العفو قرار دولة… ومؤشر قوة

استردّوا الوطن من عقل الملف قبل أن يتلف الملف الوطن

أيها السياسي: السجن لا يحبس رجلًا  بل يحبس بيتًا بكل أهله، ومتى حبست البيوت فقد بذرت وسقيت الفتنة، تلك أم تنتظر، وزوجة منهكة، وطفل ينشأ بلا تربية، ويعتاد الفردانية والعدوان، ومراهق يبحث عن الرجولة خارج البيت!!  فهل نقول هذا استقرار؟! 

لقد خان الذي أوصى تعزيز الأمن بالخوف والقبضة الحديدية وصدق ووفى من قال إن الأمن يبنى بالثقة، هذه الثقة لا تصنع بالشعارات، بل بقرار شجاع واحد يعيد للوطن تماسكه: قرار إغلاق ملف الاعتقال الممتد، وفتح صفحة جديدة تحفظ للدولة هيبتها وللمجتمع عافيته. 

يا صاحب القرار والحريص على الوطن : هل عقل السياسة أم عقل الملف ؟

في عالم السياسة هناك ذهنية ذكية تدير الدولة كدولة، وذهنية تديرها كملف.

إن عقل السياسة يسأل: كيف أحصِّن الداخل؟ كيف أكسب الناس؟ كيف أخفف تكلفة القرار؟ أما عقل الملف فيسأل: كيف أبقي الخطر حاضرًا؟ كيف أسوغ الاستمرار؟ كيف أطيل المدة وأجعلها مفتوحة؟! ورأينا أعلى هرم أمني خرج في رمضان الفائت يتحدث بلهجة الأمني لا السياسي يدعوا من في الخارج للعودة ولكن ذلك لم يحرك ساكنا ولم يحدث تأثيرا ولم يستجب له أحد والسبب: كان يتكلم بعقل الملف وصورته الذهنية عند الناس.

أيها السياسي: السجن لا يحبس رجلًا  بل يحبس بيتًا بكل أهله، ومتى حبست البيوت فقد بذرت وسقيت الفتنة، تلك أم تنتظر، وزوجة منهكة، وطفل ينشأ بلا تربية، ويعتاد الفردانية والعدوان، ومراهق يبحث عن الرجولة خارج البيت!!  فهل نقول هذا استقرار؟! 

 في دول كثيرة يصبح “الملف” مصدر نفوذ وإثبات وجود ويشكل إغلاقه تهديدًا لمن يعيش عليه ويتقلد المناصب والقيمة بسببه . ولكن الدولة لا يجوز أن تستمرئ إدارتها بمنطق استمرار الملف، لأن الملف حين يكبر لا يحمي الدولة  بل ينخرها من الداخل .

أيها السياسي: إن سجن السنين ذوات العدد عقوبة مجتمع لا فرد، وشلل اجتماعي خطير، فقد يتحمل المجتمع شدّة الاقتصاد، وقد يصبر على تقلبات السياسة، لكنه لا يتحمل طويلًا أن يرى البيوت تستمر خاوية من أعمدتها ورجالها فتنبت الأحقاد.السجن الطويل في ملفات الرأي والمحاكمات السياسية لا يحبس جسدًا بل يحبس حياة كاملة! واسألوا الأسر المكلومة. بيت يفقد المعيل، وزوجة تدخل في دوامة خوف واحتياج، وأم تهرم وتشيخ  في الانتظار، وأبناء يتغيرون نفسيًّا واجتماعيًّا، ومع كل زيارة سجن يسقى الغضب في أجوافهم وبانتظار لحظة الانتقام! ونجوى الأهالي وقت الزيارة مليئة بالمعاني المرعبة.

أيها السياسي: أنا الناصح الصارخ . . لا أتكلم بعاطفة وخيال ولا تنظير، بل من تلك البيئة وتفاصيلها أخاطبك ، هذه حقيقة اجتماعية تنتج تكلفة مستقبلية على الدولة نفسها: كرة الثلج تكبر ومشاكل الأسر تتعقد ، وتتصدع ثقة المواطن، وينشأ فراغ تربوي خطير، وإسرار الحديث في المجالس أصبح ذا فحيح!

أيها السياسي: إن كانت الذهنية الأمنية المتشددة تقول: نمنع الفتنة بهذه المدد الطويلة ونشد في قبضتنا، فإن التجارب والخبرة تقول: الفتنة تولد من القهر من حين يشعر الإنسان باللاقيمة؛ من اليأس، من الشعور المزمن بانعدام الأفق، بفقدان ما يخسره السجين وذووه! فكلما طال الملف وتعقد، زادت احتمالات آثار الألم الانشطارية والغضب غير محسوب العواقب وانعدام الثقة بكل شيء.

وحين تنتقل المعاناة من أفراد معدودين إلى وعي جمعي وقضية عامة، تصبح المعالجة أصعب لأنك لم تعد تعالج ملفًا بل تعالج شعورًا عامًّا بأن الدولة خصم .. الدولة تنتقم! الدولة بلا عدالة! لذا نقول: الأمن والاستقرار لا يُبنى بالخوف أو تكديس السجون بالمواطنين، بل بالثقة والنقاش والحوار.

