إشارات «الإمارات التي في قلوبنا»!

منذ مدة طويلة لم يُثر مقال نشر في الصحافة السعودية التي لا يكاد يطالعها سوى كتابها مثلما أثار مقال الكاتب أحمد بن عثمان التويجري، المعنون بـ«الإمارات التي في قلوبنا»، بصحيفة الجزيرة (٢٢ يناير الحالي)، والذي أحدث ضجيجًا لا يهدأ، وجدلًا لا يتوقف.

والكاتب ذو حيثية ومكانة للحكم والمجتمع، والصحيفة رسمية، والضجة قد زادها الحديث عن حذف المقال ثم إعادته، وقد كُلف بنشره كثير من مشاهير المنصات الإلكترونية، وقبلهم إعلاميون، فزادوه شهرة وانتشارا على انتشار، وجاب الصحف اليمنية، والمدونات المصرية والسعودية والقطرية. أما المقال نفسه، فأكثر بكثير من أن يكون مجرد رسالة استخبارية.

المقال من طراز فريد، لا لأنه يتهم حكام الإمارات بما هم أهله فحسب! بل لأنه يعطي إشارات لتحولات في السياسة السعودية المعلنة، وما حسبنا إلا أن نقول: “أفلحوا إن صدقوا”! فهناك بون شاسع بين إشارات المقال الواضحة، والسياسة السعودية القائمة حتى كتابته، ولو كان المقال علامة على انعطافة كبيرة، فذاك ما يريده كل سعودي وعربي ومسلم، لكن للأسف لا دلائل كبيرة عن أن السياسة السعودية تتحول «جذريًّا»، وإنما كل ما هنالك حتى يوم نشر المقال هو مجرد صراع بين نظامين على سياسة عربية خارجية وليست إقليمية ولا داخلية مع القوى والمجتمع السعوديين.

إشارات التويجري مست ملفات وموضوعات شتى، فهي جاءت لترفع أصوات همهمات كان يتهامس بها السعوديون وتلمح إليها المجموعات الإلكترونية السعودية.

تقول تلك الهمهمات: إن السعودية بصدد تشجيع انقلاب في الإمارات يطيح بنظام محمد بن زايد ليحل مكانه بعض إخوته أو أقربائه! أو أن الرياض تحث الإمارات الأخرى – بخلاف إمارة أبوظبي – بالانفصال، وترك الإمارة المارقة وحيدة.

التويجري أراد التفريق بلا أدنى مواربة بين أبوظبي وسكانها من جهة، وأبو ظبي والمجتمع الإماراتي برمته من جهة ثانية، وهو لم يخطئ مرة في ذكر الإمارات في موضع الذم، وإمارة أبوظبي في معرض الذم، ولم يُخل بذلك من أول سطر في مقاله لآخره.

وهو ذكّر بدور الملك فيصل في توحيد الإمارات ليعي كل ذي لُب أن من ركّب الإمارات بوسعه أن يفكّكها، لو أراد! لامزًا هؤلاء الأمراء الذين لم يصونوا العهد والمعروف وخانوا وغدروا، وتآمروا على المملكة نفسها، فاصلًا بين هؤلاء، وأولئك الذين تعتز بهم المملكة مسميًّا بديلًا حقيقيًّا لهم، هو الشيخ سلطان القاسمي أمير الشارقة.

في هذه الفقرة: “ستظل الإمارات في قلوبنا، وسنراها دومًا في حكمة الشيخ زايد بن سلطان -رحمه الله-، وبصيرة واستقامة الشيخ سلطان القاسمي -رعاه الله-، وفي الأعمال الخيرية والأيادي البيضاء لشيوخ إمارات الشارقة ورأس الخيمة وأم القوين والفجيرة وعجمان”.

المقال من طراز فريد، لا لأنه يتهم حكام الإمارات بما هم أهله فحسب! بل لأنه يعطي إشارات لتحولات في السياسة السعودية المعلنة، وما حسبنا إلا أن نقول: “أفلحوا إن صدقوا”! فهناك بون شاسع بين إشارات المقال الواضحة، والسياسة السعودية القائمة حتى كتابته، ولو كان المقال علامة على انعطافة كبيرة، فذاك ما يريده كل سعودي وعربي ومسلم، لكن للأسف لا دلائل كبيرة عن أن السياسة السعودية تتحول «جذريًّا»، وإنما كل ما هنالك حتى يوم نشر المقال هو مجرد صراع بين نظامين على سياسة عربية خارجية وليست إقليمية ولا داخلية مع القوى والمجتمع السعوديين.

والتويجري، ذكَّر بكل جرائم أبوظبي في المنطقة، ومن خلاله مرت تلك الرسالة الواضحة أن الرياض سوف لن تعترف بحكم الميليشيات في اليمن والسودان وليبيا وكل من أنتجته آلة الفوضى الظبيانية التي تنفذ أجندة تل أبيب، وتتحالف جهارًا مع «إسرائيل» أو الكيان الصهيوني على حد تعبير التويجري الواضح تمامًا، وهو مُحق طبعًا في التوكيد على عدم مشروعية الكيان.

