لفت نظري في تاريخ الجزائر ما قاله “أبو القاسم”:
“وما دام المفتون مرتبطين بالقضية الفرنسية فإنهم كانوا ناعمين في مواقفهم من القضية الوطنية والدينية، وكانوا، كما قال خوجة: قد فقدوا الجرأة والغيرة الدينية مع الأيام، فلم يكونوا ليرفضوا للفرنسيين طلبًا أو يواجهوهم برأي.
وتصفهم بعض المصادر بأنهم كانوا أكثر من مدجنين، لقد كان فيهم حتى المتفرنسون جدًّا، على حد تعبير رين، وكانوا يعرفون أنفسهم أنهم تحت رحمة الإدارة الفرنسية، هي التي توظفهم وتدفع إليهم الأجور، ولم يعد حالهم كحال أجدادهم يعيشون من مصادر الأوقاف بعيدين عن سلطة الحكام، ولذلك وصفوا (بالشجاعة) أيضًا، لأنهم في موالاتهم للفرنسيين كانوا يغضبون مواطنيهم ويثيرون الشكوك من حولهم، وكان هؤلاء (الشجعان) المتفرنسون جدًّا، يستضيفون، سيما في المدن الساحلية، الشخصيات الفرنسية وعائلاتهم لحضور الحفلات الاجتماعية والمواسم الإسلامية في المساجد الرئيسية، وكان ذلك تطوعًا منهم، كما كانوا يأتون أيضًا لحضور الصلوات الدينية الكاثوليكية والمناسبات الرسمية، ويحضرون إنشاد (التوديم) Tedem، والقداسات الكنسية عند الدفن، أو عند زواج الفرنسيين الذين يعرفونهم. ولا شك أن الفرنسيين كانوا يعتبرون ذلك تحررًا وليبرالية من هؤلاء الأئمة والمفتين.
ويسري هذا التوظيف أيضًا على القضاة والمدرسين، وقد ذكرنا أن اهتمام الفرنسيين الأول كان لإدارة القضاء، أي بتعيين شخصيات دينية في مناصب الحكم بالشريعة تحت الإدارة الفرنسية، وكان هؤلاء أيضًا موظفين مأجورين بعد أن كانوا يعيشون من مال الأوقاف ومستقلين..” [تاريخ الجزائر الثقافي 4/352] إلخ ما ذكره.
فهكذا تكون الأمور إذا غدى المفتي والإفتاء مسيسًا، يفقد وظيفته التوجيهية الإرشادية ليكون سوطًا وأداة للسوق نحو مراد من يرتحله! والواجب أن يكون موجهًا مرشدًا ناصحًا للخاصة والعامة، بموجب الميثاق الذي أخذه الله تعالى على أهل العلم، فشأن المفتي أن يدين السياسة لا أن يسيس الدين!
والحقيقة أن منصب المفتي ذو أهمية بالغة كمنصب الرئيس والحاكم الإداري بل أعظم، على ما قيل:
إن الأكابر ليحكمون على الورى
وعلى الأكابر تحكم العلماء!
وضبط الفتوى وفق المقررات الشرعية، واجتماع أهلها بحيث يكونون متوافقين غير متنافرين في نطاق البلد الواحد أمر له أهميته، وهو أمر غير توحيد الفتوى أشبه بإدارة الاختلاف.
وهذا يجعل إحداث المنصب في نفسه حاجة ملحة يقتضيها واقع الدول المعاصرة، وواقع القوانين والأنظمة، وواقع السلطات التنفيذية وما يعتريها.لكن استقلاليتها كذلك مطلب في ظل ذلك الواقع الذي لم تعد فيه شروط الإمام الشرعي منظورًا إليها فيمن ينصب، أو ينتصب إمامًا بالسيف الأملح أو على ظهر الدبابة الغربية! ولم يعد العلماء المجتهدون اجتهادًا مطلقًا موجودين، ولو وجد الواحد والاثنين، فإنما هو في بلد من بلدان كثيرة.
والحق أنه لا يمكن لمجتهد البت بمفرده اليوم في القضايا ويستبد برأيه في ظل تشعب العلوم، وتنوع نوازلها، وتعدد التخصصات، وكثرة ما أفرزته البشرية وأحدثته الحضارة!
واتجاهات الدول اليوم حيال ذلك المنصب ثلاثة:
الأول:
دول ألغت منصب المفتي رأسًا، فهي لا ترفع بالإفتاء رأسًا، ولا تعبأ به أصلًا، ولا ترى في إلغائه بأسًا.. فلا يهمها ما يقول الدين، ولديها -أو تظن أن لديها- من الجبروت ما ترغم به الناس على ما تريد، سواء وافق أهواءهم وآراءهم الدينية أو خالفها.
