تحين الفرص لإسقاط المستقلين: الهجمة على الطريري نموذجًا!

الناظر في الواقع السعودي لا يخفى عليه أثر المُلك العضود البادي في قبضة الدولة الراغبة في التحكم في كل مناحي حياة المواطنين، وتحييد أو تعطيل كل ما يقيد قبضتها على حساب حرية المواطن المشروعة!

ومن أهم ذلك الوظائف الدينية، إذ الواجب أن يكون الصدور فيها عن حكم الشرع، وتحرص الدولة في احتواء ذلك بأن يكون العامل في الحقل الديني تحت عباءتها.. وكل من خرج من تحت تلك العباءة فهو خطر، لابد أن يحيد أو يقيد أو يزال من ساحة العمل العام، أو يسقط!

فالهاجس مِنْ تَعارض مصلحةِ الدولة مع مقرر الشرع الذي لا تراعيه يسيطر عليها، والرغبة في فرض وجهة نظرها البراغماتية متحكمة فيها، ومن ثَمَّ استقلال أي موظف ديني عنها يعارض تلك الرغبة، ومظاهر ذلك كثيرة، فمنها:

سعودة الوظائف الدينية، فالمفتين، والقضاة، والأئمة، والمؤذنين، من شرطهم مع الإسلام والبلوغ والعقل أن يكون سعوديًّا! وقد يراني أحدهم متجاوزًا هنا، فلا يبطل أحد صلاة إمام مصري أو بورمي بالجماعة! ولكنك تجد معي بعض الحق يوم تعلم، أن إمامة هؤلاء مخالفة للنظام، وأنه لا يحق له أن يؤم أو يؤذن ولو تطوعًا ما دام أجنبيًّا، ومن عرف الواقع السعودي علم أن هذا قديم وإن جدَّ عبد اللطيف في تطبيقه ما لم يجد مثله الشيخ صالح!

واسألوا عن التعاميم التي ترد، ولفت النظر الذي يحصل، اسألوا عنه بعض الأئمة!

الناظر في الواقع السعودي لا يخفى عليه أثر المُلك العضود البادي في قبضة الدولة الراغبة في التحكم في كل مناحي حياة المواطنين، وتحييد أو تعطيل كل ما يقيد قبضتها على حساب حرية المواطن المشروعة!

ومن مظاهر سياسة : إما تدخل تحت البشت أو تخرج من الساحة! الهجمة على كل نابغة داعية أو مفكر، مستقل، يتحدث في بعض قضايا الأمة وهمومها المشتركة، والتي قد تكون للدولة -المرتهنة لأمير- مخالفة فيها!

تأمل حسابات الذباب ، وكمَّ البذاء الذي يطاله، والحملات عليه، كشأن كثير ممن يتعرضون للتطبيع أو قضية القدس، وخذ على سبيل المثال د. نايف بن نهار نموذجًا! مفكرٌ، مستقل، ليس على الخط السلطاني، يساوي خطر! يجب أن يحذر منه، ويستعمل في ذلك دعاة الطاعة المروانية! ومن أطاف بهم من الذباب الأخضر، والأقلام المستأجرة! وغيرهم من خدم السلطان.

ولعلك لو تأملت اليوم لا تجد مفكرًا أو داعية غير سعودي مستقلًا أو عالمًا صادعًا بالحق في قضايا الأمة وما يجب لها إلّا وهو في القائمة السوداء، لحكومات سفيهة!

أما السعوديون فهم تحت القبضة الأمنية كمن تعلمونهم في السجون، ومن لم تطاله القبضة الأمنية، فيسلط عليه الذباب، ويساعد عليه من يعين من محتسبي الغفلة!

ومن ذلك ما حصل مع الشيخ الطريري بسبب تعريجه على قبر قثم رضي الله عنده لما زار سمرقند.

وتلك الحادثة نموذج لمتلازمة متكررة للطعن في الدعاة، وسلْقهم بألسنة حداد أشحة على الخير كلما سنحت سانحة، أو وُجدت فرصة! في محاولات لا تكل ولا تمل لإسقاط من بَعُد عن متناول القبضة الأمنية.

ومما يساعد على إيجاد فرص لذلك الإسقاط، ويرفع الستر للذباب، فضلاء فيهم غيرة على ضعف في البصيرة، فلا يحسنون تقدير الأمور، ولا يعرفون رُتَب المسائل، ويسرعون بالإنكار في مواطن الاجتهاد، وتسرع إليهم ظنون السوء بالفضلاء! وللهوى في ذلك مداخل من جهات!

والمهم بينما تلتمس الأعذار السمجة للأمراء الظلمة، تتسلَّط ألسِنَة البَغي والعُدوان على فضلاء مجتهدين أو متأولين! وتتحين الفرص للنيل منهم!وكان الشيخ عبد الوهاب قد زار سمرقند وهي وجهة سياحية، وعرَّج على ما هنالك من آثارها، وزار مشاهد بنيت على قبور أئمة قطنوها وماتوا فيها، ودعا بدعاء مشروع، من نحو ما يُدعا به في الزيارة الشرعية.