والأكثر جرأة في مقال التويجري هو حديثه عن تورط أبوظبي في جرائم «إسرائيل» في غزة، ودورها الاستخباري الخائن لما وصفه الكاتب بـ«المقاومة»، وحركة حماس، بما تسبب في معاناة أهل غزة، بل إنه ذكر حماس صراحة في جملة من تعرضوا لمؤامرات أبوظبي الشاملة في المنطقة لتفكيك الدول العربية، ثم تصريحه الواضح بأن أبوظبي تحاول مصادرة السيادة المصرية ووضعها تحت وصايتها عبر تقييدها بالديون والاستحواذ على الأصول والأراضي.

كلام التويجري لا يختلف عليه اثنان، سواء من المؤيدين التقليديين للحكم السعودي أو من معارضيه، ولا يخالف أحد في أن رسائل التويجري ما كانت لتمر إلا بموافقة القصر السعودي، كيف، وأقل مما قاله التويجري قد زج بأصحابه خلف قضبان السجون في السعودية، لمجرد أن أصحابه لم يمرروه من تحت عين الرقيب السعودي!

فما دام أن كلمات التويجري النارية قد مرت من أمام أعين الاستخبارات السعودية، فكل ما فيها مقبول للقيادة السعودية، وهذا يجعلنا نتساءل:

متى كان كل هذا الوعي بمؤامرات أبوظبي، ومعظمها مرَّ من أمام عين حكام السعودية، وهم قد شاركوا بوعي أو بدون وعي في نجاح الإمارة المارقة في تنفيذ مخططاتها، برخاوة الرياض وضعفها، وموقفها الملتبس في اليمن والسودان وليبيا والصومال خلال سنوات طويلة تفوق عشر سنوات في بلدان كاليمن والصومال، وتقل عن ذلك في ليبيا والسودان؟!

ولماذا صمتت وأبوظبي تمزق أوصال العالم العالم العربي من حولها حتى جاءتها صحوة الموت هذه بعد فوات الأوان في بعض المناطق، ووقوع المجازر والجرائم في كثير من الأماكن؟

وإذا كان القصر السعودي ينظر للإمارة كنظرة التويجري المأذونة والمسموح بها؛ فما تفسير كل هذه المشروعات التي تخترق بها «إسرائيل» والشركات والبنوك الداعمة لها للسوق السعودي، ولا تجد لها رقيبًا ولا ممانعًا؟!

وإذا كانت أبوظبي هي الحاسدة التي تستكثر على الرياض نهضتها ورؤيتها ٢٠٣٠، فلماذا تقلد الرياض تلك الإمارة في كل مظاهر الفساد التي قد عُرفت بها، وتريد للرياض وجدة والعلا وغيرها أن تحاكي دبي ومواخيرها؟!

ولماذا خضعت الرياض للإمارة المارقة في الملف الديني، حتى أنها زجت بكل الشيوخ المناهضين للإمارة المارقة، أمثال الدكاترة عوض القرني ومحمد الحضيف، خلف القضبان، لأنهم أدانوا إجرام أبوظبي وسعوا لحث الرياض على الكف عن تبعيتها لها؟

وإذا كانت رسالة التويجري صادقة في تعبيرها عن موقف حكام السعودية، فلماذا ظل موقف السعودية متخاذلًا أثناء مذبحة غزة، وترددت الأنباء – وهي صامتة – عن دورها في دعم الكيان هي الأخرى أثناء المذبحة؟!

وهل المقاومة الفلسطينية في غزة التي تمثل حماس نحو ٩٠٪ منها، هي حقًا مقاومة في عين القيادة السعودية، وهي إن لم تكن بريئة تمامًا فيما حل بأهل غزة في تقدير القيادة السعودية؛ فهي تعرضت لخيانة من الأقربين تمنحها بعض العذر فيما آلت إليه الأوضاع؟!

وإذا كان القصر السعودي ينظر للإمارة كنظرة التويجري المأذونة والمسموح بها؛ فما تفسير كل هذه المشروعات التي تخترق بها «إسرائيل» والشركات والبنوك الداعمة لها للسوق السعودي، ولا تجد لها رقيبًا ولا ممانعًا؟!

وإذا كانت الرياض صادقة في إشادتها بالعمل الخيري والإغاثي الذي كان يضطلع به الشيخ القاسمي ورفاقه قبل تقييد حركتهم، فلماذا توقفت الرياض هي الأخرى عن عملها الخيري الرائد حتى لم نعد نسمع لها رِكزًا في فاجعة غزة ومصائب السودان وفيضانات أفغانستان وباكستان وغيرها؟!

أمام الرياض شوط طويل جدًّا لتقطعه كي تصحح مسيرتها في الملفات الإقليمية، ولكي تستعيد شيئًا من هيبتها ومكانتها الدينية، وانتصارها في نزاعها مع أبوظبي حول اليمن لن يغير الصورة العامة عنها ما لم تتبعها بخطوات جذرية في الاتجاه الصحيح، وإلا فلن يفلح ألف مقال تويجري من غسل سمعتها في النكوص والتراجع الإقليمي وإفساح الطريق للاستثمار الصهيوني في أرضها، والفساد الأخلاقي والتراجع القيمي في مدنها!