بصدور الأمر الملكي في المملكة العربية السعودية بتعيين الشيخ صالح بن عواد المغامسي، إمامًا وخطيبًا في المسجد النبوي، تكون الحكومة السعودية قد ضربت أكثر من عصفور بحجر واحد.
المغامسي، هو واحد من ذلك الجيل الذي اشتهر في تسعينات القرن الماضي، كواعظ يُعنى بمجال الرقائق، وعلم التفسير، وعرفه هذا الجيل بكثرة بكائياته في مواعظه تلك التي كانت تمنحه شعبية كبيرة بين الشباب الذي لم يكن قد وضع شيخه المتنسك أمام اختبار السياسة القاسي بعد!
في ساعة الرخاء كانت الدعوة يسيرة على كل مريد آخرة أو دنيا، فما أيسر أن تعظ الناس في مناخ تشجع الدولة على وجود هذا النوع من الخطاب الديني، ذاك الذي لا يُكلفها شيئًا، ولا يضغط عليها في ملفات السياسة والاقتصاد وإقامة العدل وغير ذلك، فلا حديث عن ولاء وبراء، ولا وجوب نصرة المستضعفين، ولا إقامة شريعة الله في كل صغيرة وكبيرة، ولا منع الربا والفساد، ولا عن ضرورة وجود رقابة من أهل الشريعة على نظام الحكم!
ولا أسهل من أن تلقي موعظتك، وتمضي إلى دنياك غير متأهب لدفع الثمن الذي دفعه الأنبياء والعلماء الربانيون والدعاة المصلحون منذ بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين!
وحدها ساعة العسرة، وحدها لحظة الاختبار والامتحان في الدين هي التي تميز المخلص من المتصنع، والداعية من التاجر.جاء زمن التمحيص والفتنة، فمضى رموز وعماليق إلى السجون رافضين أن يبيعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، وردوا كل «وسيط» يلمح لهم أو يصرح بأن النجاة قبل «الهلاك» في بضع كلمات، في مواقف تضعهم في خانة المساندين لرؤية الترفيه، رؤية التطبيع، رؤية التغريب، رؤية التبعية، رؤية ٢٠٣٠!
بعض العلماء – فيما بلغنا – تكرر عليه الطلب، تصريحًا وتلميحًا، وعدًا ووعيدًا، والبعض خفَّ إذ سمع داعي النفاق والتزلف والتدليس، فهرول مسرعًا إلى قصره بل أحيانًا إلى قصره الجديد، المكافأة.
خلنا من هذا كله، ولنذهب لصاحبنا المغامسي، وتعيينه، وتوقيت تعيينه، ومرادات النظام من تعيينه إمامًا وخطيبًا للمسجد النبوي الشريف. فالشيخ لم يكن بعيدًا عن هذه المكانة الرفيعة كثيرًا، فقد سبق أن كان إمامًا وخطيبًا لمسجد قباء، قبل أن يُعزل عن إمامته قبل ست سنوات بسبب تغريدة، شذت عن مسار تمجيده لحكام السعودية، والتماس كل عذر لهم، وإشادته الدائمة بحكمتهم ورفعهم لواء التوحيد!
في ساعة الرخاء كانت الدعوة يسيرة على كل مريد آخرة أو دنيا، فما أيسر أن تعظ الناس في مناخ تشجع الدولة على وجود هذا النوع من الخطاب الديني، ذاك الذي لا يُكلفها شيئًا، ولا يضغط عليها في ملفات السياسة والاقتصاد وإقامة العدل وغير ذلك، فلا حديث عن ولاء وبراء، ولا وجوب نصرة المستضعفين، ولا إقامة شريعة الله في كل صغيرة وكبيرة، ولا منع الربا والفساد، ولا عن ضرورة وجود رقابة من أهل الشريعة على نظام الحكم!
تحدث المغامسي في تغريدته بكل تأدب مع القيادة، واحتياط، عن التماسه شمول العفو الملكي لسجناء الرأي من العلماء وغيرهم، وسرعان ما تراجع عن ذلك بعد نشرها بساعات تحت تنبيه أو ضغط أو مراجعة! فقال يومها (٢٨ مارس ٢٠٢٠) محاولًا التبرؤ من عمل الخير هذا الذي قام به: “بعد تأمل وجدت أنني لم أوفق في تغريدتي والتي قصدتُ بها العفو عن مساجين الحق العام في المخالفات البسيطة، كما جرت عليه عادة القيادة المباركة في رمضان، أمّا أصحاب المخالفات الجسيمة فمردّه لما يقرره الشرع بحقهم، وعن سييء النية الذي حاول استغلالها ضد وطني فأقول: لن يزيدكم خبثكم إلا خسارًا”!
