الإمامة ليست من الأصول عند أهل السنة

انتشر مقطع للشيخ الفاضل عبد السلام الشويعر وفقه الله، ثار حوله جدال، وأقدم العذر له بلعله مجتزأ أو أُخرج من سياقه، وأيًّا ما كان فهو فاضل باذل للعلم يُحَبُّ في دين الله.

لكن شاع له مقطع جاء فيه أن من أصول أهل السنة والجماعة أنه يمكن أن يكون هناك أكثر من إمام، ووُضع ذلك في سياق تجويز ذلك مطلقًا، وأن الإجماع عليه!

ولاشك أن وجود أئمة متعددين يطاعون بحسبهم عدولًا في ما لم يعلم أنه معصية، وغير عدول فيما علم أنه طاعة أو مصلحة، مما عليه جماهير العلماء، وحكاية الإجماع العملي فيه محتملة، لكن لم يقل أحد بجواز ذلك في غير حال الاضطرار إليه، أو حمل الناس عليه، لا باختيارهم، فقد حُكي الإجماع أيضًا على عدم جواز ذلك، بل نقل ابن حزم الإجماع على عدم جواز العقد لإمامين مطلقًا، قال: “وَاتَّفَقُوا انه لَا يجوز أَن يكون على الْمُسلمين فِي وَقت وَاحِد فِي جَمِيع الدُّنْيَا إمامان” [مراتب الإجماع ص124]، وعلق ابن تيمية على ما يقيد ذلك، بتعبيرات دقيقة فقال: “فمذهب الكرامية وغيرِهم جوازُ ذلك، وأن عليًّا كان إمامًا ومعاويةَ كان إمامًا.

وأما أئمة الفقهاء فمذهبهم أن كلًّا منهما ينفذ حكمه في أهل ولايته، كما ينفذ حكم الإمام الواحد.

وأما جواز العقد لهما ابتداءً، فهذا لا يُفعل مع اتفاق الأمة، وأما مع تفرقتها فلم يَعْقِد كلٌّ من الطائفتين لإمامين، ولكن كل طائفة إما أن تسالم الأخرى، وإما أن تحاربها، والمسالمة خيرٌ مِن مُحاربةٍ يزيدُ ضررها على ضرر المسالمة، وهذا مما تختلف فيه الآراء والأهواء”.

وهذا كلام من خبير يعرف ما يقول، يفرق بين إطلاق الجواز، وبين التعامل مع حال ليس فيها اختيار، لضرورة الناس ومصالحهم.

والمهم التنبيه عليه أنه لم يقل إمام من أئمة السنة إن الإمامة برمتها أصل من أصول الدين! وقد أطال ابن تيمية في المجلد الأول من منهاج السنة الرد على ابن المطهر في مسألة الإمامة وعدها من أهم مسائل الدين مع كونهم الرافضة يذكرونها في آخر الأصول! [انظر مختصر المنهاج ص47].

قال الشيخ ناصر القفاري: “وقد نبه طائفة من أهل العلم إلى أن مسألة الإمامة ليست من أصول الدين عند أهل السنّة مثل: الآمدي في «غاية المرام»: ص ٣٦٣، والغزالي في: «الاقتصاد في الاعتقاد»: ص ١٣٤، والآيجي في «المواقف»: ص ٣٤٤ وغيرهم. وإنما بحثها أهل السنّة في مبحث العقائد لأن أهل البدعة جعلوها من أصول دينهم، وخالفوا فيها ما تواتر من النصوص الشرعية كما تجد بحثها في «الإبانة»: ص ٩٢، ٩٦، و«شرح الطحاوية»: ص ٥٣٣ وما بعدها، و«التمهيد» للباقلاني: ص ٦٤، و«المعتمد» لأبي يعلى: ص ٢٢٢ وما بعدها وغيرها” [مسألة التقريب ص114].

والتصريح بهذا في كتب السياسة الشرعية وغيرها كثير، قال الجويني في الغياثي: “وليست الإمامة من قواعد العقائد؛ بل هي ولاية تامة عامة، ومعظم القول في الولاة والولايات العامة والخاصة مظنونة في التأخِّي والتحري” [غياث الأمم ص61]، وقال الكشميري: ” وليست الإِمامةُ من الأصول عندنا” [فيض الباري 6/477].

