بلطجة وتشبيح على غزة طال الجنائية؛

الصورة الكاملة للدوافع والمآلات وما ينتظر المنطقة

من عجائب الدنيا التي ينبغي أن تضاف إلى السبعة تمثال الحرية في بلد منذ نشأته قام على إبادة الشعوب الأصلية وقمع حرياتها وارتكاب جرائم تصنف في القانون الدولي بأنها جرائم ضد الإنسانية، بل ربما إبادة جماعية – وهي جريمة أخطر من سائر الجرائم المصنفة ضمن سابقتها بما فيها الإبادة، وهذه بالجملة أخطر الجرائم وأفظعها، فالبلد الذي ينصب تمثال الحرية يا سادة! هو نفسه الذي استمرأ واستمر في التدخل طوال تاريخه لإذلال شعوب، وفرض خيارات أجنبية عليها، ولا أظن أحدًا في حاجة إلى التذكير بهيروشيما وناجازاكي، ولا ما فعلته أمريكا في حروب الصين وفيتنام وكوريا وكمبوديا، فضلًا عن أفغانستان، والعراق، والشام. غير الحصار والتجويع والتهديد والتشريد الذي مارسته وتمارسه وتهدد بممارسته جهاراً نهاراً.

وآخر تقليعة وأوقح تصريح إفصاحهم عن إرادتهم تهجير أمة قسرًا عن أرضهم لبناء منتجعات تضاهي الريفيرا وموناكو! هذه ليست مزحة سخيفة هذه تصريحات إدارة أمريكية جديدة في بداية عهدها.

فمن أواخر البلطجة الأمريكية ما ردده ترمب في شهر يناير الماضي ثلاث مرات خلال أربعة أيام من أنه يجب أن يُرَحَّل الغزيون من غزة! بلهجة أشد شراسة وأكثر وقاحة من تصريحات اليمين الصهيوني نفسه الذي يناقش بعض رجاله إمكان الخروج الطوعي لأهل عزة من ديارهم! أما ترمب فيرى ذلك واجبًا، ويرى أن على الأردن ومصر أن تستقبل تلك الجموع التي يريد تهجيرها، وعندما اعترضت هذه قال سيفعلون.. سيستقبلونهم: سيفعلون! وهدد بعقوبتهم حال كونهم لم يفعلوا.. فالقضية فرض بالقوة، في تهجير المساكين القسري رجالًا ونساءً وأطفالًا وشيوخًا بأساليب قسرية يُقتل فيها من يُقتل، ثم يُرمى مَن بقي في مخيمات ضمن منفيين غير متقبلٍ جلاوزتها للغزيين ابتداء!

فأي بلطجة وأي تشبيح أعظم من ذلك؟!

جريمة في القانون الدولي تتخطى الإبادة الجماعية البسيطة لتندرج فيها العَشَرَةُ جرائم ضد الإنسانية المنصوص عليها في ميثاق روما.

ولو لم تكن غير الجريمة (د): إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، حسب ميثاق روما للجنائية الدولية، وقد فسرها الميثاق في المادة 7/2/د بأنه: يعني نقل الأشخاص المعنيين قسرًا من المنطقة التي يوجدون فيها بصفة مشروعة، بالطرد أو بأي فعل قسري آخر، دون مسوِّغات يسمح بها القانون الدولي.

لو لم يكن غير ذلك لكفى بها جريمة ضد الإنسانية، وهو جريمة في القرآن أذن الله عز وجل لصاحبها في القتال حال الاستضعاف الأول لئلا يأتيك جاهل فيقول دعوها تغدو دار كفر فلا يجوز لكم أن تقاتلوا لعدم القدرة! قال عز وجل: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ ‌أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [سورة الحج/ الآية 40]. وهؤلاء الجهال يرون الإصابة والتقتيل الذي يطال الناس ويدفع به بأس الكافر عن البلاد عجزًا ومفسدة تبيح تسليم بلاد المسلمين للكافرين، وتحرم عليهم الدفع! وللوقوف مع هؤلاء المخذلين بفتاواهم، القائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلاّ قليلًا، الذين يغتبط بهم الصهاينة، ويغتم بهم المؤمنون، لنا معهم مواقف أخرى، فالكلام هنا إنما هو في تهديد ترمب. 

وفيما يأتي تحليل لأبعاد هذه القضية، يرمي إلى فهم المقصود وراء هذا الجريمة المرتقبة، التي صرح بعدم رضاهم بها بعض الصهاينة الذين يعدونها تصرفاً أهوج سوف يجلب على المنطقة الويلات.

ملامح تحيز ترمب لإسرائيل في يوم التنصيب:

عدد من الأوامر التي أصدرها الرئيس الجديد القديم في يومه الأول في منصبه كانت مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بإسرائيل.

فكان من أول ما صنعه ترامب بعد تنصيبه:

– أن فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، 

– وأفرج عن ذخيرة وأسلحة أخرها بايدن، 

– ورفع العقوبات عن عشرات المواطنين والمنظمات الإسرائيلية التي فرضتها إدارة بايدن. وهي قضية أمريكية داخلية، ولكنها ذات أهمية بالنسبة لإسرائيل، 

– وأنهى التمويل الأمريكي لمنظمة الصحة العالمية – وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة مصنفة من قبل إسرائيل على أنها معادية لإسرائيل لكونها تدين القتل وتكشف بعض حقائق ما يجري في غزة.

– وأمر بتعليق التمويل الأمريكي للأونروا لمدة 90 يومًا، كجزء من تعليق جميع ميزانيات المساعدات الأمريكية، من أجل إعادة تقييمها. 

– وخلال خطابه في الساحة، كان ترامب برفقة نوح أرغاماني، الرهينة التي استلمت بموجب الصفقة، وعائلات الرهائن الذين ما زالوا محتجزين. وتحدث ترامب مع بعضهم قبل الخطاب وبعده.

[يمكن الرجوع إلى هذه المعلومات في الصحف الرسمية ومنها:

Israel Hayom Journal: Trump enters the White House as if he never left,  Ariel Kahana, 01-22-2025, https://www.israelhayom.com/2025/01/22/trump-enters-the-white-house-as-if-he-never-left/

وغيرها].

وفي يوم 4 فبراير أعلن عن انسحاب أمريكا من الأونروا، ومن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة!

وهذا يدلك على أنه لا يريد بأهل غزة أي خير، فهو يريد تهجيرهم، ويريد أن يقطع المساعدات الأممية عنهم.

موقف ترمب من محكمة الجنايات الدولية:

ما سوف نذكره في هذا الصدد ليس دفاعًا عن الجنائية أو تزكية لها، لكننا نحتفظ بالقناع الجميل الذي تضعه ونتركه كما هو دون حكم على شكلها، ونتحدث عمن نزعوا الأقنعة (ترامب وإدارته)!

