تقدَّم نموذج لتناقض السلفية التأويلية الوظيفية، فأنت واجد لهم مسلك تعظيم لأحداث تاريخية كثيرة، يحطون على آخرين إذا بدرت منهم أمثالها بل ما هو دونها، دفعًا عن حقوقهم أو موتًا في سبيلها!
وهنا أذكر مثالًا آخر يجتمع فيه تأويل النصوص بتعطيل بعض الكتاب، والجمود على بعضه، مع تأويل التاريخ وتزويره!
ومن ذلك أنك تجد هؤلاء يظهرون في بلاد نجد والسعودية عمومًا تعظيم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ودعوته، وكذلك يعظمون ابن سعود، ويسمونه الإمام، وكل سيرته قتال استولى به على إمارات وولايات ودول كانت منتشرة في الجزيرة العربية، وكان أهلها مسلمين ما ارتدوا قط، بل كانت عاصمة الردة التي حسمها الصدِّيق رضي الله عنه في حدود دولة الدرعية، بجوار العيينة في الجبيلة! وبعدها لم تعرف جزيرة العرب ردة عامة في القبائل والإمارات والولايات التي كانت على الحواضر والقرى أو بواديها.
نعم كانت مظاهر الشرك منتشرة، والناس ما بين مُهوِّل لها ومُهوِّن منها، لكنها لم تكن ولن تكون بأشد منها في البلدان والأصقاع الأبعد، لن تكون بأشد منها في مصر واليمن والعراق والسودان!
ومن دلائل ذلك أنهم قاتلوا الترك، ومحمد علي، وانتزعوا أراضي كانت تحت سلطانهم، وعدّوا أهلها أو ولاتها مشركين ظالمين، والذريعة واحدة، وهؤلاء الترك أو المصريين أو أحلافهم هم هم في ولاياتهم بأرض الجزيرة أو أرجاء العالم الإسلامي! وقد بقي ما كان في تلك البلدان حتى اليوم، والأصل بقاء ما كان على ما كان.
والذي يقرأ هموم الشيخ محمد بن عبدالوهاب في كتاب التوحيد وأبوابه يجد صورًا وتطبيقات لعامة ما رآه وحذر منه وأكثر منه ونحوه في بلاد الإسلام لم تختص به نجد ولا الحجاز بل هو أظهر في غيرهما قديمًا وحديثًا!
وكاتب هذه الأسطر لا إشكالية عنده مع مسلك الشيخ محمد، واجتثاثه الفساد بحد السيف، ما قَدِر على ذلك ولم يمكن بما دونه، كما لم تكن له مشكلة مع الجولاني! ولا مع أي مصلح حريص على الحقوق أو ثائر حاول نيلها فنجح أو أخفق! إلا أنه يطَّرد فيترحم عليه إن أخفق ولا يلعنه ويسبه كما يفعل الوظيفيّون! ولا يجرمه ويحاربه أثناء محاولته كما يفعل أعوان الظالمين! وإن كان يسدي إليه النصيحة إذا رأى المصلحة في الصبر وذلك لئلا يتضرر المُحقُّ أو أبرياء آخرون لا لحبٍّ في ظالمه أو تأييد له بل مع ٌنكار على الظالم ووعظ له.. ولا يغالط فيعكس صورة الضحية والجلاد فضلاً عن أن يقف مع الجلاد أو يكون له سوطًا!
وحسبه أن يكون الظلم أو الفساد ممتنعًا متظاهرًا عليه ليسوغ ذلك إنكاره العلني، وجهاده جهادًا كبيرًا بحسبه، وحسب قدرته، سواء أكان فسادًا عقديًا أم أخلاقيًا أم ماليًا! وإنما يحتاج إلى شرعنة ذلك بتكفير للمجتمعات وولاتها، وتعظيم لمن هم معه أمثال هؤلاء السلفية التاريخانيون الوظيفيون المتناقضون!
والمقصود بيان تناقض السلفية الوظيفية التأويلية النابتة في بلادنا السعودية تحت مسميات شتى مدخلية أو جامية أو أمنية محضة أو نفعية أخرى، وتشظيات وأطياف وأخلاط شتى من نحوها.
