موقف السعودية من الدين والعلمانية

قل أن يجتمع التدين وأهواء الملوك، فإن من طبيعة الملك الاستئثار بأمر الدنيا، وهذا يقود إلى أكل حقوق، ومنع حقوق، وتبديد حقوق أو الإسراف فيها.

وطبيعته تساعد على الاستبداد، ولو لم يكن إلا توريث الحكم لغير الأصلح فحسبك بها من مفسدة، فهذا لو فرض صالحًا لأن يتسنم الذروة ويقود الأمة، لما كان أهلًا لأن يسابق بها وينافس الأمم ويناضل. وفي يسير الأمور ودقيقها تنافس الدول بأفضل من تجد فيها، بل قد تستجلب لذلك وتوطن من ينفعها.

تصور لو أن فريق كرة قدم جعل منصب (الكبتن) وراثيًّا ولا يُسأل عن نتائج لعبه ولا يحاسب هل تأمل منه نجاحًا! هل يمكن لمثل فريق هذا أن يلعب في غير أندية الدرجة الثالثة.. وكذلك الأمر في دول العالم الثالث!

من يقود أمة لابد أن يكون أصلحها وأخبرها إن رمنا حقًّا تقدمها، أو على الأقل من يمثلها تمثيلًا ينسجم مع رغبتها وإرادتها.

وهذا يتنافى مع النظم الوراثية الجبرية.

يذكر عن أحد الملوك أنه لما رأى على ابنه مظاهر التدين قال له: “تبغى تسوي لي مطوع”!يريد تهديده بأن هذا لا يكون!

لا يجتمع مع الملك الذي يقدم الأهواء والرغبات الأسرية على ما يجب أو ينبغي أن يكون!

قل أن يجتمع التدين وأهواء الملوك، فإن من طبيعة الملك الاستئثار بأمر الدنيا، وهذا يقود إلى أكل حقوق، ومنع حقوق، وتبديد حقوق أو الإسراف فيها.

والملك أنواع فمنه ملك رحمة يتلطف في سياسة الناس، ويتَّسع حلم من في سدته لنقده بالحق، ويحاول أن يداري وألا يظلم، ويسدد في الوفاء بالحقوق وترك المظالم ويقارب، وهذا لا تكاد تجد له في تاريخ الإسلام بل البشرية أمثلة إلا قليلًا، يحتمل أن يقال قامت بالفرض، وخالفت شيئًا من الأولى، وتركت شيئًا مما ينبغي، والله يعفو عنها.

ومنه ملك جبري يسوق الناس إلى ما يريد بعنف! وهذا لابد أن يصادم التدين، وهذا هو غالب حال الملوك المتأخرين.

ومن تأمل في واقعنا، ونظر في حال من بات يعرف بمعتقلي الرأي، عرف ذلك، فهل تجد فيهم مفسدي الفضائيات ووسائل الإعلام والرأي العام؟!

أدر بصرك في “سجن الحاير” أو “ذهبان”، وغيرهما وانظر من سُجن فيهما من الفضلاء وبأي جريرة دخلوها، هل تجد سوى النصح، والأمر بما فيه الصلاح قطعًا أو باجتهاد راجح أو مرجوح؟!

تأمل ما جريرة الشيخ العلوان؟ وما ذنب أعلام الدعاة كسفر أو سلمان أو ناصر العمر أو عوض القرني أو الطريفي أو إبراهيم السكران أو عمر المقبل ، آل طالب، الأحمد، أو غيرهم من المشايخ الذين لهم في الدعوة والإرشاد والتوجيه والفكر مواقف صدق وسوابق خير؟!

وما ذنب مصلحين آخرين وناصحين حادبين كالحضيف، والعمري، سعود الهاشمي، موسى القرني، الحامد، وعامة معتقلي حسم، ومن لا يحصيهم العد! من مات منهم ومن بقي!

ما ذنب رواد أعمال وشباب واعد من نحو عصام الزامل! أو صحفيين من نحو الشيحي والجاسر!

سعود مختار الهاشمي كان دكتورًا في كلية الطب بجدة، غامر بحياته لكي يعالج المرضى في العراق بعد سقوط صدام، وكان الوضع الأمني هناك في أسوأ أحواله، وجمع التبرعات علنيا في التلفزيون السعودي، ولديه خطاب بالجمع من الأمير نايف، وهو من أهل البيت الشريف، وآل المختار في كثير من الدول، وكل ذلك لم يشفع له في شيء!

وقارن هؤلاء بمن يطعنون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويهزؤون بسنته! قارنهم بمن يفسدون في البلاد، بما يبثونه على صفحات إعلامنا الرسمي وشبه الرسمي! قارنه بما تمارسه هيئة الترفيه من الإفساد المنظم، أو تنظيم الفساد! وبعد ذلك يسجن من ينتقد ذلك، وتطلق أيدي أولئك السفهاء بل تمول الدولة من أموال المواطنين إفسادهم!

هل تظن الدولة المسلمة هي التي تأذن في الصلاة والصيام والحج، وفقط؟!

أدر بصرك في “سجن الحاير” أو “ذهبان”، وغيرهما وانظر من سُجن فيهما من الفضلاء وبأي جريرة دخلوها، هل تجد سوى النصح، والأمر بما فيه الصلاح قطعًا أو باجتهاد راجح أو مرجوح؟!

