ترامب..على أي أساس نتعايش (نسخة ٢٥)؟!

من فوره، بعد أن أطلق جورج دبليو بوش (الابن) سؤاله المستنكر: «لماذا يكرهوننا؟!» (في إشارة للمسلمين) في أعقاب هجوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١، أصبح السؤال محط اهتمام مراكز البحوث والدراسات وقياس الرأي العام، ومادة ثرية لحديث وسائل الإعلام وكتّاب الرأي.

وكعادتها، كانت الأغلبية الساحقة من كل هؤلاء تحاول أن تنحى باللائمة على المسلمين، ولا ضير في أن يُسمع القليل منهم الأمريكيين والعالم «الرأي الآخر»، فلأمريكا «بعض المظالم تشجع التطرف»، هكذا فحسب!

«لماذا يكرهوننا؟!» كان تساؤلًا استلهمه بوش من مقال مهم في تسعينات القرن الماضي، للمفكر البريطاني برنارد لويس، الذي آثر الإقامة والعمل الاستخباري «الاستشراقي» في الولايات المتحدة الأميركية، تساءل فيه لويس «لماذا يغضب المسلمون؟»، مجيبًا بأن ذلك عائد إلى تخلفنا وذلتنا وفقرنا – نحن المسلمين -، والذي أصابنا بمركب نقص، دعانا إلى بغض المتفوقين، وقد صار فيما بعد هذا السرد عنوانًا لفكرة تسوِّغ هروب المفكرين الغربيين من تحمُّل بلادهم لمسؤولية هذا الغضب، وتلك الكراهية.

وعندما وقعت أحداث سبتمبر لم يجد هؤلاء المفكرون صعوبة في تسويغ ما وقع وفقًا لتخريج لويس المعولب، وأولهم لويس نفسه الذي طرح سؤاله الخبيث: «أغلبية المسلمين ليسوا إرهابيين، لكن لماذا أغلبية الإرهابيين مسلمون؟!». وأي صعوبة يلقونها وصوت الغوغائية طاغٍ في الولايات المتحدة والغرب.

الموجة ارتفعت حينئذ على المسلمين، بدا بوش الابن كالثور الهائج، لكن أصواتًا كانت تخرج من الشرق، استوقفت الطرف الآخر من المنظرين الغربيين، أو لنقل عرقلته قليلًا.. مجموعة من المفكرين المسلمين المبرزين انبرت لتجيب الغرب وتسمع الولايات المتحدة ما لم تكن ترغب بسماعه: «نعم ندين قتل المدنيين في تفجيرات البرجين، لكن أنتم السبب في الحقيقة».

كتب نحو ٦٠ مفكرًا أمريكيًّا وثيقة بعنوان: «على أي أساس نتقاتل؟!»، داعين إلى التوحُّد مع واشنطن ضد «الإرهاب» بالمفهوم الأمريكي؛ فجاء الردُّ من الرياض، من خلال وثيقة مقابلة: «على أي شيء نتعايش؟!»، نشرتها مؤسسة (الإسلام اليوم) التي يرأسها المفكر الإسلامي المشهور د/ سلمان العودة، ووقعها نحو ١٥٠ شخصية لها وزنها من علماء ومفكري ووجهاء السعودية.

كانت الوثيقة، والمواقف الأخرى الرديفة الصادرة من مشاهير الدعاة والإصلاحيين والمفكرين السعوديين، بكل تنوعاتها الفكرية محط أنظار المفكرين والباحثين والكتاب في مراكز الدراسات الغربية ووسائل الإعلام الرصينة، لإدراكهم أن أبرز من وقعوا على الوثيقة كانوا شخصيات مستقلة أو شبه مستقلة عن السلطة، وأنهم يعبروون تعبيرًا دقيقًا عن قطاعات عريضة من الشعب السعودي.

تبلورت رؤية في الغرب مفادها أن المواقف الرسمية في السعودية والخليج تأخذ باعتبارها المزاج الشعبي الذي كان يمثله دعاة مشاهير، هيمنوا فيما بعد على القسم الأكبر من الطبقات المثقفة التي ارتادت وسائل التواصل الاجتماعي في مبدء نشأتها، وأن على صناع القرار في الغرب بالتبعية أن يراعوا المناخ الاجتماعي والديني في السعودية وأن يحدوا من طموحاتهم المتعددة من تلك البلاد!

كان هذا الاستقلال النسبي حماية حقيقية للقرار السعودي أمام ضغوط أمريكية ستزداد فيما بعد لحد الابتزاز المالي عالي المستوى والوتيرة، بخلاف الابتزاز السياسي والاجتماعي الآخذ في التصاعد هو أيضًا!