فترى عامَّتهم يظهرون تعظيم ابن سعود الإمام، وعبد العزيز الملك، وابن عبد الوهاب شيخ الإسلام، بينما يقدحون في المجاهدين الذين سلكوا ما سلك أولئك في بلدان لا أقول منكراتها مشابهة لحال الجزيرة قديمًا، بل أشد، بل ربما تسلط عليها رافضيٌّ إماميٌّ، بل ربما نصيريٌّ أو علويٌّ أخبث، بل ربما احتلها كافر أصلي نصراني أو يهودي أو هندوسي أو بوذي! ويكفي في ذلك أن الظالم المتسلط ممتنع عن شريعة، متظاهرًا بمحرم من أكل للحقوق أو هضم للناس الذين نصب لإقامة مصالحهم فكل ما كان موجبًا لفسقه فهو مسوغ لعزله مع القدرة، ومتى تيسرت الأسباب.
أما أطياف السلفية الوظيفية فتعارض المجاهدين والمنكرين والمطالبين بالحق، بل ربما تقاتلهم باللسان والسنان كما يفعل من يتولون حفتر ليبيا! ثم يجعلون من سل لسانه مجاهدًا به؛ مصلحًا أو داعيةً أو مطالبًا بالحق، أو منكرًا للمنكر خارجيًا وصوليًا يريد الحكم! وكأن المتشبث بالكرسي الذي يحركهم ناسك في صومعة! وكأنهم يوم أيدوه في صنيعه بالأمس مجاهدًا فاتحًا في أوروبا!
ومنهجهم المطَّرد اعتساف النصوص من جهة، واعتساف التاريخ أو الواقع من جهة أخرى؛ لتصحيح أفاعيل ولاة يفعلون الشيء وضده في سبيل قيام حكوماتهم!
فترى عامَّتهم يظهرون تعظيم ابن سعود الإمام، وعبد العزيز الملك، وابن عبد الوهاب شيخ الإسلام، بينما يقدحون في المجاهدين الذين سلكوا ما سلك أولئك في بلدان لا أقول منكراتها مشابهة لحال الجزيرة قديمًا، بل أشد، بل ربما تسلط عليها رافضيٌّ إماميٌّ، بل ربما نصيريٌّ أو علويٌّ أخبث، بل ربما احتلها كافر أصلي نصراني أو يهودي أو هندوسي أو بوذي! ويكفي في ذلك أن الظالم المتسلط ممتنع عن شريعة، متظاهرًا بمحرم من أكل للحقوق أو هضم للناس الذين نصب لإقامة مصالحهم فكل ما كان موجبًا لفسقه فهو مسوغ لعزله مع القدرة، ومتى تيسرت الأسباب.
فتجدهم يجمدون على ظاهر نصوص طاعة الولاة، والمتغلب، والحاكم اليوم، ويعارضون بها أو يلغون نصوص الجهاد، والإنكار، وما يقيد الطاعة بالمعروف، وما يفيد جواز عزل المفسد غير الصالح!
وليتهم جعلوا الخلاف في إطار مصلحي اجتهادي يختلف الناس في تقديره! كلا بل هي عقيدة متناقضة: فإما أنت سلفي، وإما أنت خارجي! ومَن بالأمس الذي حاربه ولي أمرهم: إما مشرك، وإما مجاهد! والذي يقاتل الزيدي في اليمن مجاهد، والذي يثور على النصيري في الشام خارجي!
ولأجل ستر ذلك التناقض وتحسين واقع من يوظفهم تزوّر الوقائع بتسليط المجهر على أفعال واجبة تقوم بها الدولة على عجر وبجر، كبذل بعض الواجب من الإغاثة لمنكوبين، أو كسقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام، فيجعلونها بذلك دولة عدل، وسلطان حق، خيرًا ممن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل!
أما أطياف السلفية الوظيفية فتعارض المجاهدين والمنكرين والمطالبين بالحق، بل ربما تقاتلهم باللسان والسنان كما يفعل من يتولون حفتر ليبيا! ثم يجعلون من سل لسانه مجاهدًا به؛ مصلحًا أو داعيةً أو مطالبًا بالحق، أو منكرًا للمنكر خارجيًا وصوليًا يريد الحكم! وكأن المتشبث بالكرسي الذي يحركهم ناسك في صومعة! وكأنهم يوم أيدوه في صنيعه بالأمس مجاهدًا فاتحًا في أوروبا!
