مقولات الخذلان لآساد الطوفان [3]

وبعد انكشاف عوار تلك الذرائع والمقولات – مقولة المؤامرة، ومقولة التهور، ومقولة العجز، ومقولة الابتداع – ، فلم يبق إلا الوجه الأخير للخذلان، حين يتحول من تبرير إلى اصطفاف، ومن شبهة إلى موقف، ومن القعود إلى تمني هزيمة المسلمين ونصرة أعدائهم، وهو ما سنفصله في الجزء الأخير لهذه المقالة.

المقولة الخامسة: أن هذا الجهاد بدون ولي أمر ولا إذنه، فهو جهاد باطل:

ونقاش هذه المقولة في الأوجه التالية:

الوجه الأول: الزعم أنه جهاد دون ولي أمر من أكذب المزاعم وأبطلها، فالمجاهدون قد تمكنوا في غزة وحكموها، ولهم أمراء يخلف بعضهم بعضًا حينما يستشهدون في سبيل الله، ومن قوة تمكنهم في غزة أن اليهود مع حصارهم لها منذ عشرين سنة وحربهم عليها وما ارتكبوه فيها من مجازر لم يستطيعوا أن يبطلوا تمكنهم فيها، ولا أن يمكنوا غيرهم من العملاء والمنافقين. كما مكنوهم في البلاد الأخرى!

الوجه الثاني: أن حقيقة المقالة عند قائلها هي أن هذا الجهاد بدون إذن ولي أمره هو، وليس مطلق ولي الأمر، ثم إذا بحثت عن ولي أمره وجدته مترفًا دنيويًّا معطلًا للجهاد مريدًا للدنيا، ليس مستعدًا لخسارة ماله ولا نفسه في سبيل الله! فهو يجعل من هذا حاله حاكمًا على ما أمر الله به من جهاد، وكفى به تحريفًا للدين وإبطالًا له!

الوجه الثالث: أن من اشترط إذن ولي الأمر إنما اشترطه في جهاد الطلب، لا في جهاد الدفع، الذي قال عنه ابن تيمية: (لايشترط له شرط إلا الإيمان) وهذا الأمر صرح به حتى من ينتسبون إلى الحكام من العلماء الماصرين كالشيخ صالح الفوزان في فتواه المشهورة.

الوجه الرابع: أن من اشترط إذن الأمير في جهاد الطلب إنما اشترطه للأمير المجاهد العالم بمصالح الجهاد لا إذن من كفر بالجهاد وحارب المجاهدين وترك هذه الفريضة، فهذا لم يقل به مَن شَمَّ رائحة العلم، وهو كمن يمنع الصلاة إذا جاء أمير ينهى عنها، ويتذرع بأقوال العلماء في إقامة الأمراء للجماعات والجمع.

الزعم أنه جهاد دون ولي أمر من أكذب المزاعم وأبطلها، فالمجاهدون قد تمكنوا في غزة وحكموها، ولهم أمراء يخلف بعضهم بعضًا حينما يستشهدون في سبيل الله، ومن قوة تمكنهم في غزة أن اليهود مع حصارهم لها منذ عشرين سنة وحربهم عليها وما ارتكبوه فيها من مجازر لم يستطيعوا أن يبطلوا تمكنهم فيها، ولا أن يمكنوا غيرهم من العملاء والمنافقين. كما مكنوهم في البلاد الأخرى!

الوجه الخامس: أن من نهى عن الجهاد دون إذن الأمير ساق ذلك النهي في مسائل فقهية مثل: هل يقسم لمن خالف الأمير من الغنائم؟ ولم يسقه في مساق التألي على الله، والزعم أنه لا يقبل جهاد هؤلاء، وأن جهادهم للكفار وشهادتهم باطلة، فهذا لا يجرؤ عليه إلا عظيم الجهل ضعيف الإيمان فاجر في الخصومة.

الوجه السادس: أنه لو كان عملهم خطأ منهم فلا يسوِّغ ذلك خذلانهم وتسليمهم للكفار والمشاركة في الطعن فيهم وحربهم عند من يؤمن بالله واليوم الآخر، بل لهم حق أخوة الدين والإيمان على أقل الأحوال، فكيف وهم مقدمة أهل الإسلام وصفوتهم وخيرتهم وحائط الصد عنهم أمام اليهود المعتدين!

المقولة السادسة والسابعة : مقولة الأتباع والأوباش:

وملخصها أن هؤلاء المجاهدين خالفوا مسار المطبعين من أمراء وحكام هؤلاء الأتباع والأوباش، وأن هؤلاء الأمراء والحكام كانوا سيحلُّون قضية فلسطين ولكن هؤلاء المجاهدين استعجلوا!

ومقولة النفاق الصريح والردة عن دين الله، بتمني هزيمة المسلمين وانتصار اليهود عليهم، وهذه المقولة لم تقتصر على أهل العلمنة واللادين، بل ظهرت على ألسن بعض المتدينين من المنتسبين للفرقة المنحرفة (غلاة الطاعة) فكثيرًا منهم خرج من اليوم الأول يجزم بهزيمة المجاهدين، لا وحيًا من الله أتاه، وإنما كشفًا عما في نفسه من أماني لأهل الإسلام!

