كان للحدث العظيم (طوفان الأقصى) تأثير مزدوج في أبناء الأمة الإسلامية المعاصرين، فحينما ظهر منهم من يترجم حقائق القرآن بفعله وإيمانه وصموده وجهاده للكفار وصبره على ما كان لله رضى، نجم منهم كذلك من تلحف بالخذلان، وارتخى في معاطف النفاق والهوان، ووالى أعداء الإسلام وأعانهم على قتل المسلمين بالأعمال والأقوال والوجدان، ولقد ترجم هذا الطرف أيضًا حقائق القرآن عن المنافقين وضعاف الإيمان، كان هذا ملخص المقالة السابقة: (الطوفان: يترجم القرآن ويعري الخذلان) .
أما هذه المقالة فتعرض على سبيل الإيجاز أبرز المقولات التي أشهرها أهل الخذلان في وجه آساد الطوفان، ليسوغوا بها الواقع الذليل المؤسف الذي يعيشون فيه، متوهمين أن لهذه المقولات ظلالًا تحميهم من لهيب الخزي والعار، في حين أنها لم تكن غير ظليلة فحسب، بل كانت تقذف عليهم لهب الباطل ووحي الشيطان وهم في دفء الخذلان سادرون.
وكانت هذه المقولات السبع: (مقولة المؤامرة، ومقولة التهور، ومقولة العجز، ومقولة الابتداع، ومقولة إذن ولي الأمر، ومقولة اتباع ولي الأمر، ومقولة تمني هزيمة المسلمين) هي ما تيسر الوقوف معه وعرضه في هذه الكتابة المقصرة عن إيفاء الموضوع ما يستحق وسنعرضها على ثلاثة أجزاء.
المقولة الأولى: مقولة المؤامرة:
وملخصها أن هذا الطوفان مؤامرة من أعداء الإسلام، وبعضهم يقول: إنه مؤامرة من اليهود أنفسهم، وآخرون يقولون: مؤامرة من الروافض الإيرانيين، وقد يتلمسون لتأكيد هذه الفكرة بعض التصريحات التي هي من قبيل تقاطع المصالح، ونقاش هذه المقولة في الأوجه التالية:
الوجه الأول: أن إسناد الأحداث إلى المؤامرات نمط تفكير جاهز تصدره وتكثفه وسائل الإعلام المعاصرة وبعض المهووسين فيها، واللجوء له مباشرة عند كل حدث عظيم كسل فكري وضعف عقلي، وقد يلجأ إليه من استمرأ حياته تحت سطوة الكفار فلا يستوعب عقله أن تلحق بهم هزيمة أو ضراء على يد المسلمين.
الوجه الثاني: أن المسلم لا بد أن يشاهد قدر الله وفعله وتدبيره قبل أن يشاهد أفعال المخلوقين وتخطيطهم، وهو الذي وعد المسلمين بالنصر سبحانه، وتقليب الأيام ومداولتها بين الناس (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) ( إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ) .
الوجه الثالث: أن من الواجب على المسلم إحسان الظن بالله، ومن إحسان الظن به تعالى أن ينصر دينه، ومن إساءة الظن به تعالى أن يظن بالمسلمين الهزيمة، وأنهم لا ينتصرون، وأن كل معارك المجاهدين إنما هي مؤامرات من أعدائهم، وقد ذكر الله تعالى عن المنافقين أنهم يظنون هزيمة الإسلام وأهله فقال عنهم (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۖ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) فقد نزلت الآية فيمن كان يظن بالمسلمين الهزيمة.
إسناد الأحداث إلى المؤامرات نمط تفكير جاهز تصدره وتكثفه وسائل الإعلام المعاصرة وبعض المهووسين فيها، واللجوء له مباشرة عند كل حدث عظيم كسل فكري وضعف عقلي، وقد يلجأ إليه من استمرأ حياته تحت سطوة الكفار فلا يستوعب عقله أن تلحق بهم هزيمة أو ضراء على يد المسلمين.
الوجه الرابع: أن هذا النمط من التفكير هو من صنع أعداء الإسلام من اليهود ومن يدعمهم، لقطع ثقة المسلمين بما أمرهم به القرآن من الجهاد والإعداد، وكذلك لتهويل الكفار وتعظيم شأنهم وقدراتهم في عيون المسلمين وقلوبهم، ولذا فإن القول به واللجوء إليه في المعارك مع الكفار هو من الهزيمة النفسية وضعف الإيمان.
الوجه الخامس: أن كل من يُذكر على أنه خلف المؤامرة قد تضرر من هذه المعركة تضررًا عظيمًا، لا يخفى على من له أدنى إلمام بالواقع.