ما فرق هذه عن أية دولة علمانية؟

تركيا بلد علماني، ويحتفون بالصلاة، والصيام، وفوق ذلك أمر الزكاة وجمع الأموال لأعمال البر، ونشاط الجمعيات الخيرية فيها وحدود حريتها لا يقارن ببلدنا، فما الذي جعل تركيا علمانية وحكومتنا رشيدة إسلامية؟!

هل تحكم دولتنا شرع الله فتوالي في الله وتعادي في الله وتنصر المسلمين المستضعفين في أرض الله؟

هل تحكم بشرع الله في الاقتصاد ومعايش الناس؟هل السندات التي تصدرها تقرها الشريعة؟ أليست البنوك الربوية تؤذننا كغيرنا بحرب من الله عز وجل؟ وماذا يعيث ما يسمى بصندوق الاستثمار السيادي؟ وأين شرع الله وحكمه من مليارات تبدد في أمريكا والغرب؟!

هل تحكم حكومتنا بشرع الله في من تسجن وتحارب؟بل هل تقيم الحدود؟

هل تعلم فيها حدًّا يعلن ويقام؟ ما هناك إلا قطع الرقاب! لا على كفر أو ردة أو طعن في النبي صلى الله عليه وسلم وشريعته أوترك للفرائض! بل كثير منه على غير هدى، لمن يعارضون السياسة معارضة إما مشروعة، أو محرمة لا يبلغ أن يستحق بها المعارض القتل.. تحت ستار محاربة الإرهاب!

تركيا بلد علماني، ويحتفون بالصلاة، والصيام، وفوق ذلك أمر الزكاة وجمع الأموال لأعمال البر، ونشاط الجمعيات الخيرية فيها وحدود حريتها لا يقارن ببلدنا، فما الذي جعل تركيا علمانية وحكومتنا رشيدة إسلامية؟!

أما القصاص في القتل، أو قتل القاتل فهذا مما يعمل به في الصين وفيتنام وأمريكا واليابان، فهل يجعلها ذلك دولًا إسلامية!

نعم الشعب عندنا مسلم فاضل والكلام ليس عن السعودية كبلاد أو مفهوم جغرافي، بل كدولة؛ نظام سياسي وقانوني.

ما فضل سياستها على سياسة أي دولة علمانية ديمقراطية حقًّا؟

بل هي سياسة استبدادية شمولية شٌّر من كثير من الديمقراطيات.

وأما استعمال الدين في تسويغ المظالم والأحكام الجائرة والتسويغ للحاكم ومنع محاسبته فهذا مما يبعدها عنه لا مما يقربها إليه.

لكن يوجد فرق واحد مؤثر في تقديري، وهو أن في السعودية أنظمة تمنع مخالفة الشرع نظريًّا، والدولة تدَّعي تحكميه كما في النظام الأساسي للحكم، لكنها دعوى تخالفها حال الدولة ولا تتفق معها، تشبه الدول النصرانية التي تنص دساتيرها على أن دين الدولة هو كذا، وواقعها أنها علمانية، كالمملكة المتحدة ينص دستورها على ديانتها بل وعلى مذهبها، وعلى أن الملك حامي الإيمان، وذلك أبلغ من خادم البقاع المقدسة! بل تنص على أن الملك هو الحاكم الأعلى للكنيسة، ثم هو يعين عددًا من الأساقفة في مجلس اللوردات (البرلمان) بحكم مناصبهم الدينية، وقريبًا من ذلك شأن النرويج، وموناكو، واليونان، وكلها مع النصوص الدستورية على دينها بل ومذهبها لا يجادل عاقل في أنها دول ٌعلمانيةٌ ممارسةً وسياسةً وأنظمة!

والكنيسة قد تجامع العلمانية، على قاعدة دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر، فالنص بعد ذلك وعدمه على دين الدولة لا كبير أثر له في جعل ما لقيصر لقيصر وما للناس للناس!

وكذلك يراد للسعودية أن تكون، وباسم السلفية مع الأسف!

فالسلفية يراد لها أن تكون عقيدتها: إن حكم ولي الأمر بما يريد، وفعل ما يشاء، فلا يعزل، ولا يجوز الخروج عليه في كل الأحوال، ولا يعترض عليه أو ينكر بحيث يحمل على المعروف، ويؤطر على الحق، ويقوّم وينكر عليه حتى يستقيم، وما خالف شرع الله فهو سياسته التي لا يعلمها العلماء ويعلمها الولاة! فهي شأنهم لا شأننا، وهذه علمانية أبلغ من علمانية المملكة المتحدة، تمرر تحت ستار السلفية!

ولكنه يستخفى بها، وتلون وتزبرق في قوالب شرعية، فإذا اجتمع ذلك إلى نصوص من النظام الأساسي، وأنظمة أخرى، فقد يمنع أو يقيد تنزيل أحكام على الدولة، من جهة، ولكنه مما يجعل الحجة عليها أبلغ، وحالها أشرَّ من جهة أخرى، كشأن المنافق لا تستطيع أن تخرجه بعينه من الدين، ولا أن تقيم عليه حدَّ الردة! ولكنه يوم القيامة في الدرك الأسفل من النار! يتقي بدين لا يعمل به ولا يعتقد حقيقته! ويزعم أن ما يفعله هو الدين والشرع والحكمة!

أسأل الله أن يولي على المسلمين خيارهم ومن يصلحون، وأن ينزع الولاية من شرارهم ومن يفسدون.