من العظائم التي ذكر أهل العلم أنه لا يقول بها مسلم، عظيمة أصبحت جارية اليوم على ألسنة غلاة الطاعة المعاصرين، الذين انتحلوا مذهب المروانية في الأئمة، وتجاوزوا حدَّ الطاعة الشامية! ونسبوه زورًا إلى السلف والأئمة! يقولون: إنك إن رأيت الإمام يزني، ويلوط، ويغتصب فلا يجوز لك الخروج عليه، وعند كثير من هؤلاء مجرد أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر باللسان واليد خروج عليه!
مع أن الأصل عزل الفاسق مع القدرة التي هي شرط أي تكليف، ومع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده…” الحديث، وقيد الطاعة بالمعروف، كما قال ابن عبد البر: “قيد ذلك لمن جاء بعده بأن قال: “إنما الطاعة في المعروف”، ولهذا يشهد المحكم من كتاب الله عز وجل، قال الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) [المائدة: 2]” [التمهيد 15/37].
وإنما ساق عبد الله بن عمرو بن العاص حديث: “من قتل دون ماله فهو شهيد” احتجاجًا به على والٍ أراد أرضه، فتلقاه وغلمانه بالسلاح، وهذا ثابت في الصحاح والمسانيد وغيرها.
بل قُتل الحسين رضي الله عنه لما أريد استئساره ظلمًا، وكان عند أهل السنة شهيدًا لا باغيًا، وفرق بين من يقول أصل خروجه إلى العراق فتنة، وبين جاهل لا يدري ما يقول؛ يزعم أن قتاله لمن طلب استئساره، وأراد إذلاله -وكان قد أراد العودة- منكر!
قال شيخ الإسلام: “قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما يوم عاشوراء، قتلته الطائفة الظالمة الباغية، وأكرم الله الحسين بالشهادة، كما أكرم بها من أكرم من أهل بيته؛ أكرم بها حمزة وجعفر، وأباه عليًّا، وغيرهم، وكانت شهادته مما رفع الله بها منزلته، وأعلى درجته، فإنه هو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة، والمنازل العالية لا تنال إلا بالبلاء”، [إقامة الدليل على بطلان التحليل في الفتاوى الكبرى 1/196، ومجموع الفتاوى 25/302].
وقال: “أكرم الله الحسين ومن أكرمه من أهل بيته بالشهادة، رضى الله عنهم وأرضاهم وأهان بالبغي والظلم والعدوان من أهانه، بما أنتهكه من حرمتهم، واستحله من دمائهم، (ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء) [الحج: 18]”، [المجموع 27/472].
وقال عنه في منهاج السنة 4/330: “لا ريب أنه قتل مظلومًا شهيدًا، كما قتل أشباهه من المظلومين الشهداء، وقَتْلُ الحسين معصية لله ورسوله ممن قتله، أو أعان على قتله، أو رضي بذلك، وهو مصيبة أُصيب بها المسلمون من أهله وغير أهله، وهو في حقه شهادة له ورفع درجة وعلو منزلة، فإنه وأخاه سبقت لهما من الله السعادة التي لا تنال إلا بنوع من البلاء، ولم يكن لهما من السوابق ما لأهل بيتهما؛ فإنهما تربيا في حجر الإسلام في عز وأمان، فمات هذا مسمومًا وهذا مقتولًا؛ لينالا بذلك منازل السعداء وعيش الشهداء”.
ثم يأتيك أحد أعوان الظلمة ليصف شهداء اليوم الذين قتلوا في دورهم وأموالهم؛ كالحويطي وأمثاله- بالبغي والخروج على السلطان! وكأنه قتل متسورًا الديوان في عصابة كما فعل غيره يوم تسور على ابن عجلان!
وأبو سعيد إنما روى حديث: “من رأى منكم منكرًا” في حادثة وقعت مع سلطان! ويأتيك من يقول دعه يفعل على الملأ ولا يحل أن تزرموه قدامهم! وأبو بكر يقول: أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم!