ويُحسِّنون في أثناء ذلك ما ليس بالحسن من الوقائع، فما يذهب للمؤسسات والمنظمات المتصلة بالأمم المتحدة والأجهزة الدولية يعدونه إغاثة وصدقة في موضعها وضعت!
وتقييد السقاية بمشروع، وقفل زمزم وتضييق منافذها، من الترتيب الإداري المشكور!
ومصادرة الأملاك والتوسع في بنيان الحرم من عمارة المسجد المشكورة! بينما تسمع عن بعض أهل الورع من لا يصلي في توسعة الملك عبد الله لكونه يرى فيها أملاكًا مغصوبة! وآخر يتعنى لئلا يسعى خارج حدود ما يعتقد أنه المسعى! والذي ضيقوا على المسلمين بتوسيعه هكذا، وكان يمكن أن يتسع أفقهم لاستيعاب الخلاف بجعل كل قسم من المسعيين فيه اتجاه للصفا وآخر للمروة، فتكون فيه أربعة مسارات، ولكنها عقلية ما أريكم إلا ما أرى!
فهذه طريقتهم في الواقع، وتلك طريقتهم مع أحداث التاريخ! يجمدون على نصوص تكفير تارك التوحيد، ويعظمون أمر الجهاد الذي يجرمونه اليوم! ويغفلون نصوص تحريم الدماء، وطاعة الولاة والأمراء، كما يغفلونها اليوم إذا حكم صالح في بعض البلدان يبغضه ولاتهم؛ كما فعلوا مع مرسي، وفعلوا مع حكومة الشرعية في ليبيا، وفعلوا مع البشير في السودان حتى سقط!
ويزيدون من تقبيح الواقع التاريخي حتى يسوغوا لمن يوالون ما كان من أمر سفكه للدماء، وتسوره للملك، وذبحه من ذبح في سبيل ذلك! كما يفعلون في الواقع المعاصر في حق من وظفوا لحربه!
فهم تاريخانية يختارون نصًا فيجمدون عليه ثم يستعملونه في زمان، دون زمان! ويعتسوف النصوص المقيدة له، أو التي بينها وبينه صلة من عموم وخصوص كلي أو وجهي أو غير ذلك، فتراهم يهدرونها! بالإغفال والتأويل.
استعملوا نصوص الجهاد والإنكار والتكفير قديمًا مع ابن سعود الكبير، ثم لما فسد الحكم من قبل ابن سعود الصغير اليوم فنشر الفسق، وأقرَّ الربا، واستثمر فيه، ووالى النصارى، وسجن المصلحين، وأحيا مواسم الجاهلية الأولى، وأقام الأعياد البدعية، وحمل الناس على طاعة الكبراء والأمراء في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل وشرع بتأويل فاسد! أغفلوا ما سبق مع ابن سعود الكبير، وبقي عندهم مع ذلك الصغير هو الحاكم الشرعي، لا يجوز عزله، ولا تفسيقه فضلًا عن تكفيره، ويجب السمع له، وتجب الطاعة وإن “خرج على شاشة التلفاز يزني كل يوم نصف ساعة”! ،هكذا تارة نحو الإرجاء يشِطّون، وتارة نحو التكفير! بل المرجئة والتكفيريين خير من أهل الأهواء هؤلاء؛ لاطرادهم مع شبهتهم التي أوجبت بدعتهم، ولتلون هؤلاء!
