تناقلت بعض الوسائل والوسائط فتوى المفتي الجديد لبلادنا السعودية في زيارة الآثار الفرعونية، والفتوى قديمة لكنها أُخرجت ووُظِّفت في حادث افتتاح المتحف الفرعوني الجديد بمصر، وعند كثير من السفهاء جاء ذلك في سياق المناكفة بين شعوب المنطقة، لا رغبة في حقٍّ، ولا رغبة عن باطل! بل كلمات حقٍّ أرادوا بها الباطل!
والمهم في تلك الفتوى المشار إليها إنكار زيارة تلك الآثار تعظيمًا واعتزازًا كما يفعله كثير من الجهلاء، وهذا حقٌّ، فإن الفراعنة لم تكن لهم أخلاق وقيم تميزوا بها أقرتها العقول والشرائع ليُفخر بها، كما كان عند العرب من بقايا الحنيفية؛ كالكرم، والنجدة، والغيرة، والأنفة… بل كان فيهم الطغيان، وغدا الفرعون علمًا على الظلم والتسلُّط والجبروت، فإذا جاء ذكر فرعون في القرآن جاء الظلم والاستكبار والاستعلاء بالملك على أمر الرسل (وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [سورة الزخرف، آية: ٥١].
ما أقبح أن تكفر نعم الله، فيظن من وليها ألا حكم إلا حكمه! وما قيمة الفخر بطين وأحجار وبناء شيد لتمجيد الفسقة الظلمة! أو شيدوه لحاجاتهم! أو تحف وتماثيل وأبنية سرف لغير حاجة ولا فائدة سخروا لها الناس عبيدًا! كالأهرامات!
ومن جنس تعظيم الناس لهذا، تعظيمهم لأشياء ترى كثيرًا من الناس يعظمونها اليوم لدى الغرب أو الشرق، كتماثيل الرومان، بل وما شادته في هذا العصر دول الاستكبار والعدوان، ترى المسلم ضعيف النفس، قليل الإيمان، مهزوز الأصول، ينظر إليها وإلى من شادها بإكبار، مع ما يفعله من شادها بها، ويسخرها فيه من حرب لله ولدينه ولرسوله صلى الله عليه وسلم..
ومن المهازل الدارجة اليوم التي يفرح بها مهازيل النفوس صورة عند برج إيڨل، أو لقطة يظهر فيها تمثال الحرية! فالافتتان بالغرب العلماني اللا أخلاقي اليوم من جنس الافتتان بالفراعنة أو العرب البائدة!
ما أقبح أن تكفر نعم الله، فيظن من وليها ألا حكم إلا حكمه! وما قيمة الفخر بطين وأحجار وبناء شيد لتمجيد الفسقة الظلمة! أو شيدوه لحاجاتهم! أو تحف وتماثيل وأبنية سرف لغير حاجة ولا فائدة سخروا لها الناس عبيدًا! كالأهرامات!
إن من انتكاس العقول أن يترك مسلمون الاعتبار الذي أمرهم الله به، ويفتتنوا بضده، فالله عز وجل يقول: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [سورة الروم، الآية: ٩]… فبدلاً من أن يتعظوا بعاقبة أولئك الشداد الجبارين المتكبرين، الذين شادوا الأرض وعمروها قبلهم، افتتنوا بصنيعهم فعظموهم! وكان موضع عبرتهم وإعجابهم أنهم أثاروا الأرض وعمروها! وأغفلوا موضع العبرة!
ولله ما أقبح قول شوقي حيث يقول في قصيدته توت عنخ آمون:
ولست بقائلٍ ظالموا وجاروا
على الأُجَرَاء أو منعوا القطينا!
فإنا لم نوقَّ النقصَ حتى
نُطالِبَ بالكمال الأولينا!
وهل ترْكُ الجور والظلم واستعباد الخلق ترفٌ من كمال! ألا يستحي عاقل من تزويقه! وتسويغ ترك إنكاره!
انظر البون بينه وبين الجاهلي الذي يعارضه، لترى فرق ما بين السماء والأرض حيث يقول عمرو بن كلثوم:
بِأيِّ مَشِيْئَةٍ عَمْرو بْنَ هِنْدٍ
نَكُوْنُ لِقَيْلِكُمْ فِيْهَا قَطِيْنَا
إِذَا مَا المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفًا
أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الذُّلَّ فِيْنَا
في أبيات تنضح عزة قالها ذلك الجاهلي.
