السعودية تزرع والإمارات تحصد!

يحار المواطن السعودي من سياسة بلاده في اليمن، أهي سائرة وفق مخطط أكبر تلعب فيه حكومته دور الممول دون أن تكسب شيئًا يذكر، بل تخسر نقاطًا كثيرة في لعبة الإقليم، في مقابل تحصيل مكتسبات في ملفات أخرى في غير هذا البلد الجار للسعودية، أم أنها تهدف لتحقيق مكتسبات لكنها تُمنى بالفشل في كل مرة؟!

لا أحد يمكنه فك هذه الأحجية السعودية، غير أن الحقيقة الواضحة بلا جدل فيما تمارسه السعودية في اليمن، هو أنها تزرع ليحصد غيرها، وتمول أعداءها ليستقووا عليها في النهاية.

ولم يعد السؤال هو: هل ستخطئ حسابات السعودية في الجولة القادمة، لكن متى ستخسر؟ وكيف ستخسر؟ وكم سيكون حجم خسارتها؟!

فقد أغرت رعونة السياسة السعودية وطيش حساباتها الإقليمية، عدوتها التقليدية، إيران بمد نفوذها حتى الحدود الجنوبية للسعودية، واستطاعت منافستها الخليجية الإمارات، بتقاسم تلك الحدود مع إيران، عبر وكلائهما، لتصبح حدود تجاوز ١٤٠٠ كيلو مترًا تفصل ما بين السعودية واليمن مكشوفة للقوى الإقليمية الأخرى، وتقف الرياض عاجزة عن حل أي مشكلة في اليمن، حتى لو كانت في عمقها الإستراتيجي، وسط القبائل السنية العربية، المتحالفة معها تقليديًّا.

وفي حضرموت، حيث هذا العمق، وهذا الأمن القومي السعودي الممتد إلى الداخل اليمني، كانت الكلمة الفاصلة للإمارات، وكانت الرياض مجرد دولة تابعة تنفذ سياسة إماراتية – «إسرائيلية» دون أن يكون لها قدرة على الإمساك بزمام الأمور، وتوجيه الدفة حيثما تريد، فلا القوة المادية كانت تنقص الرياض لتستقطب من تشاء من الساسة والعسكريين التابعين والمأجورين لتسبقها بضمان ولاءات الكثير منهم، ولا القوة العسكرية كانت تنقص السعودية لتتمكن من دعم وتأهيل حلفائها لتصبح لهم الغلبة والنفوذ والسيادة.

ولم يعد السؤال هو: هل ستخطئ حسابات السعودية في الجولة القادمة، لكن متى ستخسر؟ وكيف ستخسر؟ وكم سيكون حجم خسارتها؟!

ثارت رمال صحراء حضرموت، فلما انقشعت بعد أن أذلت القوة الأساسية التابعة للإمارات في الجنوب، وهي المجلس الانتقالي الجنوبي، القوات المسلحة القريبة من السعودية، وأسرت من الفرقة الأولى العسكرية رهائن من مئات القادة والضباط، واستولت على أسلحة وذخائر ضخمة، وكسرت شوكة حلف قبائل حضرموت الذي كان يُفترض أن يحظى بحماية ورعاية السعودية، سياسيًّا وعسكريًّا، وأرغمته على مغادرة مواقعه حول شركات النفط والتعدين التي تمثل أكثر من ثلاثة أرباع ثروات اليمن، من نفط ومعادن ثمينة، وانتهت الاشتباكات بانتشار قوات النخبة الحضرمية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي داخل مواقع نفطية في منطقة المسيلة.

وتلك النخبة – كمثال – هي قوة مسلحة أنفقت عليها السعودية أموالًا باهظة، فمولتها ودربتها الإمارات، ثم أمسكت الأخيرة بحبلها، وصيرتها أداة طيعة لها في صراعها التنافسي مع السعودية، حتى أصبحت أكبر أماني السعودية أن يحل علم اليمن محل علم دولة الجنوب على حدود ومعابر اليمن الحدودية مع السعودية، ولتذهب بعد ذلك الإمارات بالإبل!

وفي حضرموت، حيث هذا العمق، وهذا الأمن القومي السعودي الممتد إلى الداخل اليمني، كانت الكلمة الفاصلة للإمارات، وكانت الرياض مجرد دولة تابعة تنفذ سياسة إماراتية – «إسرائيلية» دون أن يكون لها قدرة على الإمساك بزمام الأمور، وتوجيه الدفة حيثما تريد، فلا القوة المادية كانت تنقص الرياض لتستقطب من تشاء من الساسة والعسكريين التابعين والمأجورين لتسبقها بضمان ولاءات الكثير منهم، ولا القوة العسكرية كانت تنقص السعودية لتتمكن من دعم وتأهيل حلفائها لتصبح لهم الغلبة والنفوذ والسيادة.

ودرع الوطن، تلك القوة الكبيرة، التي تضم نحو ٤٥ ألف مقاتل، ويعتبر تسليحها جيدًا بمدرعاته وقواته المدفعية وصواريخه.. إلخ، وشكلتها السعودية، ووضعت على رأسها العميد بشير سيف، أحد أبرز قادة التيار المدخلي في السعودية، وخريج مدرسة دماج الشمالية التي دانت منذ نحو عشرين عامًا أو يزيد بالولاء للسعودية. هذا الدرع الذي يتشكل من التيار المدخلي بالجنوب اليمني بتمثيل يفوق أربعة أخماس منتسبيه، هو الآخر، هو تشكيل رعته السعودية تقليديًّا، وقد صار يتحول شيئًا فشيئًا ليبدل ولاءه تدريجيًّا للإماراتيين، الذين يجيدون الآن صناعة العملاء!

خسرت السعودية الشمال عندما ظنت أنها ستظل ممسكة بزمام الحوثيين، داعمة لهم نكاية في الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، مؤثرة ضعف اليمن على التكامل معها. وهي الآن تخسر كل حلفائها في الجنوب واحدًا تلو الآخر، حتى أن الأمور لتُقضى في حضرموت اليوم حين تغيب الرياض، ولا تُستأذن وهي شاهدة، ولو منحتها أبوظبي قطعة من كعكعة الجنوب ذرًا للرماد في العيون.

إنها نهاية مخجلة لسياسة حمقاء، آثرت فيها الرياض إضعاف بلد كان لها ردءًا وسندًا وقوة إضافية لو أرادت، لكنها لا تريد، لأن راعيها الحقيقي في البيت الأبيض لا يريد لها إلا الهوان، ودفع فواتير وجبات لا تطعمها أبدًا!