والمهم التنبيه عليه أنه لم يقل إمام من أئمة السنة إن الإمامة برمتها أصل من أصول الدين! وقد أطال ابن تيمية في المجلد الأول من منهاج السنة الرد على ابن المطهر في مسألة الإمامة وعدها من أهم مسائل الدين مع كونهم الرافضة يذكرونها في آخر الأصول! [انظر مختصر المنهاج ص47].

فإطلاق الشيخ الشويعر جوازها، بل وعدها من أصول السنة باطل، لكن من أصول السنة الحرص على الجماعة، ولزومها، وقطع أسباب تمزيق الأمة، ومنع فتح باب لتمزيق الممزق! وهذا ظاهر في حال وجود إمام جامع، أما إن كانوا متفرقين في واقع حاصل، فغاية ما يمكن أن يقال تجب طاعة المتولي في طاعة الله، ومعصيته في معصية الله، وما كان بين ذلك للاجتهاد فيه مجال.

وقد رفض أن يبايع حال الفرقةِ عليًّا رضي الله عنه خيارُ من بقي، والسبب هو الفرقة! قال ابن حزم: “وأما بيعة علي فإن جمهور الصحابة تأخروا عنها؛ إمّا عليه وإما لا له ولا عليه، وما تابعه فيهم إلّا الأقل، سوى أزيد من مائة ألف مسلم بالشام والعراق ومصر والحجاز، كلهم امتنع من بيعته، فهل معاوية إلّا كواحدٍ من هؤلاء في ذلك؟” [الفصل لابن حزم 4/120].

وقال ابن تيمية: “فإن كثيرًا من المسلمين: إما النصف، وإما أقل أو أكثر لم يبايعوه، ولم يبايعه سعد بن أبي وقاص ولا ابن عمر ولا غيرهما” [منهاج السنة 4/515-516].

وقال: “وكثير من الصحابة لم يبايع عليًّا، كعبد الله بن عمر وأمثاله، وكان الناس معه ثلاثة أصناف: صنف قاتلوا معه، وصنف قاتلوه، وصنف لم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه” [منهاج السنة 1/62]، والثابت عن ابن عمر رضي الله عنهما ما قال الشيخ خلافًا لمن روى أنه بايع عليًّا فهذا إنما جاء في أسانيد لا يُعوُّل عليها، بل ورد عنه بأسانيد لا بأس بها، لها ما يعضدها أنه قال: “ما كنت لأعطي بيعتي في فرقة ولا أمنعها من جماعة”.

وقد روى ابن أبي شيبة وغيره بسند صحيح عنه أنه قال: لما بويع لعلي رضي الله عنه قال: أتاني فقال: إنّك امرؤ محبب في أهل الشام، وقد استعملتك عليهم، فسر إليهم، قال: فذكرت القرابةَ، وذكرت الصِّهر، فقلت: أما بعد، فوالله لا أبايعك! قال: فتركني وخرج.

وتأمل سماحة علي رضي الله عنه وقسها بسفاهة من يطالبون بضرب عنق من لم يبايع مغتصبًا، مستدلين بـ: “من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه”! في تنزيل يشبه تنزيل الخوارج نصوص الكفار على أهل الإسلام! جعلوا ذلك المتغلب بسيف البغي ومن معه هو الجماعة! بينما هذا الممتنع مفرقًا ومنازعًا! ثم هم يرون الأمة أوزاعًا ومع ذلك ما فرقها إلا هذا المسيكين الذي رفض بيعة جائر! فلا عرفوا معنى التفريق، ولا فهموا حد المنازع، فضلًا عن يعرفوا شروط القتال مع المتغلب إذا نازعه الملك بالسيف غيره!

والمقصود من ذلك زعم من زعم أن البيعة في حال فرقة المسلمين أصل من أصول السنة أو السلفية فقد جانف الحق، وكيف يكون الممتنع عنها مفرقًا للمفرق، هذا تحصيل حاصل وهو ممتنع عند العقلاء!

بل من جوز العقد لأكثر من إمام اختيارًا دون تقييد له بحال تلجئ إليه فقد أبعد، وجوّز من حيث يدري أو لا يدي تقسيم المقسم، وتجزئة المجزأ!

وعلى المتفقه أن يميز بين ما يجوز في حال والأصل عدم جوازه، والواجب الدعوة إلى خلافه، وبين ما هو جائز مطلقًا، وبين ما هو مندوب، وما هو واجب، وما هو أصل من أصول السنة، فإن الخلط في رتب المسائل مما يحمل على النكير في غير موضعه، ويزيد من تفرق الأمة، والله المستعان.