الوجه السادس: أن أهل الجهاد منذ بزوغ فجر الإسلام، لا يتوقف نصرهم على قوتهم وواقعهم بأسلحتهم، بل قد يهيئ الله لهم من الأقدار ما ييسر لهم النيل من الكفار، فقد يحصل بين الكفار خلاف يكون لصالحهم، فلا يقال: لم ينتصروا بل الكفار ساعدوهم! وقد يكون لبعض الكفار مصلحة في انتصارهم على كفار آخرين، فلا يقال: إن من له مصلحة هو صاحب النصر والتدبير! وقد يدبر الكفار خطة يظنونها لهم فتكون عليهم ويستفيد منها المسلمون، فلا يقال: إن هذا مؤامرة من الكفار على الإسلام!
الوجه الثاني: أن المسلم لا بد أن يشاهد قدر الله وفعله وتدبيره قبل أن يشاهد أفعال المخلوقين وتخطيطهم، وهو الذي وعد المسلمين بالنصر سبحانه، وتقليب الأيام ومداولتها بين الناس (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) ( إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ) .
بل كل ذلك وغيره جزء من تسخير الله للمسلمين، ومن تهيئة الأسباب لهم، وجزء من سنة التدافع التي تمنع إفساد الكفار وتجعل تدبيرهم تدميرًا لهم في أحيان، وهذه الحقائق وجدت في معارك الإسلام التي يفرح بها المسلمون إلى اليوم، فمن جعلها عنوانًا للمؤامرة ليسوِّغ بها عدم فرحه بمعارك المجاهدين كالطوفان : فهو إما خاذل للمسلمين، أو منهزم نفسيًّا أمام الكفار.
الوجه السابع: أن القول بالمؤامرة غايته أن يكون ظنًّا، وقد قيل: الظن أكذب الحديث، وقبله قال تعالى: (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) واليقين الذي يراه كل مسلم: أن هناك مسلمين مجاهدين يقاتلون الكفار فيقتلون منهم ويُقتلون، والواجب عليه أن يناصر إخوانه ويفرح بقتلهم للكفار ويحزن على مقتلهم ويعينهم بلسانه وماله وفعله، لا أن ينشغل بالخذلان ثم يسوِّغ خذلانه بالهوس والظنون!
الوجه الثامن: أن من يفرح بمعركة الطوفان ويناصر إخوانه المسلمين، يفرح بنصر الله وتمكينه من أعدائه، ثم هو حينما يرى إخوانه يضحون بأرواحهم يؤمن أنه الله أحب لهم الشهادة، فيفرح ويؤمن بما ذكره الله في كتابه من وعد بالنصر ووعد بالابتلاء والاصطفاء للشهادة.
وأما من يقول بالمؤامرة دومًا: فهو يقرأ آيات القرآن ولا يطبقها في الواقع، فلا يرى نصرًا للإسلام، ولا يرى شهادة للمسلمين، فهو محجوب عن رؤية تدبير ربه تعالى، قد سلب لبه التفكر في تدبير أعداء الله وسيطرتهم، ضعفًا في إيمانه وقلة بصيرة لديه.
المقولة الثانية: مقولة المغامرة:
وتتلخص في أن آساد الطوفان كانوا متهورين وغامروا بمصالح المسلمين، ونقاش هذه المقولة في الأوجه التالية:
الوجه الأول: أن نقاش المصالح والمفاسد المترتبة على أي معركة مع الكفار حق محفوظ للمجتهدين من أهل العلم والعمل بالجهاد وبالمصالح والمفاسد، وليس أحد من المسلمين في عصمة، ولكن هذا الاختلاف بين المسلمين شيء، واستغلاله لتسويغ خذلان المسلمين شيء آخر، يوضح ذلك: أن هذا الاختلاف موجود بين المجاهدين في غزة، ولكنه لم يكن مسوِّغًا لأن يخذل أحدهم الآخر، بل وقفوا صفًّا واحدًا أمام أعداء الله وأعداء الأنبياء وأعداء المسلمين.
الوجه الثاني: أن اجتهاد القائمين بالطوفان من المسلمين، ليس بأقل من اجتهاد من تحفظ عليه، بل له ما يؤيده من أدلة الشرع ومن ظروف الواقع.
الوجه الثالث: أن عمدة من يتحفظ على اجتهاد أهل الجهاد في الطوفان هي المقتلة العظيمة التي وقعت في غزة، وهذه المقتلة كانت تقع للمسلمين في غزة وفي غيرها قبل أن ينفذ الطوفان، فلم يقر للمسلمين عين منذ دخل اليهود إلى مسرى نبينا صلى الله عليه وسلم، ولم يهدأ لهم بال إلا على مذبحة هنا ومذبحة هناك، وفي غزة شنت أكثر من عشرة حروب أكثرها بلا سبب، وقد أكد كثير ممن له خبرة ومعرفة أن أهل غزة كانوا هدفا لليهود بحصارهم وقتلهم قتلًا بطيئًا! فلم يحدث الطوفان من فرق في الموضوع سوى أنه جعل القتل يقع أيضًا في اليهود كما يقع في أهل الإسلام!
