تاريخيًّا كان يطلق هذا اللقب تنويهًا بمكان عالم جمع شرائط، إشعارًا بأنه اشتهر بالفتوى وأنه أهل لها، أو أنه وضعت لفتاواه القبول، فكان الناس يقصدونه في مسائلهم ونوازلهم الشرعية. ولهذا تجد في تراجمهم للأئمة كمالك أنه كان مفتي أهل بلده.
ومن مباحث كتب أصول الفقه ما يتعلق بالاجتهاد والتقليد، وشروط الفتوى والمفتين، ويذكرون شرائط للمفتي المستقل، وأخرى لمفتي المذهب، وتلك معايير علمية، يحكمها علماء المذاهب المتبوعة، لم تكن نظامًا تضعه الدولة، ومناصب تقلدها الناس، ولا شيئًا يأخذ عليه العلماء أجرًا. وإنما هو إقرار العلماء، وجهود تفرض نفسها، يتأهل لها من جمع شروط المفتين، و”شرط المفتي كونه مكلفًا مسلمًا وثقة مأمونًا متنزهًا عن أسباب الفسق وخوارم المروءة، فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط، متيقظًا” [المجموع، ١/٧٤ الطبعة المنيرية].
وهذه شروط عامة تندرج في كل واحدة منها شرائط وصفات، فصحيح التصرف والاستنباط هو من جمع شرائط علمية تكلم فيها العلماء قديمًا؛ فقال “الشافعي فيما رواه عنه الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه له: لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيِّه ومدنيِّه، وما أريد به، ويكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر وما يحتاج إليه للسنة والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي”، ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين في جملة نصوص أخرى للأئمة تتعلق بشرط من يفتي فلتنظر ثمة [الجزء ١، ص٣٧].
والمهم هو أن التأهل للإفتاء له شروطه عند العلماء، وعلى المفتي التزام آداب ذلك، وكان ذلك مما يقرره ويبحثه الأصوليون والفقهاء، ولم يكن اسم المفتي منصبًا يخلعه من شاء على من أراد!
ثم أحدث منصب المفتي مقيدًا بأغراض تتطلب تفرغًا للافتاء، فكان عملًا يُتولى، وكان أول الأمر مختصًّا بمواضع تكثر فيها الحاجة إلى من يبين للناس معاملاتهم ونوازلهم ومن ذلك منصب مفتي السوق؛ وممن ولي هذا المنصب محمد بن فيصل بن هذيل الحداد (ت:٣٢٧هـ)، ذكره ابن الفرضي في ترجمته في تاريخ علماء الأندلس ٢/٤٩.
وهكذا كانت ولايات جزئية لأسباب معقولة يحتاج فيها الناس إلى من يتفرغ عن المشاغل وينتصب لمسائلهم.. وتوسع ذلك شيئًا فشيئًا على المدن، وعلى المذاهب، وعلى المذاهب مقيدة بالمدن، وهكذا حتى أُحدث في الدولة العثمانية منصب المفتي العام، أو المفتي الأكبر، أو مفتي الديار العثمانية، وسُمي في عهد محمد الفاتح: شيخ الإسلام.
ثم انتقل ذلك إلى ولاياتها أو جهاتها فصار هناك منصب مفتي الديار المصرية، ومفتي تونس، وهكذا تعدد شيوخ الإسلام، والمهم أن شيخ الإسلام، والمفتي العام غدا منصبًا.. بعد أن كان شيخ الإسلام يطلق على أنحاء مختلفة ذكرها الإمام ابن ناصر الدين في الرد الوافر، وكانت تدور على توقير من عرفوا بأنواع من الفضل في الدين.
والمهم هو أن التأهل للإفتاء له شروطه عند العلماء، وعلى المفتي التزام آداب ذلك، وكان ذلك مما يقرره ويبحثه الأصوليون والفقهاء، ولم يكن اسم المفتي منصبًا يخلعه من شاء على من أراد!
أما قبل ذلك فقد كان المفتي من استجمع شرائط مقررة في كتب الأصول والفقه، تؤهله لأن يكون مفتيًّا في مذهب، أو مستقلًّا مجتهدًا مطلقًا، ثم هو قد يكون مفتيًّا في بلدة أو محلة أو مطلقًا.