لكن كان السيف قد سبق العزل، وتم العزل، بعد أن أَطلقت أبواق مدخلية لتصيد في الماء العكر، كما كتب سليمان الرحيلي أحد تلك الأبواق لامزًا المغامسي قائلًا: “مما يميز أهل السنة ويفضح أهل الأهواء والبدع: *السمع والطاعة لولاة الأمور في غير معصية الله * حفظ هيبة ولاة الأمور * توقير ولاة الأمور * نصح ولاة الأمور بما يليق بمقامهم سرًّا * عدم التأليب الصريح على ولاة الأمور ولا الخفي بتوجيه النداءات العامة لهم على المنابر وفي الوسائل العامة”، ليتم مكافأة الرحيلي في اليوم نفسه بتعيينه خلفًا للمغامسي!
واصل المغامسي دوره في تمجيد الحكام والدفاع عن سياساتهم متى سنحت له الفرصة، فأعادته السلطة إلى كنفها، وحظي بتكريم ومكافأة بتعيينه مؤخرًا إمامًا وخطيبًا لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحدها ساعة العسرة، وحدها لحظة الاختبار والامتحان في الدين هي التي تميز المخلص من المتصنع، والداعية من التاجر.جاء زمن التمحيص والفتنة، فمضى رموز وعماليق إلى السجون رافضين أن يبيعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، وردوا كل «وسيط» يلمح لهم أو يصرح بأن النجاة قبل «الهلاك» في بضع كلمات، في مواقف تضعهم في خانة المساندين لرؤية الترفيه، رؤية التطبيع، رؤية التغريب، رؤية التبعية، رؤية ٢٠٣٠!
والثابت أن السلطة السعودية في حاجة فعلية لجهود المغامسي، وهي قد اختارته في توقيت مهم لتعويض نزيف سريع في مكانة أصحاب الحظوة من مشايخها الذين احترق كثير منهم لدرجة أخلت بقيمة هؤلاء لمستوى جعل كثيرًا من الشباب يدير ظهره لكل هذه المنظومة الدينية، ويُعيد البحث عن تراث العلماء الباقين على عهدهم، الغائبين خلف القضبان.
وفي توقيت، شعرت فيه السلطة أن شرعيتها «الدينية» تتآكل بوتيرة متسارعة، لا تمكنها من ممارسة سياسة أكثر انفتاحًا على قوى إقليمية يرفضها الشعب السعودي كـ«إسرائيل»، وفي اتخاذ خطوات لم يعد يقبلها الشعب السعودي الذي بدا عازفًا عن الاسترسال في التماهي مع سكرة الانبهار الأولى بالتغيير والترفيه، لاسيما مع تراجع الوضع الاقتصادي، وفشل المشاريع التي تأسست عليها رؤية ٢٠٣٠ التي حاولت إزاحة «شرعية الدين» لحساب «شرعية الحداثة والتطور والإنجازات».
أمثال الفوزان من الحرس القديم، والمغامسي والقرني من «جيل الصحوة» ربما كان ما يحتاجه النظام اليوم. فمع وجود جيش من «المطبلين» والمطايا المدخلية، تبدو الحاجة ملحة لوجود شخصيات وازنة، رغم تمجيدها للسلطة إلا أنها لم تحترق احتراقًا كاملًا لدى الشعب السعودي، وليست موضع تندر وسخرية من قبله.
ولهؤلاء أدوار مستقبلية يحتاجها القصر، منها تغيير مفاهيم رسخت لمدة طويلة في أذهان السعوديين، وظلت ساكنة في عقلهم الجمعي، ومن بينها النظرة لـ«التعدد المذهبي» و«الثقافي»، فمنذ سنوات خطا النظام خطوة في اتجاه توسيع دائرة الإفتاء لتشمل كافة المذاهب السنية، وفي الطريق يبدو التمهيد حاصلًا بقبول «الاختلاف» و«التنوع» في المجتمع السعودي.
المغامسي يمكنه تحقيق ذلك، وهو الذي صدم أهل العلم من قبله بحديثه عن أن «الإسماعيلية» يتفقون مع السنة في مشتركات كثيرة، منها القرآن والقبلة وعبادة الله وحده والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، وفتح الباب على مصراعيه للتنوع بإقراره بحبه للمذهب الإباضي، وقبوله للشيعة بكلمات دبلوماسية!
هذا الحديث عن «التنوع» و«قبول الآخر»، هو عين ما يريده القصر حين يوسع يومًا ما دائرة «الآخر». هو يريد كذلك «شرعية منضبطة» من أمثال المغامسي، ولا يريد بالضرورة في كل حين «شرعية مدخلية مبتذلة»، يريد هذا وذاك، كل لوظيفته، ولهذا لم يكن التعيين مفاجأة!