رموز السعودية المغيبة في ساعة العسرة!

سؤال يتجدد في كل مرة، تمر بها السعودية في أزمة أو مأزق ما، ويُلح حين تزداد الأوضاع تقلبًا واضطرابًا: أما آن للمملكة أن تُبصر أن سد الخُلة البنيوية الاجتماعية فيها لا يوفيه إلا الحضور القوي للعلماء والمفكرين الأكابر فيها، الذين كانوا ملء سمع العالم الإسلامي وبصره قبل بضع سنوات خلت؟

لقد آن وآن، والأرض تمور حول الجزيرة العربية، وفي العالم كله، والأحداث متلاحقة غزيرة، دالة على جريات ونوازل، توشك أن تُطل بفتنها وتقلباتها وعنفوانها. لكن فلسفة الحكام في الجزيرة العربية تذهب بهم نحو مآرب أخرى وتصرفات مغايرة، إذ لا يتراءى لمن يحكم في الرياض اليوم أن يقلب يومًا صفحات التاريخ ليستهدي ببراهينه، وفيها أن هذه الأمة المسلمة ودولها المتعاقبة لم تقم من بعد نومة إلا وكان العلماء الربانيون في طليعتها.

تُفسِّر الرياض انتصارها السريع في اليمن على أنه نتاج حكمة، وعمل استخباري عميق، وانتهاز فرصة إقليمية ودولية، واستغلالًا لعدم ممانعة واشنطن في إزاحة الإمارات من حكم الجنوب اليمني، وفي ذلك بعض الصحة، لا نخالف. لكن هل من بعد ما حصل قد تخلصت المملكة من الأخطار المحدقة بها؟ أظهر القراءات لن تفي للرياض بهذا التفاؤل، فالمملكة لم تفك حصارها بعد، ولم تفك يديها المكبلتين، وهي وإن هزمت الإمارات في جولة، فلـ«دويلة الشر» ومن خلفها «إسرائيل» سورهما المحيط بالسعودية من كل جانب، وقدرة السعودية على البقاء قوية لا توفره راقصات تركي آل الشيخ، ولا ألعابه أو ترفيهه المنحرف.

ففي وقت تتجهز فيه أوروبا بميزانيات دفاعية غير مسبوقة، وتعود تدريجيًّا إلى التجنيد الإجباري، ويتجهز العالم لحرب عالمية قد تكون وشيكة، وتسابق الدول الزمن من أجل الاستعداد لحروب طاحنة تتطلب روحًا معنوية عالية، وجهوزية نفسية تعيد تدريجيًّا الالتجاء إلى الأيديولوجيات وإحياء الشعور الديني والقومي والوطني، فإن درة المجتمع السعودي، وقوته الإيمانية التقليدية الحقيقية، تقبع خلف قضبان السجون، ومن بقي أمامها توارى أو أُلزم قعر بيته صامتًا!

لقد آن وآن، والأرض تمور حول الجزيرة العربية، وفي العالم كله، والأحداث متلاحقة غزيرة، دالة على جريات ونوازل، توشك أن تُطل بفتنها وتقلباتها وعنفوانها. لكن فلسفة الحكام في الجزيرة العربية تذهب بهم نحو مآرب أخرى وتصرفات مغايرة، إذ لا يتراءى لمن يحكم في الرياض اليوم أن يقلب يومًا صفحات التاريخ ليستهدي ببراهينه، وفيها أن هذه الأمة المسلمة ودولها المتعاقبة لم تقم من بعد نومة إلا وكان العلماء الربانيون في طليعتها.

نجح كوشنر وأمثاله في تجريد السعودية من أقوى أسلحتها يوم وقف مزهوًّا بأنه قد فعلها، وأفرغ المساجد السعودية من دورها وحيويتها وقوتها وأبقاها جدرانًا مزركشة يفاخر بها من أرادها علامة على «رعايته للمساجد»!

بدأت الحملة الكوشنرية مبكرًا، منذ زمن يفوق عمره، عندما ضويقت حلقات العلم، وتقلصت المناشط اللاصفية بأنواعها والتي أعدت أجيالًا من الرجال العظام، ثم ضاقت السعودية الجديدة على الدعاة بما رحبت، وانتهى الأمر بتغييب كبار المفكرين والعلماء والمثقفين والدعاة والإعلاميين الأحرار في غياهب السجون، واستُوردت الغانيات والقينات، وفُتحت اللاونجات، وأُقيمت المهرجانات والبوليفاردات! فتأثرت مفاصل المجتمع المشهور بغيرته وقيمه، وأذيبت مبادؤه واعتزازاته، وخارت قواه وإن كدست قواته الأسلحة الأمريكية الموجهة من قلب الولايات المتحدة وبأمرها.

وفي كل هذا الظلام، ظهر بصيص أمل، مع طرد الإمارات من جنوب اليمن، وإنهاء تهديد الانفصاليين الجنوبيين، الموالين لـ«إسرائيل»، وكسر المملكة حلقة من سلاسل القيود حول معصمها، والتفاتها إلى أذرع الإمارات في المنطقة؛ في السودان، والصومال، وسوريا في محاولة لإضعافها، وميلها إلى إقامة حلف عسكري يجمعها بباكستان وتركيا.

وهذا أمر محمود بكل تحقيق، على أنه لا يقوم بما يتمناه حكام السعودية، ما لم تكن السعودية، على أقل تقدير، تمارس سياسة مقاربة لما حافظ عليه ملوك آل سعود الأوائل من حفظ هيبة العلماء، والسماح بهامش مقبول من نشر العلم والدعوة الصحيحة، على نحو ما كان يقوم به العلماء الكبار أمثال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز وأقرانه، ومن حملوا الراية من بعدهم من كبار العلماء والمفكرين والدعاة الذين طبقت شهرتهم الآفاق.

ففي وقت تتجهز فيه أوروبا بميزانيات دفاعية غير مسبوقة، وتعود تدريجيًّا إلى التجنيد الإجباري، ويتجهز العالم لحرب عالمية قد تكون وشيكة، وتسابق الدول الزمن من أجل الاستعداد لحروب طاحنة تتطلب روحًا معنوية عالية، وجهوزية نفسية تعيد تدريجيًّا الالتجاء إلى الأيديولوجيات وإحياء الشعور الديني والقومي والوطني، فإن درة المجتمع السعودي، وقوته الإيمانية التقليدية الحقيقية، تقبع خلف قضبان السجون، ومن بقي أمامها توارى أو أُلزم قعر بيته صامتًا!

هذا درع الحماية الحقيقي للسعودية، وأقوى أسلحتها وأمضاها في تقوية الجبهة الداخلية، التي لا غنى عنها في تلك المرحلة الدقيقة والعصيبة التي يمر بها العالم بأسره، وتمر بها المنطقة العربية ومحيطها، خصوصًا مع وضع «إسرائيل» مشاريعها التوسعية والتركيعية لدول المنطقة، موضع التنفيذ.

وإذ غابت مصر كسند قوي عن السعودية، فلا مناص من أن تلجأ السعودية إلى عناصر قوتها التاريخية، «شعبها المتدين الجسور»، وهذا لن يتأتى دون مصالحة حقيقية مع علماء وقادة رأي هذه البلاد، لأنه حين تدلهم الخطوب فلن تصلح المهرجانات واللاونجات في اصطفاف السعوديين كأنهم بنيان مرصوص. إنه المفتاح الذي لا تُفتح الأقفال بدونه فياليت قومي يعقلون وياليتهم يستدركون!