اتخاذ النظام سكينا للكبراء على رقاب الضعفاء!

جاء في ذم بني إسرائيل في الصحيح: “وإذا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ”!

وذلك لكون الضعيف قد تكون له في السرقة شبهة ربما درأت عنه الحدَّ أو خففت العقوبة، وربما كان من شأنه أن يسامحه رب المال، وهمته في الغالب على قدر حاله، يكابد لقمة العيش، وما يدفع اللأواء أو يقارب ذلك.

هذا مع ما في التركيب والمقابلة بين حاليهم مع الشريف ومع الضعيف من التناقض الموجب للذم، والدال على تقديم الهوى لا الشريعة.

وقد ابتلينا بعد بأقوام شرٍّ من بني إسرائيل في حاليهم، فالضعيف تقطع يده ومعها يقطع لسانه وإن لم يسرق بل على قول الحق!

والشريف يكرم وإن أساء وسرق وغصب، ويمدح وإن أخطأ، ويُضْحكُ له وإن سمج مقاله!

والناسُ مَنْ يلقَ خيرًا قائلون له

ما يشتهي ولأمّ المخطئِ الهَبَلُ!

خذ مثلًا على سكين الأنظمة! يتحرش شاب يافع في حارة وحادثة فردية تظهر للناس فيطبق عليه نظام مكافحة التحرش بكل صرامة. ولا بأس!

لكن مع أن المادة السابعة، تنص في فقرتها الأولى على أنه “يعاقب كل من حرض غيره، أو اتفق معه، أو ساعده بأي صورة كانت، على ارتكاب جريمة تحرش؛ بالعقوبة المقررة للجريمة”، تجدهم إذا وقعت حالات التحرش على رؤوس الأشهاد وأمام الأعين موثقة بالكميرات في مناسبات تنظمها الدولة وتشرعها للناس كالأنشطة السافلة التي ترعاها هيئة الترفيه، غضوا النظر وسكتوا وأغضوا! وكأن شيئًا لم يكن.

وإذا لم يكن من أقام الاحتفالات، وحشد الناس، ونظم لهم ذلك، ويسره، بل وربما باعهم تذاكر للاكتظاظ في فعاليات ماجنة أو لاهية لا يجوز شهودها ولا حضورها أصلًا بمقتضى فتاوى علماء البلد بل بفتوى المفتي الحالي والسابق! إذا لم يكن ذلك مساعدًا على ما يقع من التحرش فمن يعد مساعدًا إذن!

هيئة الترفيه تعد المسرح، وتصنع المشهد، وتهيئ الجمهور .. ويكمل القصة من مدَّ يده أو حرَّك لسانه وتلفَّظ بما يخدش الحياء!

وهذا التفاوت من سمات إدارة الأنظمة السعودية!

تجد النظام جيدًا في الجملة، قليل المآخذ، لكن قل أن يخلو من توسُّع في الصياغة تجعل اللعب بالمواد ممكنًا لقضاة السوء وإدارة البغي التي تأمرهم!

والواسع من تلك الأحكام قد يلبسونه من يستحقه، وقد يصرفونه عمن يستحقه، سَنن من كان قبلنا! فإن شاءوا أخذوا وإن شاءوا أغضوا، وللقضاة في ذلك فسحة ولهم حدود محكومة بإرادة الدولة يعرفونها، وربما خفي بعضها فحام حولها بعضهم حتى يهلك بحكم يصدره لم يكن يعرف مغبته!

فهذا نموذج للتلاعب بأحكام الشرع وحدود الله عزَّ وجلَّ! والظلم باسم القانون.

وقبل أن أغادر المثال المتقدِّم قد يقول قائل نفث الشيطان في روعه أصولًا لبرالية غير شرعية! وما دخلك وما علاقتك أنت بشاب وفتاة أو رجل وامرأة! التي تخرج عرضت نفسها، والذي يمدُّ يده يحاول، والدولة لا تتدخل في خيارات الناس ما دامت برضاهم وفي حكمها ما لم يرفع لهم!

