الطريق من مكة إلى بيت المقدس

في الأيام القليلة الماضية صرح السفير الأمريكي بأن كثيرًا من المناطق الي تقوم عليها دول عربية كثيرة اليوم لو سيطرت عليها إسرائيل لكان هذا أمرا مقبولاً.وقد حظي هذا التصريح برد من الخارجية السعودية وصف بأنه شديد اللهجة، وقبله كانت تصريحات متعددة لمسؤولين إسرائيليين تمس السيادة لكثير من الدول العربية وتصرح بالأطماع الصهيونية على أنقاضها، والعرب في غيهم سادرون!

إن التهديد الصهيوني والعداوة اليهودية لمادة الإسلام وأصله وهم العرب، حقيقة قرآنية بينها الله لنا منذ بزوغ فجر الإسلام، وكتب فيها العديد من مثقفي الأمة ومفكريها من الإسلاميين وغيرهم، ولم يخفت صوت التحذير منها على منابر الجمعة إلا في الأيام الأخيرة. وليس هذا الشأن، بل الخطر الأعظم، والشر الأحكم: ما أصاب حكام المسلمين وولاتهم من عمالة لليهود، ومهادنة لهم، يتلمسون عندهم مصالح كراسيهم، ويظنون أنهم بعمالتهم لليهود يخوضون غمار السياسة، ويناورون في دهاليزها، وهم يدمرون أنفسهم وأممهم، ويضحكون صبيان اليهود عليهم وعلى مآثرهم!

مر الصراع العربي الإسرائيلي منذ بدأ بكثير من العملاء من العرب عامة والفلسطينيين خاصة الذين لعنهم التاريخ، وأطبقت الأمة على احتقارهم، ولكنهم مع عمالتهم، كانوا يناورون اليهود، ولا يقطعون حبال المقاومة لهم، ولا ينساقون في القضاء على مشاعر عداوتهم وحربهم، لأنهم يستفيدون منها كما يستفيدون من اليهود، فهم كما قيل: يلعبون على الحبلين.

أما عملاء اليهود اليوم فهم أشد عمالة وأكثر مسارعة في رضى أسيادهم، وأعظم تضحية بمصالح أنفسهم لأجل خدمة اليهود، مخلصون في حرب من يجاهد اليهود وحصاره وتجريمه، متفننون في إيقاف كل منشط ضد اليهود، وإطفاء كل جذوة لمعاداتهم، بطريقة لم يحلم بها الإسرائيليون أنفسهم.

ولو كان في جيش المسلمين من يعمي عنهم أنباء جيش الكفار المحاربين، ويضلل بصائرهم عن مواطئ عدوهم، لأطبقت كلمة كل مسلم بل كل ذي عقل على اعتباره عميلًا خائنا لله ورسوله وللمسلمين، فكيف بمن يعمي عن المسلمين عداوة عدوهم من أصلها؟! ويشغلهم بأعداء مخترعين من أنفسهم، ليجعل همتهم في تحاربهم وترك حرب اليهود؟ أي خيانة لله وللرسول وللأمة الإسلامية وللعرب أعظم من ذلك؟!

ثلة من أهل الصف الأول في مواجهة اليهود في غزة المحاصرة فعلوا باليهود الأفاعيل، على ضعف إمكاناتهم وقلة حيلتهم وهوانهم على الناس، فأسلمهم حكام المسلمين، وحاصروهم مع اليهود، ولما ارتكب الصهاينة مجازرهم بحق أطفال المسلمين ونسائهم وشيوخهم تلك المجازر التي ضج لهولها الكفار أنفسهم، لم يتحرك هؤلاء الحكام، ولم يبخلوا على المسلمين بالمال والسلاح – الذي يصرف في اللهو والترفيه والعبث والمؤمرات – فحسب بل بخلوا عليهم حتى بالكلمة والمشاعر! فلم يُسمح بالقنوت لأهل الإسلام في فرض واحد في الحرمين ولا في غيرها من المساجد، طوال سنوات يتدفق فيها الدم من أوداج صبيان أهل الإسلام، فأي عمالة لليهود وخيانة للإسلام فوق ذلك؟!

أما عملاء اليهود اليوم فهم أشد عمالة وأكثر مسارعة في رضى أسيادهم، وأعظم تضحية بمصالح أنفسهم لأجل خدمة اليهود، مخلصون في حرب من يجاهد اليهود وحصاره وتجريمه، متفننون في إيقاف كل منشط ضد اليهود، وإطفاء كل جذوة لمعاداتهم، بطريقة لم يحلم بها الإسرائيليون أنفسهم.

وإن تلك العداوة والخيانة لا تضيع حق المسلمين فحسب، بل تضيع حق هؤلاء العملاء، وتهددهم وتمس مصالحهم لو كانوا يفقهون! فلن يعطيهم اليهود جائزة مكافحة معاداة السامية، بل سيلفظونهم على قارعة الطريق، وسوف يقيمون أطماعهم التوسعية على أنقاض كراسي العملاء إن لم يستفيقوا.

إن الطريق من بيت الله الحرام إلى شقيقه المأسور بيت المقدس طريق متصل من نور، طريق الإسلام والتوحيد، طريق نبي الله الخليل إبراهيم وابنيه إسماعيل وإسحاق، أمانة منهم بيد محمد صلى الله عليه وسلم، وأتباع محمد إلى يوم القيامة، مهما مُلئ بالأصنام والخيانات والفتن ومهما دقت المسامير في هذا الطريق .. فلا بد لهذا الظلام أن يمحى على يد أتباع الماحي الذي محى الله به الكفر، ولو كره الكافرون والمنافقون.