وهذا ما يفعله أهل الاستبداد تحت أي مسمى كان، فالاستبداد قد يكون باسم الاحتلال الأجنبي، وقد يكون تحت ستار الملك الجبري، وقد يكون باسم الحكم الديني، وقد يكون باسم الديمقراطية الحقيقية وفرض إرادة الأكثرية، أو الصورية الزائفة في ظل نظام رئاسي أو برلماني.
الثاني:
تبعيته للخليفة أو الملك أو جهة السلطة العليا في البلاد، وقد كانت للدولة السعودية الثالثة تجربة في ذلك على خطى التجربة العثمانية، فأحدث فيها منصب المفتي العام في عهد الملك عبد العزير، ثم في عهد فيصل ألغى ذلك المنصب بعد وفاة الشيخ ابن إبراهيم رحمه الله وكان قد عينه مفتيًّا على الديار السعودية الملك عبد العزيز، وبقي المنصب شاغرًا حتى جاء الملك فهد فعين فيه الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله.
وقريب من وضع السعودية وضع تركيا اليوم، فالإفتاء فيها يتولاه مجلس ضمن رئاسة الشؤون الدينية والتي يتبع رئيسها رئيس الجمهورية بعد أن كان قبل ٢٠١٨ تابعًا لمجلس الوزراء.
الثالث:
الذين يبقون على منصب المفتي ويجعلونه رتبة دون الوزراء بتتبيعه لوزير، وغالبًا ما يكون العدل أو الأوقاف أو الشؤون الدينية أو شركة بين هؤلاء، كما كان في مصر والأردن، كان الإفتاء في مصر تابعًا لوزارة العدل، ثم جعلت له طبيعة خاصة في ٢٠٠٧م، وكذلك في الأردن كان تابعًا للأوقاف ثم جعلت له طبيعة خاصة في ٢٠٠٦م، لكنها لا تخرج عن مجلس الوزراء. والإفتاء في الكويت وقطر والإمارات والمغرب وعدد من الدول تابع للأوقاف أو العدل.
ولا شك أن المرتبة الوسطى هي الأفضل حالًا.
وهذا يجعل إحداث المنصب في نفسه حاجة ملحة يقتضيها واقع الدول المعاصرة، وواقع القوانين والأنظمة، وواقع السلطات التنفيذية وما يعتريها.لكن استقلاليتها كذلك مطلب في ظل ذلك الواقع الذي لم تعد فيه شروط الإمام الشرعي منظورًا إليها فيمن ينصب، أو ينتصب إمامًا بالسيف الأملح أو على ظهر الدبابة الغربية! ولم يعد العلماء المجتهدون اجتهادًا مطلقًا موجودين، ولو وجد الواحد والاثنين، فإنما هو في بلد من بلدان كثيرة.
لكن هذا المنصب كغيره من المناصب إذا لم يحط في الدول الحديثة بتنظيم يكفل استقلاليته وشفافيته فسوف يذبل ويذبل أو يكون أداة وظيفية لمآرب أو جهات تنسجم مع هوى رئيس أو وزير، ويتدهور نحو ذلك قليلًا قليلًا.
وبتتَبّع المفتين في المملكة، تجد المنصب وإن كان لا يزال حيًّا فقد اعتراه ذبول، كان ابن إبراهيم حاكمًا على الحكام شيئًا ما ولا تعجبني المبالغة في ذلك لكن كانت له كلمة ومدافعة وكتفًا تعلو حينًا وتوازي، ثم جاء ابن باز وكان آمرًا ناهيًّا مجاهدًا بالنصح كتابة ومشافهة، تأخذ الدولة بقوله حينًا وتحرج أخرى وتترك كثيرًا.
ولما مات خلفه الشيخ عبد العزيز آل الشيخ فمضى على صلاحه وعجلة التغريب تتسارع، ثم جاء الشيخ الفوزان مؤخرًا، وأنتم شهداء الله في أرضه على ما يكون!
والمهم أن فيمن مضوا جميعًا صلاحًا وعلمًا وديانة، لكنك تلحظ التدرج في الاستقلال، فابن إبراهيم كانت له سطوة، يغلظ للكبراء ويقوّم، ثم ابن باز كان آمرًا بالمعروف ناهيًّا عن المنكر ناصحًا معتنيًا بالشأن الخاص والعام حتى خارج حدود الدولة، ثم ضعف ذلك كثيرًا.