أما ما تتابعت عليه الدول بعد العثمانيين من شأن المنصب فقد ينطبق على المختار له في حقيقة الأمر شرط المفتي عند الفقهاء، وقد لا ينطبق عليه لعدم جمعه الشرائط المقررة.. كما تراه اليوم في بعض البلدان، يقلدون منصب مفتي الجمهورية من لا دين له، خصيصته أنه يخرج أهواء الرؤساء ويفتي بما يوافقها، وقد أجمع العلماء على أن المقلد الذي يقلد مذهبًا معتبرًا ليس معدودًا في زمرة العلماء، فكيف بمفتٍ يتبع الأهواء؟! ويقلد فسقة جهالًا! (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [سورة القصص، من الآية: ٥٠].
ثم قد يكون بعض من ينصب مع رقة الديانة أو بدونها رقيق العلم، فلا كبير معرفة له! بل لو كان له دين فحقه عند الفقهاء أن يكون دون رتبة المقلدين! في عداد عوام المثقفين.والمقصود أن منصب المفتي العام منصب قد أحدث في العصور المتأخرة، وكان الغرض منه ضبط الفتوى، ضمن الحدود السلطانية.
وأقدم من ذلك في تاريخ الإسلام منصب مفتي المذهب، وكان كثيرًا ما يقيد بالمدن أو البلدان، وكثر نصب هؤلاء في العصور المتأخرة، فيقال: مفتي الشافعية وشيخ العلماء؛ كأحمد زيني دحلان شيخ علماء الحجاز في وقت من الأوقات، ومحمد الحبشي مفتي المالكية وسالم بن محمد أبو النجا السنهوري كذلك في مصر، ومن مفتي بلاد الشام الشيخ محمد عطا الكسم. وكان غرض ذلك ضبط الناس ضمن حدود مذاهبهم المقررة.
ثم قد يكون لهذا المنصب أثر في الدولة؛ فيؤخذ بقول المفتي في القضاء والحكم، وقد يشرف على المدرسين والأئمة، وتكون له يد في عزلهم وتعيينهم، وقد يكون تشريفًا لا يترتب عليه كبير أمر، لا عند العامة ولا الخاصة.
أما ما تتابعت عليه الدول بعد العثمانيين من شأن المنصب فقد ينطبق على المختار له في حقيقة الأمر شرط المفتي عند الفقهاء، وقد لا ينطبق عليه لعدم جمعه الشرائط المقررة.. كما تراه اليوم في بعض البلدان، يقلدون منصب مفتي الجمهورية من لا دين له، خصيصته أنه يخرج أهواء الرؤساء ويفتي بما يوافقها، وقد أجمع العلماء على أن المقلد الذي يقلد مذهبًا معتبرًا ليس معدودًا في زمرة العلماء، فكيف بمفتٍ يتبع الأهواء؟! ويقلد فسقة جهالًا! (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [سورة القصص، من الآية: ٥٠].
وأيما كان فقد كان القصد من هذا المنصب ضبط الفتوى، بنوع تحكم يعود إلى الحاكم، ولهذا غدا في العصور المتأخرة، في كثير من الأحيان أداة بيد السياسيين أو الحكام يضربون بها أو يقيدون ويحكمون من يخالفهم من أهل الفتوى.. ومن تأمل تاريخ الإسلام في أعصاره المختلفة وجد لذلك أمثلة متنوعة، لكنها كان حسبة تصادف أهواءً سلطانية، وهل قُتل البويطي وأُخذ أحمد وسجن إلّا بفتاوى مفتين وافقوا أهواء سلاطين! وهل سُجن ابن تيمية ومات في السجن إلّا بذلك؟! وهل قتل سيد قطب ومات في السجن الشيخ فهد القاضي والدكتور عبدالله الحامد والرئيس المصري مرسي إلّا جراء الاتكاء والاستعانة بذلك؟! بل إن الأمر تفاقم مؤخرا بعد تنظيم المنصب المتحكم فيه، فكل حكم قتل بظلم في كثير من الدول تعلم أن خلفه توقيع مفتي أو قاض بناء على رأي مفتي!