فحميت لذلك أنوف بعض أهل الغيرة والاستعجال، وظهر منهم إنكار ما لا يستنكر من أمر تلك الزيارة الشرعية في مجملها، والتي لم يقل فيها الشيخ هُجرًا، ولا فعل ما تفعله القبورية، بل أنكر البناء في مقطع أنزله قبل ذلك، وأعقب بالبيان بعد ذلك، فلا اعتذر المُنكِر من أهل الغيرة ولا رجع، ولا سكت طنينُ الذباب!

مع أنه لو ما بين قبلها ولا بعدها، فزيارة قبور الفضلاء مما لم يتنازع فيه أهل الإسلام!

وقد “قال أحمد بن القاسم: سئل أحمد بن حنبل عن الرجل يزور قبر أخيه الصالح ويتعمَّد إتيانه؟

قال: وما بأس بذلك؟ قد زار الناس القبور. قال: وقد ذهبنا نحن إلى قبر عبد الله بن المبارك” [الإخنائية ص236].

وسواء في ذلك أكان على القبر أم لا، فإنكار البناء غير المشروع، لا يمنع الزيارة، ولا يلزم هنا من فعل المشروع، وقوع في الممنوع، فالمحرم هو البناء لا الدعاء!

أما السعوديون فهم تحت القبضة الأمنية كمن تعلمونهم في السجون، ومن لم تطاله القبضة الأمنية، فيسلط عليه الذباب، ويساعد عليه من يعين من محتسبي الغفلة!

وأعظم من أنكر أمر الزيارة غير الشرعية شيخ الإسلام ابن تيمية، ومع هذا الإنكار يقرر جواز الزيارة الشرعية للمشاهد -وهي صروح تقام على قبور- فيقول في صدد إنكاره الزيارة البدعية لها: “المؤمن يُقام على قبره بالدعاء له، فهذا هو المشروع، هو المشروع.

وأما زيارة المشاهد والقبور لأجل الصلاة عندها والدعاء عندها وبها، والتمسُّح بها وتقبيلُها، وطلب الحوائج من الرزق والنصر والهدى عندها وبها، فهذا ليس مشروعًا باتفاق أئمة المسلمين” [جامع المسائل 4/162-163].

وقال ما نصُّه: “وأما القبور التي في المشاهد وغيرها؛ فالسنَّة لمن زارها أن يسلم على الميت ويدعو له بمنزلة الصلاة على الجنائز، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أن يقولوا إذا زاروا القبور: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم عن قريب لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم).

وأما التمسُّح بالقبر أو الصلاة عنده أو قصده لأجل الدعاء عنده، معتقدًا أن الدعاء هناك أفضل من الدعاء في غيره، أو النذر له، ونحو ذلك؛ فليس هذا من دين المسلمين، بل هو مما أحدث من البدع القبيحة التي هي من شعب الشرك. والله أعلم” [الفتاوى الكبرى 3/36].

وهذا يذكر لفاضل لم يستطع أن يميز أن الزيارة المشروعة لا يلزم منها إقرار البناء غير المشروع، وأنه لا تلازم بين هذا وهذا! فله في قول هذا الإمام مقنع.

والمهم بينما تلتمس الأعذار السمجة للأمراء الظلمة، تتسلَّط ألسِنَة البَغي والعُدوان على فضلاء مجتهدين أو متأولين! وتتحين الفرص للنيل منهم!وكان الشيخ عبد الوهاب قد زار سمرقند وهي وجهة سياحية، وعرَّج على ما هنالك من آثارها، وزار مشاهد بنيت على قبور أئمة قطنوها وماتوا فيها، ودعا بدعاء مشروع، من نحو ما يُدعا به في الزيارة الشرعية.

أما صاحب الهوى والذباب الأخضر فلا حيلة معه، فهو يريد ذريعة للطعن كيف كانت، ما هَمَّته عقيدة، ولا غَارَ لتوحيد!

إذا رأى الملك أو الأمير عند قبر معظم خاشعًا يدعو جعلها في مناقبه! وإذا رأى داعية الخير جعلها من مثالبه! وجعله قبوريًّا مشركًا يستحل منه كلَّ حُرمة، بينما هو يعظم غير من المشركين! نعوذ بالله من الهوى، والضلالة بعد الهدى، ومن طعن الجاهلين على أهل الفضل والدين، والحمد لله رب العالمين.

الملك سلمان مع الشيخ السديس -اليوم السابع -6 -2015

ما الفرق بين دعاء الطريري وصاحب الجلالة في مقام أقدس وبناء أرفع!