وهذا جهل بالشرع، وجهل بالأنظمة والقوانين، التي نصبت لحفظ حقوق الضعفاء والبسطاء، ومن لا يحسنون معرفة حقوقهم، والمطالبة بها، مع منع أسباب الفساد، والمحاسبة عليها، ومن ذلك النظام المذكور، فإنه ينص على أنه:

“1- لا يحول تنازل المجني عليه أو عدم تقديم شكوى دون حق الجهات المختصة -نظاماً- في اتخاذ ما تراه محققًا للمصلحة العامة، وذلك وفقًا لأحكام نظام الإجراءات الجزائية، والأنظمة الأخرى ذات الصلة.

2- لكل من اطلع على حالة تحرش إبلاغ الجهات المختصة، لاتخاذ ما تراه وفقًا للفقرة رقم (1) من هذه المادة”.

وإذا لم يكن من أقام الاحتفالات، وحشد الناس، ونظم لهم ذلك، ويسره، بل وربما باعهم تذاكر للاكتظاظ في فعاليات ماجنة أو لاهية لا يجوز شهودها ولا حضورها أصلًا بمقتضى فتاوى علماء البلد بل بفتوى المفتي الحالي والسابق! إذا لم يكن ذلك مساعدًا على ما يقع من التحرش فمن يعد مساعدًا إذن!

ثم إن الدولة تتدخل إذا قام من يدعو إلى العفة، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر! ولاسيما في تلك المجامع.

ويقوم ادعاؤها العام بالادعاء على مصلحين ليس في الأنظمة والقوانين ما عدا القوانين الإبليسية ما يسوغ مطاردتهم ومحاكمتهم!

ينقبون عن سيئاتهم، وما يمكنهم أن يغيروه عن وجهه ويحرفوه عن مواضعه ليعد جريمة وفق نظام آخر فضفاض!

فبهذه الحيلة أنزلوا العقوبة بمن لا يستحقها، وحقه الإكرام!

وبها نفسها عطلوا أكثر العقوبات الشرعية، وإن طبقوا على الضعفاء بعضها!

يتذرعون لعقوبة من يخالف أهواءهم الفاسدة بكل ذريعة.

كما يتذرعون لمخالفة الشرع وارتكاب الهوى بكل ذريعة ويستحلون تلك المخالفة بكل مفت يوافق أهواءهم!

وتجاوز الأمر عند بعضهم تقديم الهوى إلى عداء الشريعة وممالأة أعدائها.. لم تعد مشكلتهم إذا سرق فيهم الضعيف قطعوه! بل إذا طلب حقه المظلوم قطعوه وعذبوه! وجعل علماء السوء ومبدلو الشرع إقرار ذلك دينًا! وابتدعوا سنَّة التعبُّد بترك الإنكار!

وإذا أعلن الفساد وأقامه أكابر باستغلال النظام ومؤسساته غضوا عنه الطرف وتجاوزوا وربما سوَّغوه ونصروه.. وجعل علماء السوء ومبدلو الشرع إعلان إنكار ما أعلنوه منكرًا!

إن محاباة الكبراء ومؤاخذة الضعفاء جريمة تسببت في هلاك الأمم قبلنا، ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها، قال صلى الله عليه وسلم: “إنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقَامُوا عليه الحَدَّ”.

وأشد من ذلك جعل الأنظمة أداة تقييد عن إقامة حدود وإنفاذ الشرع تارة بدعوى عدم النصِّ النظامي! وتستعمل تارة أخرى بسبب التوسُّع في صياغتها أداة للتنكيل بالمخالفين والمعارضين بتأويل أو المطالبين بحقوق مشروعة! دع الآمرين الناصحين المطالبين بإقامة شرع الله عزَّ وجلَّ ودينه!

وهذا المنكر قلَّ من يتعرَّض له.

فليتق الله من يتولون صياغة تلك الأنظمة، وليتق الله من يحكم بها، فلا يرضى بأن تكون مجملات الأنظمة، وتوسعاتها، ثغرات تجعل لهوى الحاكم سلطانًا في الحكم.. وهذا من النصح للعامة والخاصة، وإلا فالسنة ماضية، فالسكين الذي جربه زيد في رقبته فقتله، سوف يقتل عبيد إن جربه في رقبته!

وأسباب الهلاك التي أهلكت من قبلنا، هي أسباب الهلاك التي سوف تهلكنا إن تعرضنا لها.

فالنجاة النجاة!