فَرْضُ ترمب عقوبات على محكمة يعلم أنها تجرم ما ينويه، ولها سلطة في الدول الموقعة على ميثاقها هو شَنُّ حَربٍ استباقية، الغرض منها سجن المحكمة في إطار لا تتجاوز حدوده، مع تسليط سوط العقوبة عليها إن هي أكثرت الحركة داخله! فقد فرض عقوبات تستهدف طيفًا واسعًا من أفراد وموظفي المحكمة الجنائية الدولية، بمن في ذلك القضاة والمدَّعون العامون، والمؤسسة ككل.

وتعتزم الإدارة تصنيف المحكمة الجنائية الدولية كمنظمة تهدد المصالح الأميركية، باستخدام إجراءات تصنيف مماثلة لتلك التي تستخدمها وزارة الخارجية الأميركية للمنظمات الإرهابية على مستوى العالم. ومن شأن هذا التصنيف أن يؤدي إلى فرض قيود صارمة على أي شخص يتورط في عمليات المحكمة أو التعامل معها.

وسوف يُطلب من المؤسسات المالية في جميع أنحاء العالم إنهاء علاقاتها مع موظفي المحكمة الجنائية الدولية وإلا فسوف تواجه تلك المؤسسات هي نفسها عقوبات أمريكية. وعلى غرار الإجراءات التي اتخذتها الإدارة المنتهية ولايتها ضد المواطنين الإسرائيليين الخاضعين للعقوبات، سوف يجد موظفو المحكمة الجنائية الدولية أنفسهم غير قادرين على أداء العمليات المصرفية الروتينية أو استخدام بطاقات الائتمان. وسوف تجمد أنشطتهم الاقتصادية بشكل فعال، باستثناء الاحتياجات الأساسية فقط مثل شراء المواد الغذائية.

وعلاوة على ذلك، ستجمد جميع الأصول الموجودة في الولايات المتحدة والتي تخص موظفي المحكمة الجنائية الدولية والمؤسسة، ويتخطى أمر هذه العقوبات الحجز على الأموال وإيقاف الخدمات داخل أمريكا، فليست استراتيجية الإدارة الجديدة مجرد إجراءات أحادية الجانب، بل تخطط لضمان التزام حلفاء الولايات المتحدة برفض التعاون مع مذكرات الاعتقال التي تستهدف المسؤولين الإسرائيليين.

وتهدف هذه التدابير إلى تهيئة الظروف التي تسمح للمحكمة بسحب مذكرات الاعتقال الصادرة ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بشكل مستقل. ويأمل المسؤولون أن يتمكن المدعي العام كريم خان أو القضاة أثناء إجراءات الاستئناف من تحديد الأسباب القانونية لإلغاء مذكرات الاعتقال هذه“.

وترى الإدارة الجديدة أن مذكرات الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية ضد رئيس الوزراء نتنياهو ووزير الدفاع السابق غالانت تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأميركي. وهم يعتقدون أن هذه الإجراءات تهدف في نهاية المطاف إلى تجريد الولايات المتحدة وحلفائها من قدرتهم على شن دفاعات عسكرية ضد التهديدات العالمية.

وينظر مسؤولو إدارة ترامب وأعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون على نطاق واسع إلى وضع إسرائيل باعتباره سابقة جديدة، معتقدين أن الولايات المتحدة قد تواجه مذكرات مماثلة في المرة القادمة، مما يدفعهم إلى التعامل مع هذه الإجراءات ضد المسؤولين الإسرائيليين باعتبارها مقدمة محتملة لاستهداف القيادة العسكرية والقيادة الأميركية.

لقد صرح السيناتور توم كوتون، الذي سيتولى رئاسة لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ اعتبارًا من الأسبوع المقبل، بأن “المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة صورية، وأن كريم خان متعصب مجنون. والويل له ولكل من يحاول فرض هذه الأوامر الخارجة عن القانون. واسمحوا لي أن أذكركم بأن القانون الأميركي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية يُعرف باسم “قانون غزو لاهاي”، وهناك سبب لذلك. فكروا في الأمر”. وعامة الكلام المتقدم ليس استنتاجًا، بل هو كلام منشور في الصحف العبرية وغيرها.

 [انظر على سبيل المثال: 

Israel Hayom Journal: Trump administration plans crippling sanctions on ICC,  Ariel Kahana,  01-02-2025, https://www.israelhayom.com/2025/01/02/trump-administration-plans-crippling-sanctions-on-icc/

وغيرها]. 

ومعلوم أنه في نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال بحق كبار المسؤولين في إسرائيل، بما في ذلك رئيس وزرائها، وحماس. وردًّا على ذلك، قدم بعض أعضاء الكونجرس ” قانون مكافحة المحكمة غير الشرعية ” (قانون H.R. 8282،” (Illegitimate Court Counteraction Act)، وهو مشروع قانون يأمر الرئيس بمعاقبة أي “شخص أجنبي” يساعد المحكمة الجنائية الدولية في “التحقيق أو احتجاز أو مقاضاة” المواطنين أو المقيمين الشرعيين في الولايات المتحدة أو بعض الدول المتحالفة. وبموجب مشروع القانون، فإن تقديم “الدعم التكنولوجي” أو المساعدة “غير المباشرة” لتحقيق مستهدف للمحكمة الجنائية الدولية سيكون خاضعًا للعقوبة.

“سنقدم تشريعًا ثنائي الحزبية من شأنه أن يحظر على البلدان المتعاونة مع المحكمة الجنائية الدولية الانخراط في أعمال تجارية مع أمريكا. وهذا من شأنه أن يغير بشكل أساسي النموذج الحالي، وأنا غير متأثر بأي ضغوط دولية قد تأتي في طريقي”، هذا ما قاله السيناتور الأمريكي ليندسي جراهام، في مقابلة مع صحيفة إسرائيل اليوم نُشرت في 19 يناير 2025.

يقول آدم كيث، المدير الحالي للمساءلة في منظمة حقوق الإنسان أولًا، وهي منظمة غير حكومية، والذي كان في السابق مستشارًا سياسيًّا كبيرًا في مكتب العدالة العالمية بوزارة الخارجية الأميركية، إن العقوبات مصممة رسميًّا لتغيير السلوك.

ويقول: إنه بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية، “من بين أغراض دفع العقوبات جعل المحكمة الجنائية الدولية أو مسؤوليها منبوذين”!

والعقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة تعمل على وجه التحديد لأنها تتمتع بقوة مالية كبيرة: “إذا كنت تستهدف أفرادًا أو كيانًا، أو مؤسسة مقرها في أوروبا الغربية، ومتكاملة بعمق في الاقتصادات الغربية، فإن العقوبات يمكن أن تكون قوية للغاية من حيث إقناع البنوك أو المؤسسات الأخرى بعدم التعامل مع مؤسسة أو مؤسسة تضم أفرادًا مدرجين على قائمة العقوبات الأميركية”.

وتقول ميلينا ستيريو، أستاذة القانون في جامعة كليفلاند ستيت والمديرة الإدارية لمجموعة القانون والسياسة الدولية العامة (PILPG)، وهي منظمة غير حكومية قانونية: “إذا فُرضت عليك عقوبات، فسيتم تجميد جميع أصولك وجميع معاملاتك المالية بالدولار الأمريكي. وحوالي 90٪ من جميع المعاملات المالية العالمية تتم بالدولار”.

