاعتزال والتنجيم.
ثم كذلك فعل ببعض كتب الغزالي في بعض البلدان من قبل بعض آل تشفين.
وهذا هو الأصل في بلدنا أن الكتابة في الشأن السياسي ممنوعة، بل في كل شأن، وهذا المنع استباقي ابتدائي، ويزيد إن كان من قبل أهل الثقافة والفكر الذين لهم رأي وعندهم كلمة!
ونحو هذا بحق أو باطل كثير قال ابن كثير: “وفيها قبض الخليفة على عبد السلام بن عبد الوهاب بن الشيخ عبد القادر الجيلاني، بسبب فسقه وفجوره، وأحرقت كتبه وأمواله قبل ذلك لما فيها من كتب الفلاسفة، وعلوم الأوائل، وأصبح يستعطي بين الناس، وهذا بخطيئة قيامه على أبي الفرج بن الجوزي، فإنه هو الذي كان وشى به إلى الوزير ابن القصاب حتى أحرقت بعض كتب ابن الجوزي، وختم على بقيتها، ونفي إلى واسط خمس سنين، والناس يقولون: في الله كفاية وفي القرآن، وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها، والصوفية يقولون: الطريق يأخذ.
والأطباء يقولون: الطبيعة مكافئة” [البداية والنهاية ١٣/٥٥].
وأحرقت كتب محمد بن الحسن الطوسي المفسر الشيعي مرارًا، وقديمًا حرقت بعض كتب ابن حزم، وفي ذلك قال كلمته المشهورة:
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي
تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي
وينزل إن أنزل ويدفن في قبري
دعوني من إحراق رقٍ وكاغدٍ
وقولوا بعلم كي يرى الناس يدري
وإلا فعودوا في المكاتب بدأة
فكم دون ما تبغون لله من ستر
كذاك النصارى يحرقون إذا علت
أكفهم القرآن في مدن الثغر!
والدهر ذو دول فبعد أن حرقت كتب هذا، جاء بعض أهل الظاهر فحرقوا كتب الفقهاء في الفروع، ومن ذلك أن “صاحب الغرب يوسف بن يعقوب منع من قراءة الفروع جملة، وبالغ في ذلك، وألزم الناس بأخذ الفقه من الكتاب والسنن على طريقة أهل الظاهر، فنشأ الطلبة على هذا بالمغرب من بعد سنة ثمانين وخمس مائة.
وكان القاضي أبو الحسين أديبًا، له (باع في) النظم والنثر، وكان كامل العقل، ريض المزاج، قل أن ترى العيون مثله، ظفر السلطان به وبعالم آخر يقرئان الفروع، فأخذا وأجلسا للقتل صبرًا، ثم قيدا وسجنا بعد سنة تسعين، ثم مات رفيقه، وطال هو حبسه، وشدد ابن عبد المؤمن في ذلك، على أن من وجد عنده ورقة من الفروع قتل دون مراجعته، وخطب بذلك خطبًا، فانظر إلى هذه البلية، وأحرقت كتب المذكورين” [سير أعلام النبلاء ١٦/٢٣١].
وقد حصل في تاريخ الإسلام أن منع من الكتابة أعلام بأعيانهم، بحق أو باطل كما فعل مع شيخ الإسلام ابن تيمية، وسود ذلك ابن الزملكاني [لينظر الجامع لسيرة شيخ الإسلام ص٦٩٤].
لكن ما لا يعرفه تاريخ الإسلام من بدع الحكام هو جعل المنع من النشر أصلاً يجري في الناس كلهم إلا بإذن! مطلقًا أو في موضوعات. ومن يتعد ذلك فعل به كما فعل بالشيخ سفر رضي الله عنه وعن بنيه! وإنما عرف ذلك عن أنظمة قمعية شمولية لا تعبأ بحقوق أساسية للإنسان، ومنها وفق القانون الدولي، كما في المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على حرية التعبير، وحرية طلب المعلومات، وحرية نقلها وإيصالها للآخرين!
وأيًّا ما كان..
فقد كانت في سجل التاريخ وصمات عار في جبين دول وأمم جرمت الكتاب! وأحرقت المؤلفات، وقمعت الثقافة!
لكن واقع التجريم المعاصر في بلادي دركة أبعد، وعار أعظم، إنه أمر يتجاوز الإحراق، إنه وأد للكتب، وأي كتب! ليتها كانت كتب العهر والمجون، وروايات الهبوط والسفول، بل منع من الكتابة والنقد الإصلاحي، وقطع لسبل معالجة الخلل، بل الإشارة إليه، إنه منع من أسباب التفكر والمراجعة، ولافتات التحذير والإرشاد، وكل ما أو من قد يعكر مزاج قادة قطار البغي الذي يجر الناس نحو هاوية لا تخدم غير مصلحة المستبد الفرد! ولا حول ولا قوة إلا بالله، إليه الملتجأ في صلاح الحال.