السلفية التاريخانية والتأويل الوظيفي! (1)

التاريخية Historicism والتاريخانية  Historicity/Historicism والتاريخانية أو التاريخية الجديدة New Historicism كلمات تعبر عن اصطلاحات لأفكار بينها تقارب واختلافات لست بصدد التطويل فيها.

لكنها تتفق على أثر التاريخ في فهم النص تثبيتًا لدلالته المرادة وتشكيكًا فيها.

التاريخانية تفسر النص في سياقه التاريخي، وأشعرت التاريخانية الجديدة بنقض جوهر التاريخية؛ إذ فتحت الباب للتشكيك في التاريخ نفسه، فقد يكون مصنوعًا أو مزورًا، وقد يكون للسياسي أثره في صناعة النصوص، وتزوير صحائف الوقائع الذي غدا تاريخًا يُقرأ ويُدرَّس ليصنع واقعًا معاصرًا يستمد شرعيته من تاريخ مزيف، كمن يثبت ملكية عقار بوثيقة مزورة بعد إعدام الصكوك الأصلية.

والنتيجة في كليهما أن للنص قراءات مختلفة بحسب حقبته، هي في الحقيقة تأويلات تعبر عن وجهات نظر، لكن معايير التأويل تتفاوت ما بين التاريخية وما بعد التاريخانية.

وهذا بالنسبة للنصوص البشرية معقول على المذهبين، وإن كان ذلك في حدود فللحقيقة معالم، وللحق بريق، لكن قد يروج خلاف ذلك مدة، لكن تبقى النصوص البشرية غير محفوظة ولا من التحريف ولا من التأويل، وكذلك سلوك تلك المسالك معقول مطلقًا في كل نص يعرض للعقلية الإلحادية، التي لا تؤمن بنص منزل ولا مقدس، جاء إلى هذا العالم من خارجه، لغير ذلك العالم ويعيد تشكيله وصناعته.

بل هو متصور نوعًا ما حتى في العقلية التوراتية والإنجيلية، فهما بحكم عدم عمومهما للأزمان، لم تردا لنقل الناس إلى الكمال الأسمى اللائق بهم مطلقًا، بل جاءت الشريعتان لمعالجة حقب وأقوام.

بل لا يعني ذلك أن التاريخ أو الواقع لا أثر له على نصوص الشريعة الإسلامية، ولا أنها متجردة عن العلاقة بالواقع الذي نزلت فيه، أو كان سببًا لصدورها، وهذا لم يغفله العلماء، بل حرَّروه غاية التحرير ضمن بحوث تنقيح المناط، وتحقيقه في أحكامهم، وطرق تخريجه، ودلالة اللفظ الوارد على السبب، بعبارة أخرى أصول الفقه بشقيها في بحوث: دلالات الألفاظ، والقياس لم تغفل ذلك.

وهذا بالنسبة للنصوص البشرية معقول على المذهبين، وإن كان ذلك في حدود فللحقيقة معالم، وللحق بريق، لكن قد يروج خلاف ذلك مدة، لكن تبقى النصوص البشرية غير محفوظة ولا من التحريف ولا من التأويل، وكذلك سلوك تلك المسالك معقول مطلقًا في كل نص يعرض للعقلية الإلحادية، التي لا تؤمن بنص منزل ولا مقدس، جاء إلى هذا العالم من خارجه، لغير ذلك العالم ويعيد تشكيله وصناعته.

لكن النص المنزل في شريعتنا حبل الله، وهو كطوق النجاة، بل هو حبل النجاة الذي يرفع من تمسكوا به إلى ما يليق بهم من المواضع المثلى، وينتشلهم من الأوحال والأوضار.

والمهم فإن نصوص الشريعة صانعة للتاريخ موجِبة منتجةٌ في الواقع، غير ناتجة أو منتجة عن أحداث التاريخ مختلقة تاريخيًّا أو متحكمٍ فيها من قبل سادة تلك الحقب!

براهين صحة ما ثبت منها ودلائل صدقها كثيرة، قراءتها واحدة في كل حقبة، فالخطيئة بالأمس هي الخطيئة اليوم، والحسنة قبل ألف وأربعمائة سنة هي اليوم حسنة! والحكم قديمًا هو الحكم حديثًا متى تحقق مناطه الذي أثر قديمًا، أو تناولته الدلالة اللفظية أو المعقولة.

فلم تزل نصوص الشريعة حقائق ثابتة تبين أحكام الوقائع المتغيرة، وتكشف عن وجه الحق فيها، وتبهرج الباطل مهما زوِّق، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: 18]، ﴿وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ ۚ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: 81].

لكن النص المنزل في شريعتنا حبل الله، وهو كطوق النجاة، بل هو حبل النجاة الذي يرفع من تمسكوا به إلى ما يليق بهم من المواضع المثلى، وينتشلهم من الأوحال والأوضار.

والناظر في مناهج التاريخ التي تدرس منذ عقود في عالمنا الإسلامي يجد التزوير والزبرقة والبهرجة تارة لمعنى قبيح! والتقبيح تارة والتبشيع والتشنيع لمعاني مقبولة! وفيها تزويق ظلم كانت ترفضه المجتمعات، وربما كان يسمى إرهابًا! ولا يستحي من يدافع عن ذلك بما يقع فيه من التلفيق والتناقض، فيقبح في موضع ما يفخر به ويحسنه في آخر، وينكر في موضع ما يقر به ولا يتمعر وجهه ولا يتغير قلبه في موضع آخر!