وتضيف: “لذا عندما يتحدثون عن العقوبات، فإن الخبراء في العقوبات يطلقون عليها موتًا مدنيًّا للفرد الذي تُفرض عليه العقوبات بسبب الأعباء المفروضة على هذا الشخص”.

وهذا جزء من النية، وفقًا لتود بوخوالد (Todd Buchwald)، السفير المتجول بالإنابة لشؤون العدالة الجنائية العالمية في العام الأخير من رئاسة أوباما والأشهر الستة الأولى من ولاية ترامب الأولى. قال: “قد تكون المؤسسات المالية غير راغبة في إجراء أعمال تجارية مع أولئك الخاضعين للعقوبات، حتى عندما لا يكون القيام بهذه الأعمال مشمولًا بالعقوبات بالفعل”. “بعبارة أخرى: فإن المؤسسات المالية -كمسألة تتعلق بالحكمة التجارية- لديها حافز لعدم الاقتراب من الخط وقطع العلاقات مع المحكمة الجنائية الدولية”. 

ما الذي يختلف في العقوبات الجديدة عن عقوبات عام 2020؟

هناك عدد من العناصر التي تجعل العقوبات المتوقعة من قبل إدارة ترامب الجديدة مختلفة عن تلك التي أصدرها ترامب في عام 2020 في أمر تنفيذي. [في وقت كتابة هذه الكلمات، أعاد ترامب بالفعل فرض أمره التنفيذي لعام 2020 في اليوم الأول من رئاسته الجديدة، 20 يناير 2025، وفقًا للصحافة الإسرائيلية، فالكلام عن ماضٍ حاضر بقوة اليوم].

وقد كانت العقوبات السابقة أمرًا تنفيذيًّا أما اليوم فقد تجاوز ذلك، يقول المستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية هارولد كوه: “هذه المرة، حصل على دعم من أعضاء الكونجرس. ومن المؤسف أن 45 ديمقراطيًّا صوتوا لصالحه”. 

في ممارسة العقوبات التقليدية، “يمكن فرض عقوبات على شركة أو مؤسسة أو فرد إذا قام بنشاط خاضع للعقوبات كما هو موصوف في الأمر التنفيذي أو في التشريع”، كما يقول كيث. في عام 2020، استغل ترامب سلطات العقوبات القائمة لإصدار أمره التنفيذي. هذه المرة قد يوفر الكونجرس سلطة مختلفة. تقول ستيريو إن مشروع القانون الذي أقره مجلس النواب والذي “من المرجح أن يمرره مجلس الشيوخ، سيكون أسوأ [من المرة الأخيرة]، لأن نظام العقوبات واسع النطاق للغاية”. كما تشير إلى أنه في المرة الأخيرة كانت “السلطة التقديرية للرئيس كقائد أعلى لفرض العقوبات”، بينما “هذه المرة ينص مشروع القانون هذا في الواقع على أن” الرئيس يجب أن يفرض العقوبات”. لذا إذا أصبح هذا المشروع قانونًا، فإن يدي الرئيس لن تكون مقيدة.

هل تستهدف الولايات المتحدة المواطنين البريطانيين؟

جوهر المسألة هي من الذين سوف يفرض ترامب عقوبات عليهم؟ كما يقول ستيريو. “لا يزال الرئيس يتمتع بسلطة تقديرية ليقول: “سأفرض عقوبات على الأفراد X وY وZ”. 

في ظل الظروف الحالية، فإن كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، هو مواطن بريطاني. والشخصان الرئيسان المسؤولان عن التحقيق في فلسطين، اللذان يقفان خلف خان في مقطع الفيديو الذي أعلن فيه أوامر الاعتقال في مايو/أيار الماضي، هما بريندا هوليس، وهي مواطنة أمريكية لا يمكن إدراجها على قائمة العقوبات لأنها مخصصة فقط للأشخاص الأجانب، وأندرو كايلي من المملكة المتحدة. فهل تستخدم لندن وضعها كحليف وثيق لحماية مواطنيها؟ يقول ستيريو: “يعتقد كثيرون أنه لأننا نتحدث عن مواطني المملكة المتحدة، فإن الرئيس لن يلاحقهم فعليًّا. في المرة الأخيرة، كنا نتحدث عن غامبية [المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا] ومواطن من ليسوتو. هذه بلدان لا تهتم بها الولايات المتحدة كثيرًا. لكن فرض عقوبات فعلية على مواطني المملكة المتحدة سيكون خطوة غير مسبوقة للغاية”.

وفي حديثها إلى أشخاص آخرين في هذا المجال، قالت ستيريو إن

“بعض الناس يأملون أن يكون الرئيس أكثر تحفظًا في تحديد الأشخاص الذين يفرض عليهم عقوبات”. وبالتالي، تابعت: “إذا كنا نتحدث عن عدد محدود من الأفراد الخاضعين للعقوبات، فيمكن للمحكمة أن تستمر في الوجود”.

ولكن كيث لديه تحذير واحد فيما يتصل بالحماية النسبية التي تتمتع بها هوليس باعتبارها مواطنة أميركية: “بصفتها مواطنة أميركية، إذا استمرت في العمل لصالح مدع عام مدرج على قائمة العقوبات، فقد يؤدي ذلك إلى فرض عقوبات مدنية أو جنائية من جانب وزارة الخزانة على مرتكبي الجرائم. وهذا هو نوع من التأثير من الدرجة الثانية”.

هل يمكن للمواطنين الأميركيين مواصلة التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية؟

ويوضح ستيريو أن تأثير العقوبات على المواطنين الأميركيين سوف يمتد إلى ما هو أبعد من الأميركيين الذين يعملون في المحكمة ليشمل أولئك الذين يعملون إلى جانب المحكمة: “إذا ساعدت في العمل مع فرد خاضع للعقوبات، فإنك باعتبارك مواطنًا أميركيًّا تعرض نفسك لغرامات وعقوبات مدنية وجنائية؛ غرامات مدنية تصل إلى 250 ألف دولار، وعقوبات جنائية تصل إلى 20 عامًا من السجن. لذا فإن العقوبات خطيرة للغاية”. 

لذا، إذا وُضع أفرادٌ معينون على قائمة العقوبات و”قدمت منظمة غير حكومية أمريكية دعمًا مخصصًا للمدعي العام في شكل مذكرة لاستخدامها في التحقيق، فقد يؤدي ذلك إلى فرض عقوبات”، كما يوضح كيث. “لا يمكن وضع الأميركيين على قائمة العقوبات، ولكن يمكن ضربهم في هذا الاتجاه الآخر. وبالتالي فإن التأثير هو تجريم الأشكال الأساسية للدفاع عن حقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بأخذ وثائق منظمتك غير الحكومية ومشاركتها مع المحكمة الوحيدة التي لديها السلطة القضائية أو المحكمة الوحيدة التي تحقق بالفعل في موقف ما”!