الوجه الرابع: أن هذه المقتلة التي وقعت في المسلمين سببها الرئيس خذلان المسلمين وليس القيام بالجهاد، فتآمر المنافقين من الحكام مع الصهاينة في حصار غزة وتجويع أهلها والوصية باستئصالهم، وما سبق ذلك من حرب شعواء على الحركات الإسلامية ومنع دعمها وتجريمه، ومشاركة كثير من عوام المسلمين في ذلك، وسكوت الآخرين منهم عنه، كل ذلك هو الذرائع الحقيقية لتوحش اليهود على أهل الإسلام، وليس وجود المجاهدين ولا جهادهم، يدل على ذلك أن القرآن والسنة حذرت المسلمين من ترك الجهاد ولم تحذرهم من فعله.
الوجه الأول: أن نقاش المصالح والمفاسد المترتبة على أي معركة مع الكفار حق محفوظ للمجتهدين من أهل العلم والعمل بالجهاد وبالمصالح والمفاسد، وليس أحد من المسلمين في عصمة، ولكن هذا الاختلاف بين المسلمين شيء، واستغلاله لتسويغ خذلان المسلمين شيء آخر
الوجه الخامس: ما جاء عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه لما كان في الجهاد فاقتحم أحد المسلمين على الكفار، فقال بعضهم: ألقى بنفسه إلى التهلكة. فقام أبو أيوب منكراً هذا التحريف لمعنى الآية: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) وبين للمسلمين أنها نزلت لما أراد بعض المسلمين حفظ أمواله لإقامة مزارعه وبساتينه، فنهاهم الله عن التقصير بها عن الجهاد في سبيل الله، وأنه هو التهلكة المقصودة في الآية، فالجهاد ودعمه يردع أعداء المسلمين عن قتلهم، والتخلي عنه، والتفريط فيه، فضلًا عن محاربته، هو ما يشجع الأعدء على قتل المسلمين فيكون فيه هلاكهم.
الوجه السادس: قد روي في كتب التاريخ أن سبب اجتياح المغول للمسلمين ما قام به بعض ملوك الخوارزميين من قتل لبعض أتباع جنكيز خان، وكانت تلك الرواية منزوية في كتب التاريخ لم ينشغل بها أهل الإسلام في التعليق على هذا الاجتياح، بل اشتغالهم تركز على أمور وهي: تعجبهم من انخذال بعض المسلمين أمام المغول، وفرحهم وتشجيعهم لمن جاهد منهم وواجه المغول، وهكذا ينبغي أن يكون حال أهل الإسلام بعد وقوع الحرب مع الكفار.
الوجه السابع: أن خذلان المسلمين بدعوى أنهم غامروا وتهوروا هو شعار المنافقين المذكور في القرآن والسنة، فالله تعالى قال عن المنافقين: (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ونهى الله المؤمنين عن هذه المقولة فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ).
وأما في السنة فقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل على رأي الأنصار في الخروج لملاقاة الكفار في أحد، وكان رأي زعيم المنافقين ابن سلول هو البقاء في المدينة، فلما خرج الجيش انخذل المنافق بثلث الجيش ورجع، قائلًا: (عصاني وأطاعهم) فكان اعتذاره أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ برأيه في القتال، فاستغلال الاختلاف الاجتهادي في شؤون الجهاد ومواجهة الكفار لخذلان المجاهدين هو من صنيع المنافقين وليس من صنيع أهل الإيمان.
الوجه الثامن: أن أكثر من يشهر هذه المقولة لم يخض غمار الجهاد، ولا اهتم به، حتى يعرف مصالح الإسلام ويقدرها! بل هو مشتغل بالدنيا منغمس فيها تارك للجهاد في سبيل الله، فكيف يجعل من نفسه ندًّا لمن قضى عمره وضحى بماله وأهله ونفسه اشتغالًا بمصالح الجهاد وإعدادًا له؟!
ولذا أكد كثير من السلف وأئمة الإسلام أن القول المعتبر في هذه المسائل إنما هو قول أهل الجهاد، لا من تركه، كما قال ابن المبارك: (عليكم بقول أهل الثغور ) وكما قرره ابن تيمية وغيره.
الوجه التاسع: أن الصحابة في وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قتلوا من الكفار في الأشهر الحرم وعاب عليهم الكفار ذلك نزل قوله تعالى : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) فأسست هذه الآية للتعامل مع أخطاء المجاهدين، وأنها لا تهدر جهادهم، ولا تصرف النظر عن المخطئ الأكبر والعدو الأعظم، وأصحاب هذه المقولة يستعملونها بخلاف ما تقرر الآية من منهج!
وبهذا يتبين أن مقولات المؤامرة والمغامرة ليست قراءات بريئة للواقع، بل مخارج نفسية لتسويغ القعود، وتبرير الخذلان، والتنصل من مقتضيات الإيمان في زمن الامتحان. وللحديث تتمة .