بوصلة السياسة الخارجية السعودية (٢/١)

منذ وفاة الملك عبد الله وتولي الملك سلمان زمام اﻷمور؛ كان واضحًا أن العهد الجديد يريد تغيير الصورة النمطية التي ترسخت عن السعودية في أواخر عهد الملك عبد الله.

تلك الصورة التي توحي بأن السعودية دولة غنية لكنها مترهلة، بطيئة في اتخاذ القرار، وليست ذات استراتيجية فاعلة في علاقاتها الخارجية.ولذلك كان من أوَّل ما بدأ به العهدُ الجديد الحربَ في اليمن، وسمَّاها عاصفة الحزم.

وأعقب ذلك تصرفات كثيرة في محاولة لترسيخ (الحزم والقوة) صورة نمطية في اﻷذهان، مثل: سحب الطلاب السعوديين من كندا بسبب تغريدة من وزيرة الخارجية الكندية، والخلاف الدبلوماسي مع ألمانيا، ثم اﻷزمة الخليجية ومقاطعة قطر.

وما سبق ذلك أو تلاه من تدخلات غير رشيدة في حمى الدول القريبة؛ كالتدخل المتهور في الملف اللبناني وإجبار سعد الحريري على الاستقالة! وكابتزاز باكستان عمران خان لإجبارها على الخروج من التحالف الذي دعا له مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي واستجابت له تركيا وباكستان، وكالدعم الواضح لإسقاط نظام عمر البشير.

ومن ذلك: التدخل في العرش اﻷردني فيما يُعرف بقضية الفتنة؛ وقد تم على إثرها تسوية اﻷزمة مع السعودية والاكتفاء باتهام باسم عوض الله – المقرب من ولي العهد محمد بن سلمان ومستشاره- والشريف حسن بن زيد بالتآمر ضد النظام الحاكم في اﻷردن .

ومن ذلك أيضًا: الخلاف مع المغرب؛ إلى الحدِّ الذي جعل السعودية تناكف المغرب بتصويتها للملف اﻷمريكي في استضافة كأس العالم 2026م على حساب الملف المغربي، وهذه القضية وإن كانت ليست ذات بُعد سياسي كبير إلا إنها تشي بعقلية من يديرون السياسة في تلك الفترة، كتب المستشار بالديوان الملكي السعودي، تركي آل الشيخ حينها تغريدة -على تويتر سابقًا، إكس حاليًّا – يقول فيها: “لم يطلب أحد أن ندعمه في ملف 2026، وفي حال طُلب منا سنبحث عن مصلحة المملكة العربية السعودية، واللون الرمادي لم يعد مقبولاً لدينا”! ويقول أيضًا في حوار له مع شبكة بلومبيرغ: “إن قرار دعم أمريكا، يرجع بالأساس إلى ترجيح مصالح السعودية، على أي اعتبارات أخرى”.

إن من أحد اﻷسباب الداعية لتلك التصرفات: محاولة ترسيخ صورة جديدة عن السعودية؛ صورة تُشعر بالحزم والقوة، ومن ثم فإن على دول الإقليم الرضوخ للمطالب والمصالح السعودية.

واليوم ونحن ننظر إلى ذلك الماضي القريب، نجد أن الصورة التي ترسخت صورة عكسية، فالعهد الجديد لم يستطع أن يرسم بتلك السياسات صورة القوة والحزم والتفوق الاستراتيجي، بل العكس تمامًا. فإن ما ترسخ بعد تلك الأحداث هو صورة الطيش والاندفاع وضيق اﻷفق السياسي.

ومما زاد ذلك في اﻷذهان: ما قام به الحوثيون من قصف للمطارات ومصافي النفط وبعض المواقع الحيوية في السعودية من دون رد حقيقي على أرض الميدان، إلى أن جاء (الإذلال الكبير) في سبتمبر 2019، المتمثل بضرب طائرات مسيرة لمعامل تكرير النفط في بقيق وخريص والتي تعد أكبر المعامل في العالم.

لم يعقب ذلك الإذلال أيُّ رد مكافئ من العهد الجديد، وظهرت هشاشة الحماية اﻷمريكية حتى مع وجود تلك العلاقة الحميمية في ظل رئاسة ترامب، بل رأينا كيف تم استجداء أميركا في إبقاء صواريخ باتريوت من أجل الجماية!

واليوم ونحن ننظر إلى ذلك الماضي القريب، نجد أن الصورة التي ترسخت صورة عكسية، فالعهد الجديد لم يستطع أن يرسم بتلك السياسات صورة القوة والحزم والتفوق الاستراتيجي، بل العكس تمامًا. فإن ما ترسخ بعد تلك الأحداث هو صورة الطيش والاندفاع وضيق اﻷفق السياسي.

بعد ذلك (الإذلال) والانكشاف اﻷمني وتخفف أمريكا من التزاماتها الدفاعية في المنطقة إضافة إلى حادثة قتل جمال خاشقجي وتداعياتها؛ بدأت المراجعة للسياسة الخارجية السعودية، وتمت هيكلة عدد من القطاعات الحكومية ذات الصلة، وأُوكلت بعض الملفات المهمة لرجالات الدولة، وتَحجَّم الطيش والرهق السياسي، وصرنا نرى تغيرًا ملحوظًا في السياسة الخارجية، كان أول تمثلاته: المصالحة الخليجية واتفاق العلا في يناير 2021.

وبالرغم من مسار التصحيح الذي بدأ في تلك الفترة، إلا إنه ثمة معوقات حقيقية أعاقت الفاعلية السياسية الخارجية للسعودية، سنتناولها في المقال القادم بإذن الله.