ولا يغدو منصب الإفتاء أداة لإنفاذ أهواء سلطانية فجأة بل انتقص من شروطه مع تعاقب الأجيال، وشيئًا فشيئًا يغدو أداة يُساق بها العامة نحو ما يريد مَن نَصب لهم ذلك المفتي، وأنت ترى في مطلع إعلام الموقعين توجع ابن القيم بين السطور من حال المفتين، وما غدو عليه من التعصب تقليدًا، فقادهم ذلك إلى الحكم بغير علم، فكيف لو رأى زماننا؟! حيث ينصب من يخرج الأهواء المحاربة للشريعة! فتطور الأمر من الفتوى بغير علم، إلى الفتوى بخلاف العلم والمقرر! وقد كان هذا المنصب أداة فعالة لجبابرة وطغاة، ولهذا لما جاء بعض المحتلين إلى بعض بلدان الإسلام، وبادروا في جملة حربهم على معالم الدين إلى إلغاء هذا المنصب ندموا بعدها، ومن ذلك ما ذكره أبو القاسم سعد الله من ندم الفرنسيين وغبائهم لما ألغوا المنصب العام، وكان بيدهم استغلاله كما يفعل غيرهم! فقال في تاريخ الجزائر الثقافي ٤/٣٥١:
“وقد أحس بعض الفرنسيين بالخطأ الذي ارتكبته بلادهم -في حق نفسها- بإلغائها وظيفة شيخ الإسلام، لأنه كان بإمكانه أن يفيدها في العالم الإسلامي، وأن يكون صاحب سلطة مركزية لأهل الدين في الجزائر، ومن خلاله كان يمكن لفرنسا أن تحصل على الفتاوى والآراء التي تحتاجها، كما كان يفعل حكام الدولة العثمانية ومصر والمغرب إلخ، إذ كان لهؤلاء مرجع في الشؤون الدينية، وأما في الجزائر فليس للديانة مرجع أو رأس منذ الاحتلال، فكل إمام أو مفتي أصبح مستقلًا في وظيفته في مسجده ولا يخضع إلا للسلطة الإدارية الفرنسية التي يقع مقر إقامته فيها، ومن رأي بعض الفرنسيين أيضًا أنه لو حافظت فرنسا منذ البداية على منصب شيخ الإسلام لما تطورت الحياة الدينية في الجزائر على النحو الذي تطورت به، من ظهور حركة الجهاد بقيادة الأشراف ورجال الطرق الصوفية والمرابطين، بطريقة فوضوية، ولو فعلت فرنسا ذلك لاستطاعت أيضًا أن تعزل مسلمي الجزائر… “.
ولا يغدو منصب الإفتاء أداة لإنفاذ أهواء سلطانية فجأة بل انتقص من شروطه مع تعاقب الأجيال، وشيئًا فشيئًا يغدو أداة يُساق بها العامة نحو ما يريد مَن نَصب لهم ذلك المفتي.
وقال: “إن المفتي في نظر الفرنسيين هو مجرد (رجل ديانة) ويحمل لقب المفتي شرفيًّا فقط، وهو لقب أعطته له فرنسا التي تختاره عادة من بين الأئمة البارزين، ويقول السيد لويس رين: إن لقب المفتي في البلاد الإسلامية يتجاوز لقب القاضي، ولكنه في الجزائر مجرد لقب شرفي.
وللمفتي دائرة تصرف محددة، فهو الذي يشرف على الأئمة في دائرته أو مدينته، وهو (رئيس الديانة) كما يقولون، وليس للمفتي يد على الإمام الواقع خارج المدينة أو الدائرة المحددة له، فالإمام هنا يصبح مستقلًّا تمامًا عن المفتي، ولا وجود لسلالم إدارية بينهما، لا دينيًّا ولا إداريًّا، وكل من المفتي والإمام تختاره السلطات الفرنسية مبدئيًّا من بين المتعلمين ومن بين الشخصيات التي انحازت للقضية الفرنسية، كما يقول رين” [المصدر السابق ص٣٥٢].