هل يليق بالسعودية الكرسماس!؟

عندما تشاهد الفنان المصري الراحل يوسف وهبي، وهو يستنكر على المتغربين في زمانه من «التطفل على أعياد الأجانب» في مقطع من فلم بث قبل أكثر من سبعين عامًا

تدرك مدى الهوة السحيقة، والتبعية الحمقاء التي سلكتها دول إسلامية كثيرة، مهزومة نفسيًّا تجاه «الأجانب»، محتقرة إرثها الإسلامي العظيم، مديرة له ظهرها.

عرفنا المملكة شامة بين دول العالم في تمسُّكها بالأعياد الإسلامية لأزمنة طويلة، أبت وانفردت ورفضت أن تصبح ذيلًا، وفي قلبها كان مهد الرسالة الخاتمة المباركة التي شعَّ نورها في الآفاق ولم يزل، يدخل الناس فيه أفواجًا.

كان كل مسلم يفخر باعتزاز المملكة بأهداب هذا الدين، وظاهر آدابه وأخلاقه، إلى أن استدار الزمان دورته، فأصيبت المملكة التي ظلت شمسًا تشرق بالعلم الشرعي، وتزخر بالدعاة، وتصدر الدعوة إلى أرجاء الدنيا أصيبت بسياسة جديدة ومؤسسات وشخصيات أبت إلا أن تسيئ لمبادئنا وديننا مسخا وتشويها، تُجرِّد المملكة من قيمتها بين المسلمين في العالم، بل بين الناس أجمعين!

لهثوا خلف تقاليد غربية وطقوس حمقاء، لا خير فيها، تجمع بين خدش العقيدة، واقتراف المعاصي!

وكل عام، تزداد المظاهر المؤسفة، وتُنشر القوائم العلنية عن أماكن الاحتفال بالكريسماس ورأس السنة في السعودية، كمثل:

بوليفارد رياض سيتي، وونتر وندرلاند، وجدة ووك، ومنطقة العُلا التاريخية، ومركز رد سي مول، وكيدزانيا، ومشروع واجهة الرياض، ومنتزه الملك عبد الله، وحديقة الزهور، وتزداد المطاعم والأسواق واللاونجات التي تتصدرها شجرات «عيد الميلاد»، وتتهيأ لليلة آثمة، يختلط فيها الحابل بالنابل، حيث تتعامى السلطات، وتغيب أعين الرقباء، لتطبيع أمر دُبِّر بليل بهيم في مراكز صنع القرار الغربية التي تُملي أجندتها على المسؤولين المتورطين!

«كريسماس هذا العام غير»، تتوسع فيه دائرة الحرام؛ فالغرض مفهوم، يدركه كل من يعي ويعقل، وهو أن تُدنس هذه الأرض الطاهرة، وألا تقوم للإسلام قائمة ولو في عقر داره، وأن تغوص السعودية في أوحال الغرب كما غاص غيرها.

وفي وقت، تنتشر فيه المقاطع المباركة، من تركيا إلى لبنان إلى مصر، إلى غيرها من الدول والمجتمعات، محذرة من الاحتفال بالكريسماس، لما له من قدح في العقيدة، وإلغاء للهوية، وتظهر زهراوات من الفتيات الصغيرات، تلقين عن رؤوسهن غطاء رأس «بابا نويل»، وينتقل المظهر من بلد إلى بلد.

وحيث يُحذر المشايخ والدعاة من كل المشارب والمذاهب من هذا الاحتفال، ويُفتون بحرمته، وحرمة التهنئة به، وفي صدرهم شموس بلاد التوحيد، من أمثال ابن باز وابن عثيمين، وغيرهما؛ فإن المسألة لم تعد تقتصر على ما كانوا منه يُحذرون، فالمراد بالمملكة ليس مجرد ترويج احتفال عابر، وإنما خلع عبائتها كاملة، بلد تغيير جلدها الإسلامي كله، فالاحتفال هو جزء من منظومة متكاملة من الخطوات التي تهدف إلى تحقيق ذلك، وليس مجرد اللهو في احتفال عابر، أو تقليد منفرد أراد الشباب محاكاة العالم فيه فوفرته لهم «هيئة الترفيه» وأدواتها!

«كريسماس هذا العام غير»، تتوسع فيه دائرة الحرام؛ فالغرض مفهوم، يدركه كل من يعي ويعقل، وهو أن تُدنس هذه الأرض الطاهرة، وألا تقوم للإسلام قائمة ولو في عقر داره، وأن تغوص السعودية في أوحال الغرب كما غاص غيرها.

فالسعودية لها قيمتها الدينية التي تدنسها هذه الاحتفالات، وتأثيرها الممتد الذي سيترك أثره؛ إما تقليدًا من شعوب سيرى الجهلة فيها أن ما تفعله السعودية لابد أن يكون «حلالًا زلالًا»، أو سيكفرون كلية بهذا النموذج الشائه ويحتقرونه، خصوصًا أن الجميع يعلم أن السعودية لا حاجة لها بأي وجه لمثل هذه المخازي، فهي بلاد متفردة بين الأنام، يقصدها كل عام ما يربو عن ١٨ مليون مسلم ما بين حاج ومعتمر وزائر، لا ينقصها مزيد حاجة إلى «سياحة»، تسوِّغ السعودية مظاهر الترفيه فيها بالحاجة إلى تنوع مصادر الدخل فيها، ولو أرادت لجعلت من «سياحتها الدينية» – لو جاز التعبير- مصدرًا كبيرًا لنمو دخلها وتعزيز سياحتها الثقافية حول هذه المقدسات، ولكن المسألة ليست هذه أبدًا، إنما هي نقض عُرى هذه البلاد، العقدية، ومن ثم المجتمعية، والتحضير لوضعها على قصعة الآكلين!