شخصيات بوزن العودة العالم المفكر ذي الشعبية الجارفة في السعودية، كانت تمثل أحد مظاهر القوة الناعمة للسعودية حينئذ، وهو واحد من عدة أسماء أصبح الباحثون يعيرونها اهتمامًا كبيرًا وهم يكتبون عن حاضر المنطقة ومستقبلها.

لا يعرف كثيرون أن مفكرًا شهيرًا ومؤثرًا جدًا في الولايات المتحدة والعالم، صمويل هنتنجتون، حينما كتب كتابه الأشهر (صدام الحضارات)، مدللًا فيه عن المزاجين الشعبي والرسمي في المنطقة العربية إزاء حرب الخليج، استشهد بقليل من الأقوال الجماهيرية والرسمية، في كل من السعودية والأردن، فقال:

«ففي خريف ١٩٩٠، أعلن سفر الحوالي عميد الكلية الإسلامية في مكة في شريط انتشر في السعودية أن الحرب “ليست حربًا ضد العراق، إنها حرب الغرب ضد الإسلام”، وعلى نحو مشابه كان الملك حسين يقول: إنها “حرب ضد كل العرب وكل المسلمين، وليست ضد العراق”»، لاحظ هنتنجتون أن «تحديد المسلمين للحرب بأنها “الغرب في مواجهة الإسلام” قلل من حدة العداءات في داخل العالم العربي لدرجة التلاشي، وكما عبر عن ذلك سفر الحوالي: “البعثيون العراقيون أعداؤنا لساعات قليلة، لكن روما عدونا إلى يوم القيامة”» (صمويل هنتنجتون – صراع الحضارات: ص ٤٠٤- ٤٠٥).

ومن قبل، صدّر هنتنجتون مقاله الأشهر في فورين أفيرز بعبارة الحوالي قبل أن يبني عليها فكرة كتابه فيما بعد مثلما قرر كتاب ذلك.

ما نريد قوله، بغض النظر عن قناعتنا برؤية هذا المفكر السعودي أو ذاك، أو اتفاقنا أو اختلافنا مع تصوراتهم وآرائهم، أن الغرب كان يدرك بمفكريه ومراكز بحوثه أن مواقف الدول هي – مثله هو – حصيلة عدة اعتبارات، منها ما تمثله التنوعات الفكرية داخل مجتمعاته، وكان يعلم أن لضغوطه حدودًا على الحلفاء، وأنهم لا يمكنهم أن يمضوا معه في استراتيجياته دونما اكتراث بردات الفعل الشعبية، ولهذا كان يزن مطالبه ومشاريعه بميزان أدق يأخذ بحسبانه ثقل القوى والأفكار المتأصلة في المجتمعات والشخصيات ذات الأثر والتأثير، فكان ذلك يحد من شططه بل من استخفافه بالدول العربية الحليفة له.

اليوم مم يخاف ترامب إذ أسكرته القوة والتكبر والغطرسة؟! أمن جيوش العرب أم من ذبابهم الإلكتروني الذي أنشئ بجهود أمريكية أصلًا؟!

لا نقول كان الغرب يخاف من الدعاة والعلماء والتيارات الإسلامية على نحو يوقف طموحاته ومشاريعه، أبدًا؛ فتلك مبالغة لا نقبلها، بل لم تخطر ببالنا. إنما كان يعلم أن ثمة قوى وازنة في المجتمعات العربية من الخطر تجاهلها وطرحها من الحسابات.

كانت هذه قوة رديفة للحكام العرب، رغم أنها كانت «ناصحة» أو حتى «معارضة» حتى أن بعضهم كان يبتز بها الغرب نفسه!

أولم يُسقط الغرب معظم ديون مصر عندما قايض مبارك مشاركته في «حرب تحرير الكويت» بديون غربية مستفيدًا وقتها بالزخم الشعبي الهادر المعارض للحرب في جامعات مصر؟!

واليوم، الغرب حتى لا يشتري المواقف والمبادئ بالمال، بل يرشي هذا من جيب شقيقه، ويظفر الأمريكي بالغنائم وحده! هذه القوة وهذا الوجود كان صحيًا وناجعًا ووازنًا، لكنه اليوم قد ذهب، وما ملأ فراغه شيء!

يهيج ترامب مهددًا بالتهجير تارة، وآمرًا بالاستثمار القسري تارة أخرى. وهو مطمئن تمامًا أن لا أحد يمكنه الوقوف أمامه؛ فالراغبون بموقف عربي موحد يعرفون محدودية خياراتهم كما يعرفون أبناءهم! فإذا أرادوا بناء موقف شعبي حشدوا الموظفين قهرًا بالباصات للتظاهر السخيف، وإن أرادوا معارضة لترامب سلطوا ذبابًا إلكتروني، حتى الطنين يفتقر إليه؛ فأي دركٍ أسقط العرب أنفسهم فيه، وأي أدوات قوة فاعلة قوية أهدروا سنين عمرها خلف القضبان!