والمهم أن التواريخ قد تُزور، وقد يروج هذا التزوير مدة حياة الدولة، ويُقمع كل من يتكلم بالحقيقة، ولكنها لا تختفي بالكلية، وسوف تعود!

على سبيل الفرض والتقدير:

تصور لو أن الثورة السورية فشلت في الإطاحة بنظام بشار، وتمكن هو من قمعها، كيف سيكون أثر ذلك في المقررات النظامية؟ سوف تغدو من إنجازات الكلب المذاعة بين الشعب: كسْرُ فخامته لإرادة الخارج، وتحطيمه للمؤامرة، وقضاؤه على الإرهاب، وتقويض جهود إسرائيل، وتأمينه المواطنين… إلخ.. ومن ثاروا عليه مجرمون، ومجموعة إرهابيين، ومُغرَّر بهم.

ثم ربما درس هذا جيلٌ وهو يعي كذب ذلك، ثم بعد جيلين أو ثلاثة تصبح عند الأكثر حقيقة تاريخية، من بطولات الكلب وإنجازاته! ولكن سوف يبقى تحت ذلك الركام ضرام كالذي بقي مدَّة حافظ ثم يتقد يومًا ثم تكون العاقبة أن يحرق ذلك الظالم وما بناه، ويترحم على من ثار عليه ويعرف أنه مات في سبيل دفاعه عن حقوقه مظلومًا.. ثم يكون مآل من صُنِّم وقُدِّس مآل قبر حافظ!

وقد كان السادات زمانًا عند الناس بطل الحرب والسلام! حاز جائزة نوبل! وهو الذي سلم غزة للعدو طواعية، وحيّد سيناء! ورهن سلاح مصر وقراراتها لأم إسرائيل أمريكا بجعلها وكيل التمويل بالسلاح والعتاد العسكري وغير ذلك.

وكان أتاتورك أبا الترك مدة، ورمز تركيا الحديثة، وحقيقته أنه تمكن من جعلها دويلة بعد أن كانت خلافة تحكم العالم.

نعم كانت الرجل المريض بفعل إخوانه، ثم كان هو الطبيب الذي قتل الرجل المريض!

وكان هذا مما يحرم أن يقال في بلاد الترك، ثم ظهر بينهم اليوم من يتكلم بالحق في شأن الرجل بين الأتراك دع من سواهم.

والمقصود أن تزوير التاريخ، يكون مدة ولا يدوم، فلابد لسلطان الحق من الظهور.

ولا بُـدَّ لِلَّيْلِ أنْ يَنْجَلِي

وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِر

وقد كان السادات زمانًا عند الناس بطل الحرب والسلام! حاز جائزة نوبل! وهو الذي سلم غزة للعدو طواعية، وحيّد سيناء! ورهن سلاح مصر وقراراتها لأم إسرائيل أمريكا بجعلها وكيل التمويل بالسلاح والعتاد العسكري وغير ذلك.

والمهم الذي يجب التنبيه عليه ما يصحب تلك التقلبات من آراء تأويلية للشريعة، تحرف الأحكام، لتتناغم مع الواقع، ولتشرع للمتغلبين المتحكمين فيه!

وهذا النوع من التأويل الباطل للشرع لا يكاد يلتفت إليه من ينعون على المؤولة والمعطلة في العقائد! بينما تجد أحدهم منتسبًا للسلف، ويمارس التأويل الباطل للنصوص بحسب الحقبة، ويضطرب فيه اضطرابًا عظيمًا!

والشرع هو الشرع، والنص هو النص، لكنه في تاريخ ما كانت له دلالة عند التاريخانيين السلفيين، وفي تاريخ آخر كانت له دلالة أخرى!

ولنأت لبيان ذلك من واقعنا!

على سبيل ماذا فعل الملك عبد العزيز؟

هل تدري أن من بطولاته التي تدرس بجانب طاعة ولي الأمر، وحرمة الخروج عليه، والتي يصنف السلفيون التاريخانيون المتظلم المعارض المطالب بحقه أو المدافع عن بيته وأرضه بالخارجي كلب النار! بجوار ذلك تدرس بطولته يوم دخل الرياض في عصابة من قومه، ومن أطاعهم من البادية، وتربص حتى خرج الوالي الشرعي بالمعايير السلفية من حصنه، فصارع بنفسه الأمير ابن عجلان محمد العجلان الذي أُخذ على حين غرة وبغير استعداد، فأطلق عليه هذا الرصاص، ثم أتبعه ابن عمه ابن جلوي، فأطلق عليه النار حتى أردى الحاكم الشرعي من قبل ابن رشيد صريعًا وهو داخل على قصره، مستجيرًا بحصنه! اغتيال على حين غفلة!

ما حكم هذا في معيار النصوص؟

وهل يتعامل معه أدعياء السلفية من غلاة الطاعة اليوم بالمعيار الذي يتعاملون به مع من وظفهم لحرب الإخوان أو من يسمونهم بالإخوان والسرورية والإسلاموية وهلم جرًّا؟

هل يتعاملون معه كما يتعاملون مع الحويطي الذي قتل رحمه الله مدافعًا عن بيته وأرضه! ومن قبله عبد الله الحضيف الذي قتل لما رد كرامته! وبينهما سقط أناسي كثير! دافعوا عن أنفسهم، أو حاولوا استرداد حقوق هي لهم!

هذا وللحديث بقية.