أيها السياسي: وفي ظل الاضطراب المرعب هذه الأيام في المنطقة، فإن العقل السياسي الذكي يقول:  الداخل أولًا. فمنطقتنا على فوهة بركان، وأي دولة حصيفة تدرك أن تماسك الداخل هو جيش الدفاع الذي لا يقهر ، وليس من الحكمة أن تستنزف الجبهة الداخلية بملف يتمدد لا يتقلص!!

أيها السياسي: إن سجن السنين ذوات العدد عقوبة مجتمع لا فرد، وشلل اجتماعي خطير، فقد يتحمل المجتمع شدّة الاقتصاد، وقد يصبر على تقلبات السياسة، لكنه لا يتحمل طويلًا أن يرى البيوت تستمر خاوية من أعمدتها ورجالها فتنبت الأحقاد.السجن الطويل في ملفات الرأي والمحاكمات السياسية لا يحبس جسدًا بل يحبس حياة كاملة! واسألوا الأسر المكلومة. بيت يفقد المعيل، وزوجة تدخل في دوامة خوف واحتياج، وأم تهرم وتشيخ  في الانتظار، وأبناء يتغيرون نفسيًّا واجتماعيًّا، ومع كل زيارة سجن يسقى الغضب في أجوافهم وبانتظار لحظة الانتقام! ونجوى الأهالي وقت الزيارة مليئة بالمعاني المرعبة.

  بينما التحديات الخارجية تتغير بسرعة؛ اقتراب حرب وتهديد يتعاظم يوميًّا بتشكيل حلف صهيوني ضد محور السنة والشيعة جميعا!! بل وصرح زعيم الكيان الصهيوني أن مصدر البلاء دول الشرق الأوسط! ولم يخف نواياه التوسعية والهجومية!! 

وفي هذه اللحظة الحاسمة أقول وأصرخ فيمن يملك قرار ملف المسجونين: إنها ساعة الصفر لإعلان أضخم قرار لتبييض السجون من كل من لم يقترف دمًا حرامًا وحقًّا خاصا. فما يسمى بالعفو هنا ليس مسألة رحمة فقط، بل سياسة ذكية تجمع المجتمع في لحظة تحتاج فيها الدولة لكل قلب معها!

إن الشريعة والمروءة والعروبة والشهامة ونحن أهلها تحتم علينا وتعلمنا أن العفو شجاعة الأقوياء، وأن الانتقام ضعف وعجز، وفي السياسة الحكيمة العفو يقطع سلسلة الأذى ويمنع انتقال الانتقام للأجيال، وإنه أعظم تسويق إداري وسياسي للمملكة لو اتخذت هذا القرار وقلبت صفحة جديدة مشرقة.

 ولإن كان الهدف من العقوبة حماية المجتمع فمتى تحولت العقوبة إلى تفكيك المجتمع وجب وقفها لا تماديها، خصوصًا ونحن نرى هذه الأيام إيقافًا لقرارات اقتصادية باهظة بكل صراحة وجرأة، ومعالجة الإنسان أولى.

إن الدولة القوية لا تخاف من المصالحة الوطنية، وما تشمله من تفاصيل كالعفو والإفراج، الدولة الذكية تخاف أن تخسر شعبها بصمت.

ياصاحب القرار في المملكة العربية السعودية ….  قرار واحد… تحت أي مسمى وبأي صورة يصدر… إنا لا نتمنى هدر كرامة أحد، ولا مسرحيات إعلامية، ولا سحق مستقبل أو كسر عظام … ندعو لقرار واحد يطوي الماضي، ويصنع الترابط، وينزع فتيل الغضب والأحقاد والشتات،  عفو شامل و تبييض سجون، أو إنهاء محكوميات أو مراجعة شاملة بجدول زمني واضح سمُّوه ما شئتم …فالمقصد النتيجة. 

المهم أن تفتح الأبواب وأن يعود الناس لعوائلهم ويغلق هذا الملف البئيس الماحق بصمت لبركة البلاد الموغر لصدور العباد. فالعفو ليس نهاية هيبة الدولة بل بداية هيبتها الحقيقية: هيبة العدل والقدرة على تصحيح المسار.

أيها السياسي ياصاحب القرار:  اختبروا شجاعتكم لا صبر الناس. افتحوا الباب فورًا،  فكل يوم تأخير يربح فيه عقل الملف الأمني نقطة ويخسر الوطن العزيز نقاطًا!

وإغلاق هذا الملف اليوم هو أقصر طريقٍ لتعزيز الثقة، وتقوية اللحمة، وحماية الوطن من كلفة الغد وتربص العدو، متبوعًا كل ذلك بمصالحة شاملة وتصفير خصومات، كل ذلك بوابة لمستقبل مشرق، يخرج فيه السجين ويعود الغائب المهاجر ويحاور المعارض الصادق ويبنى الوطن.