في عام 2020، انضمت ستيريو إلى مجموعة لتحدي العقوبات لأنها، بصفتها مواطنة مزدوجة، كان من الممكن منعها من تقديم “التعليم والتدريب والمشورة وأشكال أخرى من المساعدة للمحكمة الجنائية الدولية”، وكذلك للأفراد الخاضعين للعقوبات. هذه المرة، تم إغلاق هذه الثغرة -أعني المصطلح الغامض “الأشخاص الأجانب” في الأمر التنفيذي والذي يمكن قراءته على أنه مواطنون مزدوجون- فهذا يجعلها لا تزال قادرة على فعل شيء. تقول: “على الرغم من أنني شخصيًّا لن أكون معرضة لخطر العقوبات، إلا أنه إذا واصلت التعامل مع المحكمة، فسأخاطر بالغرامة بطريقة مدنية أو الملاحقة القضائية والسجن. سيكون الكثير منا على استعداد للمقاضاة مرة أخرى، لأن جميع الحجج من المرة الأخيرة لا تزال قائمة. ومن الواضح أن الطريق الآخر سيكون قولي خلال السنوات الأربع القادمة فقط لن أتعامل حقًّا مع المحكمة! أعتقد أن معظمنا لا يريد القيام بذلك. أولًا وقبل كل شيء، هذا هو عملي، وهذا ما أفعله. ولكن من حيث المبدأ أيضًا، أعتقد أن هذا هو الحل الجبان إلى حد ما”.

تهديد محتمل لوجود المحكمة ذاتها:

وبالنظر إلى المحكمة من منظور أوسع، يلاحظ كيث عددًا من الشخصيات الرئيسة التي قد ينظر في فرض عقوبات عليهم بسبب دورهم في تمكين مذكرات الاعتقال الفلسطينية، ولكن جنسياتهم قد تدفع حكوماتهم إلى الرد بقوة. ويقول: “أحد الأسباب التي جعلتنا نؤكد أن العقوبات فكرة سيئة للغاية هو أن هذا يضع الولايات المتحدة في مواجهة بعض أقرب حلفائها، لأنه إلى جانب المدعي العام البريطاني، فإن القضاة الثلاثة في غرفة ما قبل المحاكمة [التي سمحت بمذكرات الاعتقال] يشملون شخصًا فرنسيًّا وسلوفينيًّا. والعديد من الأفراد الذين دعموا علنًا تحقيق المدعي العام هم أيضًا من حلفاء أوروبيين كبار”. 

“إن التشريع الذي أقره الكونجرس أوسع قليلًا في نطاقه الشخصي من الأمر التنفيذي لعام 2020″، كما يوضح كيث. “لقد جعل الأمر التنفيذي لعام 2020 من الممكن للمحكمة الجنائية الدولية التحقيق مع أفراد أمريكيين أو أفراد معينين من الحلفاء. يتحدث هذا التشريع، بدلًا من الأفراد، عن “مواطنين ومقيمين”. لذا فهو أوسع نطاقًا بكثير. وهنا يأتي نوع من التجاوز الغريب للتشريع. وذلك لأنه لا يركز فقط على المسؤولين. إنه يركز على أي شخص من البلاد أو حتى أي شخص مقيم في البلاد”.

ولكن إذا كانت العقوبات أوسع نطاقًا، فإن ستيريو يقول إن الوضع سيكون مختلفاً. “لأن ما يثير الخوف حقهًا هذه المرة هو أن شركات مثل مايكروسوفت على سبيل المثال أو خدمات الترجمة التي تقدم المساعدة للمحكمة، تعرض نفسها للخطر أيضًا. وبالتالي قد تقول للمحكمة: نحن لا نريد العمل معكم بعد الآن. كما تعلمون، هذا لا يستحق المخاطرة بالنسبة لنا. وإذا حدث ذلك، فإن المحكمة ستواجه صعوبة بالغة في الاستمرار في وجودها. لذا فإن الجميع يأملون ألا يحدث هذا، وأن يكون عدد الأفراد الذين فرضت عليهم عقوبات أكثر محدودية. وإذا كان الأمر يتعلق بأربعة أو خمسة أفراد من مكتب المدعي العام، فهذا أمر فظيع بالنسبة لهم، من الواضح، ولكن المحكمة يمكن أن تستمر في الوجود”.

وفي هذا الصدد أشارت المناقشات التي دارت مع الدبلوماسيين في الاجتماع السنوي للمحكمة الجنائية الدولية في أوائل ديسمبر/كانون الأول في لاهاي إلى مدى الجدية التي تتعامل بها المحكمة وأنصارها مع هذا التهديد. فهل سيشعر المصرفيون العاملون في المحكمة بالقدرة على الاستمرار في خدمة المؤسسة؟ وكيف ستمول وتدفع الرواتب والأمن والاتصالات؟ يقول كيث: “إنني أضع عبء وضع خطة “رأس المال” على عاتق الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية. إننا نرى الكثير من المنظمات غير الحكومية التي تركز على تشجيع الدول الأعضاء على تكثيف جهودها والدفاع عن المحكمة وضمان استمرارية عملها”.

ويقول بوخوالد: “من المفترض أن المسؤولين القضائيين وغيرهم يعملون على التوصل إلى حلول بديلة وإيجاد طريقة لإدارة الأعمال التجارية لا تنطوي على إجراء معاملات صرف العملات الأجنبية عبر نيويورك”. ولكن “لا أعرف مدى نجاحهم”.

هل سيؤثر ذلك على التحقيق في الفلبين أو تركيا وآخرين؟

للقرارات الجديدة تأثيرات مباشرة على قضيتنا الفلسطينية وتأثيرات أخرى بعيدة، ومنها تأثيرها على الفلبين، وذلك لأن المحكمة الجنائية الدولية تحقق في جرائم مزعومة ضد الإنسانية ارتكبت فيما يُسمى “الحرب على المخدرات” تحت قيادة الرئيس السابق دوتيرتي.

الولايات المتحدة وإن كانت تستهدف فلسطين، فإن قرارها ستتضرر منه قضايا عادلة أخرى!

يقول كيث: قد يستهدف التشريع أي تحقيق من قبل المحكمة الجنائية الدولية في أي دولة حليفة للولايات المتحدة وليست طرفًا في النظام الأساسي. “نحن نعارض التشريع بالجملة، ولكن هناك طرق معينة يتجاوز بها بشكل غريب النية الأساسية الواضحة المتمثلة في التركيز على سلوك الولايات المتحدة وإسرائيل. على وجه الخصوص، التحقيق المباشر الآخر في المحكمة الجنائية الدولية الذي سيجعل هذا التشريع قابلًا للموافقة عليه من قبل المحكمة الجنائية الدولية وللمواطنين الأجانب لتقديم بعض الدعم له هو التحقيق في الفلبين. ولهذا السبب ترى الكثير من تعبيرات القلق والانزعاج في الأسابيع والأشهر الأخيرة من قبل الناشطين الفلبينيين”.