وهذا حذيفة يدخل على عمر -كما روى ابن أبي شيبة وغيره بسند جيد- وهو قاعد على جذع في داره، وهو يحدث نفسه قال: فدنوت منه فقلت: ما الذي أهمك يا أمير المؤمنين؟ فقال: هكذا بيده وأشار بها، قال: قلت: الذي يهمك، واللَّه لو رأينا منك أمرًا ننكره لقومناك، قال: آللَّهِ الذي لا إله إلا هو، لو رأيتم مني أمرًا تنكرونه لقومتموه؟ فقلت: آللَّهِ الذي لا إله إلا هو، لو رأينا منك أمرًا ننكره لقومناك. قال: ففرح بذلك فرحًا شديدًا وقال: الحمد للَّه الذي جعل فيكم أصحاب محمد من الذي إذا رأى مني أمرًا ينكره قومني!
ثم يأتيك أحد أعوان الظلمة ليصف شهداء اليوم الذين قتلوا في دورهم وأموالهم؛ كالحويطي وأمثاله- بالبغي والخروج على السلطان! وكأنه قتل متسورًا الديوان في عصابة كما فعل غيره يوم تسور على ابن عجلان!
وكل من تدبر أحكام الخلفاء بعد أبي بكر وجد طائفة خالفتهم في آراء اجتهادية -ليس لها من اسم المنكر نصيب- ومع ذلك أُنكرت عليهم، وكان أولئك قد ألزموا بتلك الآراء فخالفهم الناس فيها! فقد أنكر عمر الطيب للمحرم قبل زيارة البيت، وخالفه سعد وابن عباس، وأنكر عثمان متعة الحج وكذلك عمر، وخالفهما علي ابن أبي طالب، بل لما بلغه نهي عثمان عنها- وكان الخليفة- أهلَّ بها، وأنكر الناس على علي بعدهما -رضي الله عنهم جميعًا- أكثر مما أُنكِر عليهما، بل بلغ ذلك السيف كما هو مشهور، وكان السيف عند جماهير السلف فتنة سواء قاتل به مع الأمير أو المأمور.
وكل من قيد الإنكار بالتفريق بين ما كان أمام السلطان على انفراد، وبين ما كان أمام الملأ، فقد تحكم في النصوص بقول لم يقل به أحد من السلف وأهل العلم أكثر من ألف عام! وإنما هو بدع رأي حدث في العصور المتأخرة.
وكانت الأمم من لدن آدم عليه السلام على خلافها! واعتبر في ذلك بالأنبياء الذين بعثوا في أقوام على أديانهم، كعيسى في بني إسرائيل، فأنكروا على كبراء أممهم -الذين هم على كتبهم- ظلمهم وصدهم عن سبيل الله كثيرًا.
أما النصح لذي السلطان بينه وبينه؛ فهذا في باب النصيحة التي يشرع أن يُسر بها مع كل الناس، وهي مع ذي السلطان آكد، وبين النصيحة ومواضعها والإنكار ومواضعه فروق لا يتسع لها هذا المقال، يناسبها موضع آخر، لكن من أهمِّها قصد الُمنِكر تغيير منكَر يجري، يراه أو يسمعه أو يعلم به، أما النصح فاستصلاحٌ فيما يستقبل، أو استدراك لما كان، أو على أمر خاص غير معلن، ومن تعنت وأبى فيقال له: حديث عياض بن غنم في النصيحة على فرض صحته، وهو لا يثبت؛ أعرض عن تلك الزيادة فيه مسلم، وضعفها جمع، فلا يجوز أن يأتي من يعارض بها الأصول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!
لكن العظيمة التي لم يقل بها مسلم! هي ما قدمت أول المقال، فقد رأيت لبعض الفضلاء – دع من لا يعد في عير العلماء ولا نفيرهم من موظفي أمن الدولة ومتطوعيهم- رأيت فيهم من يصرح ويقول: لو أن ولي الأمر – وولي الأمر عند كثير منهم قطاع عريض من الموظفين! ليس هو الإمام الأعظم للمسلمين، ولا الملك، ولا الأمير الكبير وحده، بل يبلغ بهم أن يجعلوا العسكري في جهاز المباحث ولي أمر أو نائبًا عنه!
وكل من قيد الإنكار بالتفريق بين ما كان أمام السلطان على انفراد، وبين ما كان أمام الملأ، فقد تحكم في النصوص بقول لم يقل به أحد من السلف وأهل العلم أكثر من ألف عام! وإنما هو بدع رأي حدث في العصور المتأخرة.