لكن بلادنا السعودية لا تزال في ذلك المنصب خيرًا من غيرها، من جهتين:
الأولى: تبعية المنصب لأعلى جهة رسمية وهي الملك، وتعيين المفتي في رتبة وزير.
الثانية: فيمن يختارون.
فلست أنكر أن هذا المنصب في بلادنا وعدد من البلدان لا يزال يتولاه فضلاء وعلماء صالحون، لكنه لا يخفى أنه قد تولاه في بلدان أخرى آخرون! وأنه ينتقص شيئًا فشيئًا.
لكن هذا المنصب كغيره من المناصب إذا لم يحط في الدول الحديثة بتنظيم يكفل استقلاليته وشفافيته فسوف يذبل ويذبل أو يكون أداة وظيفية لمآرب أو جهات تنسجم مع هوى رئيس أو وزير، ويتدهور نحو ذلك قليلًا قليلًا.
وكذلك في عامة البلدان حتى تلك التي يتولى فيها صالحون فيها من هم أولى وأصلح وأعلم، لكن تكون للمختار من بينهم أغراض سياسية، ففي السعودية مثلًا لا يفضل الشيخ الفوزان ولا الشيخ عبد العزيز آل الشيخ رحمه الله أمثال العلامتين الشيخ العباد والشيخ البراك ديانة ولا علمًا عند كثير من أكابر طلاب العلم الذين يعرفون مراتب العلماء، وواقع الساحة العلمية، فالبراك والعبّاد -عافاهما الله وأمد في آجالهما- كلاهما أقدم تأهلًا من الفوزان وآل الشيخ، بل ربما درس بعضهم في الجامعة يوم كان ذينك دارسين فيها، فالعباد درّس في الجامعة الإسلامية عام ٨١هـ السنة التي تخرج فيها الفوزان من الإمام، والشيخ البراك أقدم تخرجًا من العباد سبقه في دفعة قبله، وقد كان محاضرًا في جامعة الإمام يوم كان الشيخ عبد العزيز آل الشيخ رحمه الله طالبًا فيها، وهذا تخرج بعد الشيخ الفوزان حفظه الله عام ٨٤هـ. والمقصود من عرف رتب العلماء علم أن في البلاد جديرين آخرين بمنصب الإفتاء.
لكن لا يمكن أن يكون المفتي منهما لما لهما من استقلالية في إنكار المناكر، واقتصاد في مسائل الإمامة والطاعة لا تتأتى معها كثير من موافقة الدولة.. بخلاف الشيخ الفوزان فهو يوافقها في أشياء، وله في الطاعة آراء، وإن كانت موافقته للديوان أو ترك إنكاره عليه عن ديانة وأمور له فيها اجتهاد وتأويل.
والمهم هو أن الوضع الراهن يجعل هذا المنصب مهددًا، مرتهنًا لهوى الديوان الذي قد يتبدل في أي أوان، وذلك يهدد بقاصمة من القواصم لابد لها من عاصمة!
والواجب أن يكون هذا المنصب أكثر استقلالية وشفافية وذلك من خلال ثلاثة أمور:
الأول: بجعله مجلسًا يرجح وفق نظام منضبط، يكون رئيسه مسؤولًا عن إنفاذ ذلك النظام، كما في قرارات هيئة كبار العلماء، والمجلس الأوربي للإفتاء، وهيئة الديانة التركية، وكما هو جارٍ في قرارات الهيئات الشرعية لكثير من المؤسسات الإسلامية.
الثاني: بجعله منتخبًا من قبل أهل الشأن كمشاهير علماء البلد، وأساتذة الجامعات في الكليات المختصة، ونحو هؤلاء الذين هم أهل الشأن، لا بتعيين من رئيس أو وزير، وأن تكون له في نطامه قابلية لتلقي الاستفاءات من مؤسسات الدولة المختلفة، وأن يكون له الحق في مخاطبتها ابتداء بالأحكام الشرعية تجاه معاملاتها وإصدار الفتاوى فيها تبيينًا للأمة والمواطنين.
الثالث: أن يستقل في موارده المالية فلا مرتبات ولا حوافز ولا أرزاق تجري من وزير أو أمير أو ملك! بل من أوقاف مختصة بالافتاء، تلتزم بمعايير شفافية عالية.. بعيدًا عن مصادر الدخل الملوثة بضرائب ومصادرات لا يقرها الإفتاء نفسه.
فلو أقيم نظام للإفتاء وفق هذه الأسس فلعله ينصلح منصب الإفتاء في بلادنا، ويكون أنموذجًا يحتذى في عالمنا الإسلامي.