عند أهل السنة يُردُّ الأمر إلى الكتاب والسنة وفتوى العالمين بها. وعند أهل الضلالة يَرفع قولُ الإمام الخلافَ في حكم المسألة، وتلك جهالة إنما ادعتها الرافضة في معصوم هو الآخر مُدَّعى! سواء كان ادعاؤه عينًا وعصمة كالمنتظر؛ فلا هو موجود فضلًا عن أن يكون معصومًا، أو عصمة وإن وجد بعينه غير معصوم؛ كعلي رضي الله عنه، أو غير معصوم ولا إمام متولٍ على المسلمين؛ كبقية الاثني عشر!
قال ابن تيمية: “الذي تدعيه الرافضة: وهو الأمر بطاعة المتولي في كل ما يقوله، من غير رد ما يقوله إلى الكتاب والسنة إذا نوزع” [منهاج السنة 6/451].
وقد حاول بعضهم أن يخرج في هذه المسألة خلافًا على كلام الفقهاء في حكم الحاكم ورفعه للنزاع، فلم يزد إلّا أن دل على بعده عن فهم كلام الفقهاء!
فقول الفقهاء: حكم الحاكم يرفع الخلاف؛ المقصود به حُكم القاضي ونحوه ممن يقوم مقامه محكمًا، وذلك في الأحكام الجزئية على معينين، والحاكم في لسان الفقهاء هو القاضي، لا يطلق على الأمير والإمام إلا من جهة كونه قاضيًّا، ولهذا أكثر ما يذكرون هذه القاعدة في كتاب القضاء، وربما نصوا على أن من شرط ذلك اقتران الحكم بدعوى، ورفعه للخلاف في القضاء لابد منه لحسم المنازعات، فحكم الحاكم على فلان في واقعة بوقوع الطلاق، أو عدمه، ورد المال، أو أخذه، أو الغرم لابد فيه من الصدور عن رأي حسمًا للنزاع، فهذا الذي يرفع حكم الحاكم فيه نزاع المتنازعين في حكم الظاهر، وهو الذي ينفذ بشروطه التي يذكرها الفقهاء كأن لا يخالف إجماعًا، وأن يصدر من أهل للحكم.
وقد ينسحب ذلك على الفتوى بعد ذلك في تلك الجزئية المحكوم فيها بالنسبة للمعين، على خلاف بين الفقهاء في ذلك، بمعنى لو تكررت حادثة مثلها للمعين المحكوم عليه أو له؛ فهل يجب عليه أن يلتزم فتوى الحاكم السابق أو لا؟ قولان للفقهاء.
فقول الفقهاء: حكم الحاكم يرفع الخلاف؛ المقصود به حُكم القاضي ونحوه ممن يقوم مقامه محكمًا، وذلك في الأحكام الجزئية على معينين، والحاكم في لسان الفقهاء هو القاضي، لا يطلق على الأمير والإمام إلا من جهة كونه قاضيًّا
وما نفذ من حكم القاضي إن كان بناؤه ليس على اختيار فقهي في حكم مختلف فيه، بل على ما ظهر وغابت أشياء عن الحاكم مؤثرة في الحكم، كجاحد عارية لم يستطيع من جحدها أن يثبت عليه ذلك، فهذا إذا وقع نافذًا فإنه يسلم له ظاهرًا، ولا يحلل ذلك الحرام للمحكوم له، بل الواجب على المحكوم له أن يتوب ويخالف حكم القاضي، ويرد الحقوق التي جحدها، قال صلى الله عليه وسلم: “إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ. وَإِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذُهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ” [متفق عليه من حديث أم سلمة].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية [مجموع الفتاوى: 35/372]: “وليس لأحد أن يخرج عن شيء مما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الشرع الذي يجب على ولاة الأمر إلزام الناس به، ويجب على المجاهدين الجهاد عليه، ويجب على كل واحد اتباعه ونصره.
وليس المراد بالشرع اللازم لجميع الخلق (حكم الحاكم) ولو كان الحاكم أفضل أهل زمانه؛ بل حكم الحاكم العالم العادل؛ يلزم قومًا معينين تحاكموا إليه في قضية معينة، لا يلزم جميع الخلق،ولا يجب على عالم من علماء المسلمين أن يقلد حاكمًا لا في قليل ولا في كثير، إذا كان قد عرف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ بل لا يجب على آحاد العامة تقليد الحاكم في شيء، بل له أن يستفتى من يجوز له استفتاؤه وإن لم يكن حاكمًا، ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله، واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله؛ كان مرتدًا كافرًا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة”.
