السعودية تتجه نحو «إسرائيل» أم تناورها؟

اتجاهان يتنازعان البحث خلف أستار الاجتماع الذي عُقد بين وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقادة منظمات يهودية أميركية بارزة ومؤيدة لـ«إسرائيل» الجمعة الماضية في واشنطن، والذي كشف عنه موقع جويش إنسايدر الأمريكي، فمن مرجح أن الخطوة السعودية هي تعبير عن رسائل تهدئة للوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية عشية البت في طلب السعودية بشراء صفقة أسلحة أمريكية باهظة الثمن، ومحاولة لامتصاص الغضب اليهودي و«الإسرائيلي» تجاه المملكة نظرًا لطردها القوات الإماراتية من معظم الأراضي اليمنية، ومن قائل أن الرياض لم تفعل ما يغضب تل أبيب ولا واشنطن اللذين لا يقيّمان فعليًّا ما قامت به المملكة في اليمن مؤخرًا في غير عداد التنافس الإقليمي بين جارتين خليجيتين.

الجمعة كان خالد بن سلمان يجتمع بـ١٥ من الخبراء اليهود، وقادة منظمات رئيسة هي: اللجنة اليهودية الأميركية (AJC)، ورابطة مكافحة التشهير (ADL)، ومؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى، والتحالف اليهودي الجمهوري، ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)، وهي مركز أبحاث أميركي معروف بقربه من دوائر صنع القرار المؤيدة لـ«إسرائيل».

وقد سبق اللقاء بنحو أسبوع، تصعيد منضبط من دوائر صهيونية بارزة، حيث أصدرت “رابطة مكافحة التشهير” بياناً غير مألوف قبل نحو أسبوع، جاء فيه أن الرابطة “قلقة إزاء تزايد وتيرة وشدة أصوات سعودية بارزة – من محللين وصحفيين ودعاة – يستخدمون تلميحات معادية للسامية بشكل صريح، ويروجون بقوة لخطاب مناهض لاتفاقيات أبراهام، وينشرون أحيانًا نظريات مؤامرة حول مؤامرات صهيونية”.

انقضى الاجتماع، وكعادتها، لم تُعلِّق الرياض، وجاءت الأنباء مرة أخرى من الإعلام الأمريكي، وتحديدًا من موقع أكسيوس (السبت)، لتكشف أولًا عن أن واشنطن قد وافقت للسعودية على صفقة لشراء أسلحة بقيمة تبلغ نحو ٩ مليارات دولار، إلى جانب صفقة مقابلة لـ«إسرائيل»، ما يعني تلقائيًّا أن واشنطن لا تجد غضاضة فيما فعلته الرياض في المنطقة مؤخرًا، وتكشف ثانيًا عن أن المسؤول السعودي الرفيع قد حث واشنطن على توجيه ضربة قاصمة لإيران، بطريقة غير مباشرة حين قال: “إذا لم ينفذ الرئيس ترامب تهديداته ضد إيران؛ فإن النظام سينتهي به الأمر أقوى”! (وهذا يخالف الموقف العلني للرياض منذ أسابيع خلت)! وبالتالي، يعني أن الرياض – إن صدقت الرواية – اصطفت إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، وتستعد لتلقي تبعات ذلك من طهران، وتتحمل غضباتها! وربما يكون رد الرياض على التقارير الصحفية التي تتحدث عن تغيير موقفها من الضربة الأمريكية لإيران، وموافقتها على ذلك؛ هو دليلًا على هذا التغيُّر بالفعل، أو على الأقل طرحه في الاجتماعات المغلقة!

وكشفت ثالثًا عما كان توقعه المعارضون من قبل، فشقيق ولي العهد السعودي، والعهدة على الموقع الأمريكي، نقلًا عن ثلاثة مصادر حضرت اللقاء، “أصر صراحة على أن السعودية لا تبتعد أكثر عن «إسرائيل» أو تقترب من جماعة الإخوان المسلمين»، كما رفض المخاوف التي أثارها الحاضرون بشأن تصاعد المشاعر المناهضة لـ«إسرائيل» في الصحافة السعودية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث قال أحد المشاركين: لقد قال عدة مرات: إن هذا هُراء”!

من نصدق في هذه الحالة، خطباء الحرمين الذين يدعون لفلسطين في مقاومتها لـ«إسرائيل»، ومنصات السعودية الإلكترونية، وأحمد بن عثمان التويجري، إذ يدينون إبادة «إسرائيل» لأهل غزة، ويستنكرون تواطؤ أبوظبي معها، ويدعون للصابرين من المقاومين والأهالي، أم نصدق آلاف المغيبين خلف القضبان من خيرة علماء وشيوخ المملكة، الذين لبثوا في السجن بضع سنين من «أجل عيون إسرائيل»، وتردد المملكة في جميع الملفات التي تدمر بها أبوظبي المنطقة باستثناء اليمن؟!

نزعم أن كل مسلم يريد أن يُصدق تلك «المظاهر» التي يُسمي شقيق ولي العهد، الاتهام بأنها تمثل إشارات لمعاداة السامية بأنها «هراء» أو ينعتها هي نفسها بأنها «هراء» (لم يُبين الوزير!)،

لكن أن يُصدق أحدٌ أن الرياض تسلك سياسة معادية لـ«إسرائيل»، مع كل ما يراه من عكس ذلك من تهيئة المملكة لاستثمارات يهودية، وعقدها شراكات غير ضرورية مع كبريات الشركات المعروفة بعدائها السافر للمسلمين واستقبالها كل يوم تقريبًا لكل معادٍ لفلسطين، من ألوان الزائرين، ساسة واقتصاديين وممثلين وراقصين ورياضيين.. إلخ، وكتمها لكل الأصوات التي وضعتها تل أبيب على قائمة المحرضين ضدها، من علماء ودعاة ومشايخ وأكاديميين وإعلاميين وتجار ووجهاء، وتنفيذها لمخطط صهر ترامب، كوشنر في تحجيم دور المساجد، وتغيير مناهج التعليم لتمنع كل ما يخص التعامل اللائق بالغادرين من اليهود، وتجفف منابع المعرفة والثقافة الإسلامية أمام النشء- إن يصدق هذا مع كلِّ ذاك، إنه لضعيف العقل، فاقد البصيرة.