والمقصود أنك تجد في مسلك هؤلاء تجميل التاريخ أو الواقع القبيح المشتمل على قبح، وتجد تشويه التاريخ المُشرق أو المحتمل تارة أخرى، كما تجد جمودًا على بعض الشرع، وإغفالًا لبعضه حينًا، وجمودًا وتحجرًا على بعضه حينًا! والنتيجة ضرب الحق ببعض الحق! وهي سياسة قديمة مارسها أعداء الملة بعهد النبوة:
قالوا غَزَوتَ وَرُسلُ اللَهِ ما بُعِثوا
لِقَتلِ نَفسٍ وَلا جاؤوا لِسَفكِ دَمِ
جَهلٌ وَتَضليلُ أَحلامٍ وَسَفسَطَةٌ
فَتَحتَ بِالسَيفِ بَعدَ الفَتحِ بِالقَلَمِ
لَمّا أَتى لَكَ عَفواً كُلُّ ذي حَسَبٍ
تَكَفَّلَ السَيفُ بِالجُهّالِ وَالعَمَمِ
وَالشَرُّ إِن تَلقَهُ بِالخَيرِ ضِقتَ بِهِ
ذَرعاً وَإِن تَلقَهُ بِالشَرِّ يَنحَسِمِ
وكذلك قُل في العهود بعده.
جاء الصديق وأنفذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام متأولون وظيفيون وقالوا: ذلك خاص بالعهد الأول، والنبي الأكرم، وليس أبو بكر بنبي لندفع له الأموال، وظن بعضهم أن هؤلاء ليسوا كمسيلمة ومن تبعه على النبوة في حكم القتال وأن “لا إله إلا الله” تمنعهم!
استعملوا نصوص الجهاد والإنكار والتكفير قديمًا مع ابن سعود الكبير، ثم لما فسد الحكم من قبل ابن سعود الصغير اليوم فنشر الفسق، وأقرَّ الربا، واستثمر فيه، ووالى النصارى، وسجن المصلحين، وأحيا مواسم الجاهلية الأولى، وأقام الأعياد البدعية، وحمل الناس على طاعة الكبراء والأمراء في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل وشرع بتأويل فاسد! أغفلوا ما سبق مع ابن سعود الكبير، وبقي عندهم مع ذلك الصغير هو الحاكم الشرعي، لا يجوز عزله، ولا تفسيقه فضلًا عن تكفيره، ويجب السمع له، وتجب الطاعة وإن “خرج على شاشة التلفاز يزني كل يوم نصف ساعة”! ،هكذا تارة نحو الإرجاء يشِطّون، وتارة نحو التكفير! بل المرجئة والتكفيريين خير من أهل الأهواء هؤلاء؛ لاطرادهم مع شبهتهم التي أوجبت بدعتهم، ولتلون هؤلاء!
وكان أهل الردة أول من استعمل المنهج التاريخي لمعارضة النصوص، وحبسها ضمن نطاق تاريخ مضى، وحاولوا سلبها روحها بعد ذلك العهد، ومضي ذلك الزمان، فالزمان ليس زمانها، والأوان أوان غيرها!
ألم يقل شاعرهم في منع خليفة قريش الصدقة:
أَطَعنا رَسولَ اللَهِ إِذ كانَ صادِقاً
فَيا عَجَباً ما بالُ دينِ أَبي بَكرِ!
أيورِثُها بَكراً إِذا ماتَ بَعدَهُ
فَتِلكَ لعَمْرو اللَهِ قاصِمَةُ الظَهرِ
أَبَوا غَيرَ ضَربٍ يَجثُمُ الهامُ وَسطَهُ
وَطَعنٍ كَأَفواهِ المُزَقَّقَةِ الحُمرِ
فَقوموا وَلا تُعطوا اللِئامَ مَقادَةً
وَقوموا وَإِن كانَ القِيامُ عَلى الجَمرِ
فقال الصديق: “واللَّهِ لو مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلى رَسولِ الله صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ علَى مَنْعِهِ” متفق عليه، وصحح لمن قال من الفضلاء: “كيف تُقاتِلُ النَّاسَ وقد قالوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ”! وبين لهم الصدِّيق حقها، الذي يغفله اليوم هؤلاء التأويليون في ولاة وأمراء استولوا على الأمر، وإنما وجبت طاعتهم في شرع الله لإقامة دين الله فحاربوه! والحقوق فانتهكوها! فوقف معهم أدعياء الشريعة هؤلاء!
وكما عصم الله بأبي بكر تحريف النصوص بالجمود على بعضها من فتنة التاريخانية الأولى! فكذلك اليوم يفعل الصديقون والشهداء والصالحون، (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) [سورة الأنبياء، الآية: ١٠٥]، والحديث ذو شجون!