وعلى نحو مماثل، “فإن هذا من شأنه أن يجعل من الممكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تحقق مع شخص تركي لأنه ينتمي إلى حليف في حلف شمال الأطلسي أو مصري أو أي شخص ينتمي إلى أي دولة تُعَد حليفة رئيسة غير عضو في حلف شمال الأطلسي. وهذا يعني أن 16 دولة، لم ينضم إلى المحكمة سوى نصفها تقريبًا”.

ويعتقد بوخوالد أن العقوبات “يمكن أن تكون مدمرة للغاية ليس فقط للأشخاص الذين قد يتعاونون مع المحكمة الجنائية الدولية، بل وأيضًا لسمعة الولايات المتحدة كداعم لسيادة القانون”.

ويقول كيب هيل، المدير المؤسس لمشروع المحكمة الجنائية الدولية التابع لنقابة المحامين والذي ركز على العلاقات بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية: “إن فرض عقوبات على المهنيين العاملين في مجال العدالة والمساءلة يبعث برسالة خاطئة للغاية”. “إنها تشوه سمعة مؤسسة تضم أميركيين ورعايا من دول حليفة ومحترفين ملتزمين في مجال العدالة من أماكن أخرى يعملون فيها، وهي محكمة مبنية بشكل كبير على المثل والمبادئ الأمريكية”.

يقول كيث إن العقوبات الأميركية كانت حتى الآن “أداة مرنة وقوية في بعض الأحيان”، حيث استندت شرعيتها وفائدتها إلى فهم مفاده أن “الأفعال التي تستوجب العقوبات هي انتهاكات لحقوق الإنسان وأعمال فساد خطيرة”. ولهذا السبب استخدمت المنظمات غير الحكومية نظام العقوبات لاستهداف منتهكي حقوق الإنسان المزعومين الذين بدوا بعيدين عن متناول الملاحقات الجنائية.

ويشرف كيث الآن على عمل منظمة هيومن رايتس فيرست في تنسيق تحالف من المنظمات غير الحكومية التي تستخدم قانون ماجنيتسكي العالمي [مشروع قانون ثنائي الحزب أقره الكونجرس الأميركي في عام 2012، بهدف معاقبة المسؤولين الروس] وأدوات عقوبات أخرى مستهدفة لملاحقة المسؤولين.

“هذا ما نجده صادمًا ومروعًا أن نرى الأداة لا تُطبق ضد مجرمي الحرب المزعومين الذين يجري التحقيق معهم، بل ضد المسؤولين والقضاة والمدعين العامين ومحامي حقوق الإنسان الذين يقومون بالتحقيق! نحن نرى ذلك كنوع من “خطأ التصنيف” الأساسي لتطبيقه في هذا السياق بهذه الطريقة”.

وقد ذكر كوه (Harold Koh) أنه “إذا هوجمت المحكمة بشأن إسرائيل، فلا يمكنك الاحتفال بنتائجها فيما يتعلق بروسيا وأوكرانيا. وما زلنا بحاجة إليها للمساءلة ضد روسيا”. ويقول بوخوالد: “إنها إشارة مختلفة تمامًا عن الكونجرس، الذي أقر تشريعًا قبل عامين، بدعم من الحزبين، يشجع الحكومة الأمريكية بشكل إيجابي على دعم تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في الوضع في أوكرانيا وتوفير التمويل لهذا الدعم”.

وبعيدًا عن الاختلافات النوعية بين عقوبات عام 2025 وتلك التي فُرضت قبل خمس سنوات، يقول كيث إن الاختلاف الرئيس بالنسبة له هو “سياقي”. “في المرة الأخيرة، كان لدى إدارة العقوبات أربعة أشهر متبقية من ولايتها عندما فرضت عقوبات فعلية. هذه المرة سيكون لدى إدارة العقوبات أربع سنوات متبقية من ولايتها. وهذا يختلف تمامًا من حيث قدرة المحكمة على البقاء، ومن حيث الفرص المتاحة للتصعيد وتقديم مطالب ابتزازية. أعتقد أن هذا هو الأمر الأكثر إثارة للقلق والانزعاج بشأن الاختلاف بين المرة الأخيرة وهذه المرة.

[ينظر في مصادر ما سبق:

JusticeInfo.net:  Janet H. Anderson, Can the ICC survive the U.S. sanctions? (Part 2), 21 January 2025, https://www.justiceinfo.net/en/140499-can-the-icc-survive-the-u-s-sanctions-part-2.html 

وهو مستفاد في غالبه من مقال هيومن رايتس ووتش على الرابط:

 https://www.hrw.org/news/2020/12/14/us-sanctions-international-criminal-court

وهنا مقال عن أن ترامب قد يجد نفسه عاجزًا عن السفر بسبب المحكمة:

والاستنتاج الشخصي فيه قليل].

تحليل الموقف الغربي:

العقوبات على المحكمة موضع استهجان واسع، وقضية تجاذب بين الإدارات الأمريكية المتعاقبة، لكن جوهرها وهو سببها وباعثها (القضية الفلسطينية) موضع اتفاق في الجملة. ومن لم يأمر بعقوبة المحكمة الجنائية عليه لا يسوؤه حملها على ترك حساب إسرائيليين! ولن يتكلف معركة في سبيله، ولكن كيف يخرج تلك الجريمة البشعة بصورة جميلة، وكيف يمكن أن تعاق العدالة أن تأخذ مجراها في أكبر قضية عادلة؟!

 وخلاصة الأمر أن الجنائية الدولية مهددة بالبقاء خلال السنوات الأربعة القادمة إن استمرت على طريقتها في إدانة أكابر المجرمين في إسرائيل.

وهل تستطيع أن تصمد هذه المدة أمام العقوبات؟

الجواب: نعم لو أرادت، صمدت دول ضعيفة أضعاف هذه المدة.

لكن هل تريد ذلك؟

من عرف واقع الجنائية، وعرف تركيبتها، وعرف تحيزها في قضايا الشرق الأوسط خاصة، والقضايا العالمية عمومًا، يكاد يجزم بأنه في غضون سنة سوف تسوي قضية العدالة الكبرى (الفلسطينية) مع إدارة ترامب ببادرة لن تكون أول بوادر تحيز الجنائية، والسيناريوهات الممكنة لتلك التسوية كثيرة، لا تتطلب ضغوطًا كبيرة على مدعى الجنائية البريطاني القادياني كريم أحمد خان، تضطره للاستقالة، ثم الإتيان برجل أكثر توافقية مع الاستراتيجية الأمريكية، هو نفسه قد يكون محترمًا عندهم ما دام متفهمًا قابلًا للاقتناع بتلك الاستراتيجية، ويتخذ التدابير العقلانية!

فما تقدم ذكره نصًّا عن أرييل كاهانا: “يأمل المسؤولون أن يتمكن المدعي العام كريم خان أو القضاة أثناء إجراءات الاستئناف من تحديد الأسباب القانونية لإلغاء مذكرات الاعتقال هذه”، هو ما سيكون، سيتحقق المأمول في الغالب، ويعيش الإسرائيليون مع بعضهم في تبات ونبات ويلدوا البنين والبنات، ويواصلون قتل الفلسطينيين بأمان وتهجيرهم قسرًا عن الأوطان! 