بل وصل الأمر ببعضهم أن يفتي بتحريم الدعاء للمجاهدين في غزة، وآخرون سلكوا مسالك السخرية بالمجاهدين وتعييرهم بالأنفاق التي قضوا في حفرها وقتًا طويلًا وقضى منهم ثلة في إعدادها، ومكنتهم على ضيق مساحتهم وقلة إمكاناتهم وخذلان المسلمين لهم من الصمود في وجه اليهود عامين كاملين، وقتل وجرح أكثر من عشرة آلاف يهودي، فصار هذا الإعداد المعجز المبهر الذي حير الكفار مناط سخرية عند سفلة من المنتسبين لأهل الإسلام!

وهؤلاء السفلة الأوباش: لم يجاهدوا، ولم يعدوا للجهاد، ولم يحدثوا أنفسهم بالجهاد أصلًا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من لم يغز أو يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق) وهؤلاء لم تكفهم شُعَبـُ النفاق التي غرقوا فيها، حتى تردوا في دركاته المخزية، وتلطخوا بالردة وصريح النفاق، بالسخرية من المجاهدين ومن إعدادهم وتمني هزيمتهم وتحريم موالاتهم ونصرتهم.

كل هذا ركونا للدنيا وزخرفها، ولهثًا خلف ولاة أمورهم وحكامهم من أهلها ومترفيها، الذين كانوا يظهرون للناس عداوة اليهود، ثم قالوا: نقبل منهم دولة في حدود 67، ثم انتهى الأمر بهم إلى التسارع لموالاتهم والتطبيع معهم دون ذلك، بل وهم يرتكبون المذابح بحق أهل الإسلام، وكلما وجد هؤلاء الحكام مسلمًا يدعم إخوانه في غزة أو يوصل المال لهم سجنوه!

فصار هؤلاء الأوباش أتباعًا لمن حارب دين الله ، فلا عجب أن يصيروا أعداءً لمن جاهد في سبيل الله ، وصار هؤلاء الأوباش: عبيدًا لعبيد اليهود، يرون فيمن يقتل اليهود ويجاهدهم: مسفهًا لأحلامهم وآلهتهم!

وحال أصحاب المقالتين السادسة والسابعة أظهر من أن نقف معه طويلًا عياذًا بالله من حالهم.

بل وصل الأمر ببعضهم أن يفتي بتحريم الدعاء للمجاهدين في غزة، وآخرون سلكوا مسالك السخرية بالمجاهدين وتعييرهم بالأنفاق التي قضوا في حفرها وقتًا طويلًا وقضى منهم ثلة في إعدادها، ومكنتهم على ضيق مساحتهم وقلة إمكاناتهم وخذلان المسلمين لهم من الصمود في وجه اليهود عامين كاملين، وقتل وجرح أكثر من عشرة آلاف يهودي، فصار هذا الإعداد المعجز المبهر الذي حير الكفار مناط سخرية عند سفلة من المنتسبين لأهل الإسلام!

أما بعد أيها القارئ الكريم :

فإن مقالات النفاق تتكرر عبر التاريخ، وإنك تجد حكايتها في القرآن، فتجد في كتاب ربك التحذير ممن يعيب على المجاهدين القتل وقد خذلهم وقعد عن الجهاد، وتجد فيه التحذير من ترك الجهاد حبًّا للدنيا، وتجد فيه الوعد بإحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، وتجد فيه محبة الله لمن يقاتلون في سبيل الله (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) .

فليبصر العاقل موطئ قدمه، وليحسب حساب كلماته ألا تهوي به مع القوم الكافرين والمنافقين، وليكن في كل معركة بين الكفار والمسلمين ظهرًا لإخوانه ونصيرًا لهم لا خاذلًا ولا مع المخذلين فضلًا عن المنافقين والمرجفين!

ولا يقدم العاقل أهل الدنيا وطلابها الحريصين عليها، من أحقر الخلق وأتفههم مهما كثرت أموالهم وعلت مناصبهم: على ربه وكتابه ونبيه وسنته وصحابته ومن سلك سبيلهم من أهل الدين المضحين بأنفسهم وأرواحهم لله .

وإن حال المنافقين في خذلانهم للمسلمين: لم يقتصر على الجهاد في سبيل الله تعالى وقتال أعدائه، بل شمل خذلان جوعى المسلمين ومرضاهم وجرحاهم، وحصارهم، والسكوت عن قتل الأبرياء، الخذلان الذي تبرأ منه الكفار الأصليون في أوربا وغيرها، فصاروا يهبون للتضامن مع المحاصرين من المسلمين في غزة، ويضغطون على اليهود لإدخال الدواء والغذاء لهم، بينما حكام المسلمين وعلماؤهم الرسميون في صمت، وأما العلماء الصادقون ففي أقبية السجون فرج الله عنهم.

فهل بقي عاقل يشك أن هذا وضع منحدر ومترد في غياهب الجهل وقلة الإيمان وضياع المروءة والرجولة؟! وهل بقي شك لدى عاقل في أن ما يصدره هذا الوضع من مقولات خذلانية إنما هو سم زعاف يبرء المسلم منه، وينزه عنه لسانه وجنانه؟