ثم يقول: لو أن ولي الأمر فعل الأفاعيل -التي يُستحيا من ذكرها- لم يجز إعلان النكير عليه! تاركين شرع الله الذي ألزم بإنكار المناكر، مغفلين نصوصًا كثيرة تفيد أن الطاعة إنما هي في المعروف، وأن نصوص الأمر بها إنما هي في طاعة الله، لا في معصية الله باتفاق العلماء، وأن طاعة الأمراء في المعصية حرام بالإجماع بل الواجب معصيتهم فيها ومخالفتهم! بل فيمن هم خير من أولاء قولًا يقول ابن حزم فيمن أراد السلطان حرمه: ” فإن قالوا فرض عليه إسلام نفسه وأهله أتوا بعظيمة لا يقولها مسلم”!
وقد ناقش من منع القيام على السلطان المعلن بالمنكرات فقال: “ما تقولون في سلطان جعل اليهود أصحاب أمره، والنصارى جنده، وألزم المسلمين الجزية، وحمل السيف على أطفال المسلمين، وأباح المسلمات للزنا، وحمل السيف على كل من وجد من المسلمين، وملك نساءهم وأطفالهم، وأعلن العبث بهم، وهو في كل ذلك مقر بالإسلام معلنًا به لا يدع الصلاة؟
فإن قالوا: لا يجوز القيام عليه!
قيل لهم: إنه لا يدع مسلمًا إلا قتله جملة، وهذا أن ترك أوجب ضرورة ألا يبقى إلا هو وحده، وأهل الكفر معه!
فإن أجازوا الصبر على هذا، خالفوا الإسلام جملة، وانسلخوا منه.
وإن قالوا: بل يقام عليه ويقاتل، وهو قولهم.
قلنا لهم: فإن قتل تسعة أعشار المسلمين أو جميعهم إلا واحدًا منهم، وسبي من نسائهم كذلك، وأخذ من أموالهم كذلك؟
فإن منعوا من القيام عليه تناقضوا، وإن أوجبوا سألناهم عن أقل من ذلك، ولا نزال نحيطهم إلى أن نقف بهم على قتل مسلم واحد، أو على امرأة واحدة، أو على أخذ مال، أو على انتهاك بشرة بظلم، فإن فرقوا بين شيء من ذلك تناقضوا وتحكموا بلا دليل، وهذا مالا يجوز، وإن أوجبوا إنكار كلِّ ذلك رجعوا إلى الحق”.
ثم قال كلمة تصلح في حكم هؤلاء الذين لا يستحون من المشاركين في العلم أو أدعيائه يقول:
“ونسألهم عمن غصب سلطانه الجائر الفاجر زوجته وابنته وابنه ليفسق بهم، أو ليفسق به بنفسه، أهو في سعة من إسلام نفسه وامرأته وولده وابنته للفاحشة؟ أم فرض عليه أن يدفع من أراد ذلك منهم؟
فإن قالوا: فرض عليه إسلام نفسه وأهله أتوا بعظيمة لا يقولها مسلم!
وإن قالوا: بل فرض عليه أن يمتنع من ذلك ويقاتل، رجعوا إلى الحق، ولزم ذلك كلَّ مسلمٍ في كلِّ مسلم، وفي المال كذلك.
قال أبو محمد: والواجب إن وقع شيء من الجور، وإن قلَّ، أن يُكلم الإمام في ذلك ويُمنع منه، فإن امتنع وراجع الحق، وأذعن للقود من البشرة أو من الأعضاء، ولإقامة حد الزنا والقذف والخمر عليه، فلا سبيل إلى خلعه وهو إمام كما كان، لا يحل خلعه، فإن امتنع من إنفاذ شيء من هذه الواجبات عليه، ولم يراجع، وجب خلعه وإقامة غيره ممن يقوم بالحق لقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾[سورة المائدة، من الآية: 2]، ولا يجوز تضييع شيء من واجبات الشرائع وبالله تعالى التوفيق” [الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/143-135].
وبعد فهناك بحث آخر إذا ترتب على القيام لخلعه مفسدة محققة أعظم من فساد بقائه، فذلك مما للعلماء نهي عنه، والخلاف فيه قديم، لكن ما هو جحد للشرع إنكار مشروعية الإنكار عليه، والأمر بالتسليم له في تلك المعاصي، باليد واللسان، عند من قدر أو احتسب نفسه في القيام بأمر ربه، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.