ولئن كان شوقي شان قصيدته بتمجيد طغاة هالكين فقد أحسن آخرها حيث يقول:
زمان الفرد يا فرعون ولّى
ودالت دولةُ المتجبرينا!
وأصبحت الرعاة بكل أرضٍ
على حكم الرعيِّة نازلينا
وصدق الله عزَّ وجلَّ القائل: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) [سورة القصص، الآية: ٥].
وعودًا إلى فتوى المفتي فإن من جنس ما أنكره الشيخ الفوزان وفقه الله، وقد استدل به في الفتوى المتداولة نفسها، والمبتور آخرها! وهو زيارة مدائن صالح، وهم قوم ثمود، أصحاب الحجر، في منطقة العلا، فقد جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تَدْخُلُوا علَى هَؤُلَاءِ القَوْمِ إلَّا أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فإنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فلا تَدْخُلُوا عليهم؛ أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أصَابَهُمْ”.
فلا فرق بين ما يحتفي به السيسي من أمر المتحف الفرعوني، وبين ما يحتفي به ابن سلمان من أمر العلا ومدائن صالح، بل شأن هذه أشد لكونها ديار عذاب حلت بها النقمة. قد يكون في زيارة غيرها للفضول والفرجة فسحة بخلاف هذه!
وأيًّا ما كان فإن ما استدل به الشيخ الفوزان في الاحتفاء والتعظيم لآثار الفراعنة والأهرام منصوص في ما يعظمه ويحتفي به ابن سلمان، يشمل حكمُه ما يعظمه ويحتفي به السيسي!
فأي معنى بعد ذلك وأي فضيلة للمراغمة بين شعبين بينهما أخوة الدين وروابط الدم والنسب والصهر! فما بينهما أكبر مما بينها وبين تاريخ غابر بائد! وجريمةُ الفخر والتعظيم المحرم الذي يعلي من شأنه ساستهما بذلك التاريخ البائد واحدة!
وكثير من الشعوب – مع الأسف- مستخفة! تُقحم في حرب غير حربها، وإلا فما علاقتنا نحن العرب الباقية بتلك العرب البائدة؟! كذَّبوا بالحقِّ لمَّا جاءهم، وعارضوا أمر الرسل، (فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ ) [سورة الحاقة، آية: ٧]. (فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا) [سورة الإسراء، من الآية: ١٠٣]، أغرقهم ليجعلهم مثلًا للآخرين فافتتن قوم بهم!
فلا فرق بين ما يحتفي به السيسي من أمر المتحف الفرعوني، وبين ما يحتفي به ابن سلمان من أمر العلا ومدائن صالح، بل شأن هذه أشد لكونها ديار عذاب حلت بها النقمة. قد يكون في زيارة غيرها للفضول والفرجة فسحة بخلاف هذه!
انظر كيف قرن الله في الذم بينهم، وكيف يعظمهم من خَلَفَهُم -بعد أجيال نسيت الأمر الأول- في حكم البلاد، ويستهلكون الشعوب في التعصب لهم، يُذهِبونَهم في غير مذاهبهم، ويُهلكونهم في قضايا غير قضاياهم!
ما علاقتنا بثمود وما تركوا! وما علاقة المصريين بأولئك الفراعنة! (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) [سورة مريم، من الآية: ٩٨].
هل رأيتم في أعمدة النسب من يعود أصله إلى فرعون أو هامان! أفيعلي مسلم من شأن من قال الله تعالى فيه: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) [سورة هود، الآيتين: ٩٨-٩٩].
لا عجب أن يريد لعين أو شيطان رجيم رفع شأن ملاعين! لكن العجب أن تستغل في ذلك شعوب لا ناقة لها في ذلك ولا جمل! لو كانوا في عصر أولئك لكانوا من القَطين، أو المستضعفين الذين يُسامون العذاب الأليم، حقيق بهم أن يفرحوا لهلاك زبانيتهم لا أن يستخفهم خلفهم، ويحملوهم على التمجيد لأسلافهم من الزبانية المتجبرين!
إنه استخفاف الشعوب، وقلب الموازين، وتنكيس المفاهيم، لتفخر الأمة بغير مَفْخَر، وتعظِّم المجرم بما لا يستحق به التعظيم، ومن ثم يبقى استعبادها وتسخيرها ما بقي سَحْر عقولها، وتلويث مفاهيمها!
فهل تعي الشعوب ذلك؟! وهل تفهم ما يكاد لها ويراد بها؟! وتعلم مصدر العزِّ والافتخار في حضارتها وتراثها؟!
أرجو أن يأتي يوم لذلك، وعسى أن يكون قريبًا..