عودا إلى القضية: الأماكن البديلة والعقوبات وموقف الإسرائيليين:

موقف ترامب: الترحيل إلى الأردن ومصر وهناك إشاعة بأن ألبانيا قد تكون وجهة مقترحة.

موقف الإدارة الأمريكية: (الاستراتيجية الإقليمية الأمريكية): “علمت صحيفة “إسرائيل اليوم” أن الإخلاء الجماعي من غزة؛ عناصر حماس وأولئك الذين يتم تصنيفهم على أنهم “سكان غير متورطين”، يمثل حجر الزاوية في الاستراتيجية الإقليمية الأميركية ــ أبعد من مجرد التصريحات العامة كما يعتقد العديد من المراقبين الإسرائيليين.

خلال زيارته، أشارت رسائل المبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف إلى أن الإدارة تسعى من خلال الهجرة الكبيرة لسكان غزة إلى مواءمة أهداف ترامب في إنهاء الحرب مع موقفه، الذي يتقاسمه كثيرون في الإدارة الجديدة، بأن حماس يجب أن تتوقف عن السيطرة على غزة.

ومن الجدير بالذكر أن ويتكوف أكد أثناء مناقشاته بشأن إسرائيل أنه بالنظر إلى الفظائع التي ارتكبت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، فإنه يرى أيضًا أن حكم حماس في غزة في المستقبل غير قابل للاستمرار. وترى وجهة النظر الأميركية أن بقاء عدد قليل من السكان أو انعدامهم يعني أن سيطرة حماس على القطاع تصبح غير مستدامة.” 

[ينظر المصدر: Israel Hayom Journal: Revealed: Trump’s vision for transforming Gaza,  Ariel Kahana,  02-02-2025 , https://www.israelhayom.com/2025/02/02/revealed-trumps-vision-for-transforming-gaza/ وعدد من وسائل الإعلام العبرية والغربية].

باختصار موقف الإدارة الأمريكية غير معارض لجوهر الفكرة، وهو الترحيل القسري لكل الفلسطينيين من غزة، لكن ربما تكون هناك تحفظات على مكان النقل.

والذي جد أن السياسة القديمة والتي كانت تسلكها إسرائيل في سنوات خالية وهي التفريق بين بعض العناصر الذين سجنوا وقضوا محكومياتهم فتحد بعضهم بقطاع غزة وترحل آخرين إلى الضفة، غدوا يرونها غير صالحة، فليست القضية إخراج لعناصر من حماس من غزة، لابد من إخراج الشعب كله وتحييده في منطقة أخرى!

كانت بعض الدول العربية قديمًا قد اقترحت صحراء النقب المحتلة، وكانت إسرائيل تتحفظ على ذلك، فهل تكفل بعض خيارات ترامب خيارات مرضية؟ أو تكون الخيارات العربية (النقب) خيرًا منها، أو السياسة القديمة في التفريق والتشريد داخل مدن خارج القطاع؟ 

موقف بعض المسؤولين الإسرائيليين:  

كانت التوصية بتسهيل إجلاء السكان، والتي صيغت قبل العملية البرية الإسرائيلية في غزة، تهدف في البداية إلى تقليل الخسائر بين المدنيين. وفي حين أعربت إدارة بايدن عن تحفظاتها بشأن مغادرة سكان غزة لقطاع غزة، وأدت المعارضة المصرية الحازمة وحراستها المشددة للحدود في نهاية المطاف إلى التخلي عن الفكرة. لكن تشير المصادر الإسرائيلية الآن إلى أن الاقتراح اكتسب أهمية متجددة، خاصة في ضوء احتمال استئناف العمليات القتالية، وضغوط ترامب في الاتجاه المعاكس لبايدن السلبي.

وتشير هذه المصادر إلى سابقة تاريخية، وهي أن الممرات الإنسانية للسكان المدنيين أثبتت أهميتها خلال الحملة التي قادتها الولايات المتحدة ضد داعش في العقد الماضي. وتنص الوثيقة على وجه التحديد على أن “الإجلاء الإنساني للسكان من منطقة القتال يخدم المصالح الفضلى للمدنيين في غزة”.

 اكتسبت المبادرة زخمًا جديدًا بعد أن أعرب الرئيس دونالد ترامب مؤخرًا عن دعمه القوي للهجرة من غزة خلال اجتماع مع وزيرة الاستخبارات جيلا جامليل. وقد دفع هذا إلى تجديد العمل على الخطة التي صيغت في الأصل قبل عام. وكانت جامليل، التي بدأت المناقشات في اليوم الثاني من الحرب وتواصلت مع وزراء من البلدان المستقبلة المحتملة العام الماضي، قد علقت المبادرة في السابق وسط مخاوف من الشرعية الدولية واتهامات بالتهجير القسري.

وتشير التقديرات الحالية إلى أن تأمين أول دولة مستعدة لاستقبال سكان غزة قد يؤدي إلى إحداث تأثير الدومينو. ويقدر المسؤولون الإسرائيليون أن ما بين مائة ألف إلى مائتي ألف من سكان غزة غادروا قطاع غزة بالفعل منذ اندلاع الحرب، وذلك في المقام الأول عبر معبر رفح، حيث استقر أغلبهم في منطقة القاهرة. كما غادر ألف جريح ومرافقوهم عبر مطار رامون الإسرائيلي إلى بلدان مختلفة.

وتستمر المصادر المهنية في الدعوة إلى بناء الشرعية الدولية حول هذا الاقتراح “الخارج عن المألوف”. وتتصور الاستراتيجية إعطاء الأولوية للأفراد الجرحى والحالات الإنسانية للمغادرة الأولية. وفي حين يتوقع الخبراء الانتقادات وردود الفعل الأولية، فإنهم يعتقدون أن المجتمع الدولي سيقبل المفهوم تدريجيًّا، مشيرين إلى أن الحق في الهجرة محمي بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وخلاصة هذا الاتجاه، فتح الحدود في اتجاه واحد، وهو اتجاه الخروج من أرض غزة، فهذا أحد الخيارات الإسرائيلية المطروحة.

[المصدر: Israel Hayom Journal:EXCLUSIVE: Trump support revives Israeli plan for voluntary Gaza migration,  Ariel Kahana,  2025-01-30, https://www.israelhayom.com/2025/01/30/exclusive-trump-support-revives-israeli-plan-for-voluntary-gaza-migration/وعدد من المواقع العبرية].

خيار ثان:

أشار مصدر دبلوماسي إسرائيلي رفيع المستوى على دراية مباشرة بالأمر إلى أن المناقشات حول الهجرة الطوعية من غزة لا تزال في مرحلة المفاهيم. وقد طرحت المبادرة لأول مرة خلال الاجتماعات المبكرة بين وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر وترامب في أعقاب فوزه في الانتخابات في نوفمبر/تشرين الثاني، حيث يستكشف البيت الأبيض الآن النهج والسبل المحتملة لإقناع البلدان المحتملة بقبول سكان غزة. ومع ذلك، لم تظهر أي خطة ملموسة أو متفق عليها بشكل متبادل.