وقال: “والأُمَّة إذا تنازعت في معنى آية، أو حديث، أو حكم خبري أو طلبي، لم يكن صحة أحد القولين وفساد الآخر ثابتًا بمجرد حكم حاكم، فإنه إنما ينفذ حكمه في الأمور المعينة دون العامة” [مجموع الفتاوى ٣/٢٣٨].
“بل حكم الحاكم العالم العادل يلزم قومًا معينين تحاكموا إليه في قضيةٍ معينة” [مجموع الفتاوى ٣٥/٣٧٢].
“فالأمور المشتركة بين الأُمَّة لا يَحكم فيها إلا الكتاب والسنة، ليس لأحدٍ أن يلزم الناس بقول عالمٍ، ولا أمير، ولا شيخٍ، ولا ملك، ومن اعتقد أنه يحكم بين الناس بشيءٍ من ذلك، ولا يحكم بينهم بالكتاب والسنة فهو كافر” [منهاج السنة 5/132].
وهذا الكفر مع عظيم الأسف غدا يُزعَم أنه قول السلف ومذهب أهل السنة! والسلف منه براء، وتلك سيرتهم شاهدة!
“ولا يجب على عالم من علماء المسلمين أن يقلد حاكمًا لا في قليل ولا في كثير، إذا كان قد عرف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ بل لا يجب على آحاد العامة تقليد الحاكم في شيء، بل له أن يستفتى من يجوز له استفتاؤه وإن لم يكن حاكمًا، ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله، واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله؛ كان مرتدًا كافرًا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة“
ابن تيمية
ومن أعظم من قرر مذهب السلف في العصور المتوسطة هو الإمام ابن تيمية، وسيرته رحمه الله ترجمة عملية لهذه المعاني، وقد ابتلي من الظلمة في فتاوى خالف فيها الجماهير، وأشهرها: فتوى الطلاق، وفتوى الزيارة، فحبس لأجلها رحمه الله، حتى وافته المنية في سجنه.وكان حبسه ظلمًا سطره التاريخ، وأقره قديمًا مشايخ لهم تأويل حملهم عليه السلطان كما كان مما حمل عليه صخب أهل الضلالة من الهمج الرعاع، وشيوخ الخرافة والبدعة، كما يقر اليوم شيوخ بدعة وضلالة مثل ما كان بالأمس من سجن العلماء! بل هؤلاء المعاصرون يقرون سَجن من أفتى بما يقوله جماهير العلماء، وتتظاهر عليه الأدلة من الحق، كمن دعا إلى إحقاق الحقوق الظاهرة، وإزالة المظالم! أو منع المنكرات، أو ما يفعله السفهاء باسم الترفيه.
ويبقى أصل الابتلاء في نحو هذا طريق العلماء؛ فهل جلد مالك وطيف به إلّا في ذلك، يوم أفتى في طلاق المكره، وفهم من فهم انسحابه على أيمان البيعة!
وهل ضُرب الإمام أحمد إلّا في مخالفة المتأولين من الحكام الظالمين! وفي ذلك قتل أحمد بن نصر الخزاعي، بل قتل البويطي بعد أن سجن وطيف به، وكان يجهر أثناء ذلك بخلاف ولي الأمر المتأول! يقول الربيع بن سليمان: رأيت البويطي على بغل، في عنقه غل وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة من حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلاً، وهو يقول: إنما خلق الله -سبحانه- الخلق بِكنْ، فإذا كانت كن مخلوقة فكأن مخلوقًا خلق مخلوقًا، فوالله لأموتن في حديدي حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه مات في هذا الشأن قومٌ في حديدهم، ولئن أدخلت عليه لأصدقنه يعني الواثق.
ومن قبل هؤلاء خالف الناسُ – والصحابة متوافرون- عمرَ رضي الله عنه في أشياء، وعثمانَ في أشياء، وعليًّا في أشياء، ومعاويةَ في أشياء رأوها بل أمروا بها رضوان الله عليهم، ذكرها لا يحتمله هذا المقال، دع سبعين ألفًا سقطوا بين يدي الفتنة الأولى، يريد الجاهلون أن يقولوا لنا هم خوارج! كما قال ذلك المتجاوز عن الحسين: قتل بسيف جدِّه! ولله ما أقبح ما ادعى وقال!
والمقصودُ هو أن ردَّ المأمور والأمير وولي الأمر وسائر الناس إلى شرع الله هو الواجب إذا تنازعوا، قال الشافعي رحمه الله: “أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس” [إعلام الموقعين 3/176]، والله الموفق، وهو يهدي السبيل.