[المصدر: Israel Hayom Journal: How real are US-Israel plans for Gaza emigration?,  Ariel Kahana, 01-28-2025, https://www.israelhayom.com/2025/01/28/how-real-are-us-israel-plans-for-gaza-emigration/ومصادر أخرى].

رد ألبانيا على احتمال الهجرة إليها وخيارات أخرى! 

مثل الأردن ومصر، رفض رئيس الوزراء إيدي راما بشدة الادعاءات حول دور ألبانيا المحتمل في إعادة توطين الفلسطينيين من غزة، ووصف مثل هذه التقارير بأنها “غير صحيحة على الإطلاق” وأكد أن أحدًا لم يقترب من ألبانيا بشأن مثل هذه المبادرة.

“لم أسمع شيئًا زائفًا كهذا منذ فترة طويلة – وكان هناك الكثير من الأخبار المزيفة مؤخرًا! هذا غير صحيح على الإطلاق”

وسلط الزعيم الألباني الضوء على العلاقات القوية التي تربط بلاده بمنطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك مع إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر والكويت والشعب الفلسطيني، الذي اعترفت ألبانيا بدولته منذ سنوات. ومع ذلك، شدد على أن الهوية الأوروبية لألبانيا تشكل عاملًا مقيدًا.

وأوضح راما أن “ألبانيا لا تقع في الشرق الأوسط، وباعتبارنا دولة في قلب أوروبا، فإننا لا نستطيع أن نفعل أكثر من أي دولة أوروبية أخرى في هذا الشأن”.

[المصدر:

 Israel Hayom Journal: How real are US-Israel plans for Gaza emigration?,  Ariel Kahana, 01-28-2025, https://www.israelhayom.com/2025/01/28/how-real-are-us-israel-plans-for-gaza-emigration/ومصادر أخرى].

والمهم هو أن هذه الأخبار أو تلك التسريبات أو جس النبض أو سمه ما شئت كله يدل على أن الوجهة النهائية لا تزال مسار تفاوض وتجاذب، قد تكون إحداها وقد تكون تشكيلة من بعضها وقد تكون جميعها، وقد تكون غيرها! فلا يبعد ربما تكون ثمة خيارات أخرى في المنطقة نفسها مثل الأنبار التي اقترحها ترامب في ولايته الأولى! أو المنطقة شمال خطط 22 بين مصر والسودان التي لا تعترف بالسيادة عليها أي من الدولتين، أو غيرها من الجزر الضائعة!

العقوبات المتوقعة على الدول العربية الرافضة:

مصر:

من المقرر أن يناقش الكونجرس الأمريكي للمرة الأولى الانتهاكات المصرية لاتفاقية السلام مع إسرائيل بعد الانتشار المستمر للقوات العسكرية المصرية في شبه جزيرة سيناء بأعداد كبيرة. وسوف يتم مناقشة هذه المسألة الحساسة في البداية في منتدى مغلق لأعضاء الكونجرس الجمهوريين خلال اجتماعهم في نهاية الأسبوع في واشنطن.

خلال هذه الخلوة، يقوم أعضاء الكونجرس بصياغة أجندة سياساتهم وتحديد القضايا ذات الأولوية للعامين المقبلين. وعادة ما تؤدي هذه المناقشات إلى جلسات استماع لاحقة ومقترحات تشريعية بناءً على الموضوعات المختارة.

علمت صحيفة إسرائيل اليوم حصريًّا أن أحد البنود الرئيسة على جدول الأعمال يتناول المخاوف المتزايدة بشأن الوجود المتزايد للقوات العسكرية المصرية في سيناء، والذي ينتهك الملحق الأمني ​​لاتفاقية السلام لعام 1979. ينص بند المناقشة على أن “مصر تنتهك بشكل كبير اتفاقيات كامب ديفيد من خلال نشر القوات وتحريك الدبابات إلى سيناء. وهذا يشكل تهديدًا استراتيجيًّا للحدود الجنوبية لإسرائيل، ويقع على وجه التحديد تحت مسؤولية الولايات المتحدة باعتبارها الضامن للاتفاقية”.

ويدعو البند المدرج على جدول الأعمال أيضًا إلى مراجعة المساعدات الاقتصادية الأميركية لمصر في ضوء وجودها العسكري في سيناء. وينص اقتراح السياسة على أنه “يجب إعادة تقييم التمويل الأميركي لمصر على أساس هذه الاتفاقيات. ويجب تقديم جدول زمني لمصر لسحب قواتها من شبه جزيرة سيناء”.

لقد أذن رئيس مجلس النواب الأمريكي مايك جونسون بمناقشة هذا الموضوع الحساس بعد أن سلطت مصادر مؤيدة لإسرائيل الضوء على هذه القضية. ففي إسرائيل، هناك قلق واسع النطاق بشأن الحشد العسكري المصري، وإدخال قوات إلى سيناء، وتصنيف الجيش المصري لـ”التهديد المرجعي” باعتباره “تهديدًا من الشرق”، أي إسرائيل.

وقد صرح مصدر رفيع المستوى في جيش الدفاع الإسرائيلي مؤخرًا لصحيفة إسرائيل اليوم بأن سيناء تشكل منطقة عازلة مناسبة في حالة وقوع عدوان مصري على إسرائيل.

ويتوخى المسؤولون الإسرائيليون الحذر الشديد عند التعامل مع مصر، مشيرين إلى اعتماد هذه الدولة الكبيرة على إمدادات الغاز الإسرائيلي لتلبية احتياجاتها من الطاقة.

ومع ذلك، فإن اكتشاف كميات كبيرة من الذخائر في قطاع غزة أثناء الحرب، وقوة النيران التي امتلكتها حماس خلال الهجوم المفاجئ، أثارت تساؤلات حول دور مصر ــ سواء من خلال القنوات الرسمية أو التحايل القانوني ــ في حصول حماس على الأسلحة على مر السنين.

[المصدر:

Israel Hayom Journal: US Congress set to scrutinize Egypt’s breach of peace accord,  Ariel Kahana,01-29-2025, https://www.israelhayom.com/2025/01/29/us-congress-set-to-scrutinize-egyptian-violation-of-peace-treaty/وغيره].

الأردن:

قطع المعونات الأمريكية، ويلاحظ أن الفلسطينيين الذين وطنوا في الأردن عام 1970 وحصلوا على وثائق أردنية مسجلون لدى الأونروا ويتلقون منها المساعدات، وقد قطع ترامب تمويل أمريكا للأونروا.

لكن الأردن كمصر تحظى بدعم عربي إقليمي من ممولين كبار.

فيبعد أن يكون ذلك بغير رضاها كرها، وحتى تؤدي وظيفتك كما ينبغي فلابد أن يكون هناك نوع ولاء، وهذا لا يحققه الإكراه وحده.

لابد من مغريات مقنعة، وليس من شرطها أن تظهر للعلن!

تحليل ختامي:

إخلاء غزة، وجعلها مستأجرة أمريكية بعقد طويل الأجل كما اتفق نتنياهو مع ترامب بأخرة (يفهم ذلك من المؤتمر الصحفي الذي جمعهما يوم 4 فبراير، وهو على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=wdvcnpQ6XvE)، هي صفقة يتمثل فيها عطاء من لا يملك بل يغصب ويسرق لمن لا يستحق إلا إن كان بالبلطجة! هذه الفكرة فكرة إجرامية من الطراز الأول، لأجلها قررت إدارة أمريكا تدمير محكمة العدل الدولية، لأنها إن استمرت في محاولة الحفاظ على الموضوعية شكلًا بأي مسحة فسوف تعرقل مساعيها أو تشوه سمعتها، ومحكمة العدل أداة لتقنين الظلم الدولي الواقع على الشرق الأوسط توافق عليها الغرب، لكنها تضفي مسحة مطلوبة للعدالة الدولية، وتمثل ممسحة جيدة لتلميع السمعة، هي ورقة التوت التي تحاول واشنطن نزعها عن قُبُل أوربا إذا لم تسر على هوى أمريكا!

ومع ذلك ولأجل تلك الفكرة الإجرامية تخاطر إدارة ترامب بفقد حلفاء لها في الشرق الأوسط، قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى التوجه نحو بكين كما يقوله بعض الصهاينة.

والأخطر أن تلك الدول في وطأة دفع سيل الهجرة الفلسطينية أو اللجوء إلى استخدام آلة القتل الإسرائيلية نفسها في وجه المستجيرين بهم! قد تواجه ردة فعل داخلية تجر على المنطقة ما لم يكن بالحسبان.

فردة الفعل تجاه ذلك، قد تكون على حساب استقرار كراسي الحكم، أو استقرار تلك البلدان، ودخولها فيما دخلت فيه دول قبلها أثناء الربيع العربي ثم مضت سنوات ولم تخرج منها!

ولأجل ذلك يرى صهاينة منظرين كبار أن توجه الإدارة الأمريكية الحالية توجُّه أهوج ليس ببدع من خبط ترامب في السياسة الخارجية.

والحقيقة أن ترمب مع هوجه هذا وقبل أن يكون سياسيًّا هو رجل أعمال، وقد ناصرته في حملته الأخيرة رؤوس الأموال، ورجال الأعمال. وقد أشعر بأطماعه الاستثمارية في غزة! 

فقد ذكر في مداخلة هاتفية على بودكاست هيو هيوت (بدءًا من 1:30) إنه باعتباره مطورًا [عقاريًّا] فإن غزة إذا بنيت بطريقة صحيحة فإنها ستكون أفضل من موناكو، فيها أفضل مياهًا وأفضل مناخًا، وأفضل كل شيء في الشرق الأوسط بل أفضل الأماكن في العالم.

وصرح جارد كوشنير:  في 15 فبراير 2024 في نشاط بجامعة هارفارد أنه إن كان في محل إسرائيل فسيرحل الغزيين إلى صحراء النقب ويريح مصر وإسرائيل منهم، وينظف المكان ويستفيد من الواجهة البحرية لغزة في مشروع عقاري قيم.

ولا يبعد أن تكون ثقة ترامب نابعة من مشاركات صناديق استثمار سيادة في المنطقة له! ربما قدم هو الآخر عروضًا تقنعها بالمضي قدمًا في الاستثمارات العقارية والترفيهية!

على ضوء ذلك، فمستقبل المنطقة في ظل السنوات المقبلة مقتم، تدفعه أطماع ترامبية، توافق هوى إسرائيليًّا، وتوجهًا تقر أصلَه مجملُ الإدارات الأمريكية، وتختلف في طريقة معالجته.

ويبدو أن العلاج الأقرب اتساع مساحة في صحراء النقب لمعظم اللاجئين من حميم يحضر لصبِّه في غزة، مع السماح بحركة في اتجاه المعابر للخروج من غزة، لا ندري ماذا يدور خلف الكواليس من اتفاقات وصفقات بخصوص الأعداد.

والأقبح أن الشياطين المؤتمرين المتقاسمين لمغنم الإعانات وأرباح الاستثمارات قد يظهرون في ثياب الملائكة المخلصين، الذين يسمحون بدوافع إنسانية، في تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين، حيث يستذلون ويسخرون ثم يتاجر بقضيتهم، مع إطلاق يد الإعلام في شحن الشعوب المستضيفة ضدهم، وتقطيع الأواصر بينهم. 

 هذا ما قد يكون فماذا يسعنا؟

باختصار يسعنا أن ندعم المقاومة وثبات أهل غزة بما يمكننا إن اختارت المقاومة بحكمها الممثل الشرعي للغزاويين ذلك، ويسعنا أن نضغط في سبيل توجه بلداننا نحو تحالفات شرقية صينية أو روسية تجعل مخاوف الإدارات الغربية في انفلات الأمر من يديها حقيقة، وما يرهبه الصهاينة من عواقب تصرف ترامب حقيقة، ويسعنا أكثر من ذلك أن نجعل استقرار المنطقة عسرًا على الأطماع التجارية والاستثمارات التي يصبو إليها الحلف الترامبي.

إذا حصل تعاضد على ذلك فسوف تخسر صفقة ترمب، وسوف تنتهي محاولته إلى الأبد بانتهاء فترة رئاسته، وسوف يعود الناس من صحراء التيه، وأقطار الأرض إلى ما تبقى من أرضهم وغرسهم وزيتونهم.

وهل خيار المقاومة هو الاجتهاد الأوحد؟ كلا قد تختار المقاومة فرًّا لكرٍّ، وخروجًا لعودة قوية خلال فرصة مواتية، أو بعد انقضاء نفوذ تجار الحروب وذهاب أصحاب الأطماع الاستثمارية والرأسمالية وزوالهم عن سدة أمريكا.. لكن التصريحات الراهنة تصب في الاتجاه الأول، وهذا هو الواجب المتفهم خلال هذه المرحلة، لكن تطور الأحداث قد يظهر خيارات أخرى يجب أن توضع في الحسبان، وفي كل ذلك يجب ألا نفتئت على من في أرض الواقع، فأهل مكة أدرى بشعابها، وتطورات الأوضاع وديناميكية الخارطة السياسية تقتضي أن تترك الخيارات لهم مفتوحة، ولا سيما مع علم المقاومة وجوب استشارة أهل الرأي وعملها بذلك.

ولا يبعد أن يتوزع الناس فريقان.

وقد ينسقون وقد يختلفون.

والمهم أن يعذر بعضهم بعضًا، وأن يُعِدَّ الجميعُ العُدَّةَ، لسانحة ربما تظهر، كما ظهرت في الشام!

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ‌وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾  [سورة الأنفال/ الآية 30].. وتذكروا لم تظهر صورة ما قصته الآية كاملة إلاّ بعد عقد كامل من الأحداث! ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى ‌أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة يوسف/ الآية 21].