جامعة سعود وأزمة الهوية!

 

يقال إن تلميذ طه حسين عبد الوهاب أو غيره، هو الذي أسس جامعة الملك سعود في الملز بالرياض، على أسس استشراقية!

ذكرتني هذه المقولة التعديلات الأخيرة!

وقد صدر قرار استهدف تخصصات شملت ما يمكن تلخيصه في الآتي:

من كلية الآداب والعلوم الإنسانية:

قسم اللغة العربية وآدابها.

قسم التاريخ.

قسم الجغرافيا.

قسم علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية.

ومن كلية اللغات وعلومها:

أوقف القبول في برامج الكلية كافة (تمهيداً لدمجها أو إعادة هيكلتها تحت مظلة تخصصات بينية أو تطبيقية).

وأما كلية علوم الأغذية والزراعة:

فأوقف القبول في جميع برامج الكلية (مثل الإنتاج النباتي، الإنتاج الحيواني، الهندسة الزراعية) بهدف تحويلها إلى برامج تقنية متقدمة تخدم الأمن الغذائي الحديث.

وانا لست ضد تطوير الجامعات بحيث تفي بمتطلبات سوق العمل، بصرف النظر عن جدلية ما أنشئت لأجله، وهل موضوعها السوق ورفده، أو موضوعها تحقيق العلم والثقافية والمعرفية، فلا ينبغي أن تخضع معاييرها حصراً لمنطق (الربح والخسارة) أو حاجة الشركات.

فافتعال التعارض بين الاتجاهين يمكن أن نفترضه في دولة موزنبيق، أو دول أخرى لا تبدد فيها المليارات مصارعة حرة وترفيه وتوافه!

أما دولة بترولية من جملة دول العشرين فلا تعارض!

والأهم هو أن تقرير اتجاه حاجة السوق، لا يكون على حساب الهوية الوطنية وعمادها بعد الدين عندنا اللغة العربية، بل الواجب صبغ سوق البلاد بهويتها، وهذا يقتضي زيادة عناية بلغتها وآدابها وتاريخها مع المعرفة بجغرافيتها، ودراسات الاجتماع فيها.

ما فائدة قيام سوق تروج فيه مؤسسات وشخصيات اصطبغت بثقافة أخرى! هو استلاب للبلاد واحتلال وتغيير لهويتها بأيدي بنيها! هو ما يريده أي مستعمر دون تكليفه عناء رصاصة واحدة! هل من العقل أن يحول الكادر الوطني إلى “ترس” في آلة عالمية، يتقن لغة السوق ويجهل لغة وتاريخ مجتمعه؟! إن تعزيز الهوية هي الرابط الذي يجعل الفرد يشعر بالمسؤولية تجاه وطنه بعيداً عن لغة الأرقام.

ولهذا رأينا الجامعات في كثير من الدول الأعجمية لا تكتفي بمجرد وجود أقسام متخصصة بلغتها المحلية التي ربما لا يتكلمها أكثر من عُشر تعداد العرب! بل يفرضون مطلوبات جامعة فوق ذلك تتعلق بتاريخ البلاد ولغتها!
بل ربما اكترثوا واحتفوا بأقسام تدرس لغات لهم تركوها، كما تفعل إسرائيل حيث توجد في جامعاتها أقسام متخصصة لتعليم الييديشية وآدابها كما في جامعة تل أبيب والجامعة العبرية في القدس وجامعة بار إيلان، لغة من يتحدثون بها نحو نصف مليون! 

وفي أيسلندا يدرسون اللغة الأيسلندية وعدد المتحدثين بها لا يتجاوز 350 ألف نسمة يدرسون بها كل العلوم والآداب، ويعتبرونها أهم صادراتهم الثقافية!

وأيرلندا تدرس اللغة الأيرلندية في جميع الجامعات الأيرلندية.

ما فائدة قيام سوق تروج فيه مؤسسات وشخصيات اصطبغت بثقافة أخرى! هو استلاب للبلاد واحتلال وتغيير لهويتها بأيدي بنيها! هو ما يريده أي مستعمر دون تكليفه عناء رصاصة واحدة! هل من العقل أن يحول الكادر الوطني إلى “ترس” في آلة عالمية، يتقن لغة السوق ويجهل لغة وتاريخ مجتمعه؟! إن تعزيز الهوية هي الرابط الذي يجعل الفرد يشعر بالمسؤولية تجاه وطنه بعيداً عن لغة الأرقام.

بل يدرسون في ماليزيا التي غلب عليها اللسان الإنجليزي اللغة المالوية، ولا يزال الأتراك يدرسون اللغة العثمانية التي لا يحسن الحديث بها في الشارع أحد!

والمرافقة هنا هي أن اللغة العربية ليست لغة غير مشهورة، أو محدودة، بل هي لغة عالمية كبرى (من لغات الأمم المتحدة الست).

فبينما يتوجه الناس لإحياء لغاتهم الميتة حفاظًا على الهوية! يتوجه قومنا في قلب جزيرة العرب! إلى تقليص أقسامها! وهو أمر حري بأن يثير استغراب الأكاديميين عالميًّا؛ لأن الدول عادة ما “تستميت” لإحياء لغات ميتة، فكيف بدولة هي أصل لغة حية وعالمية، حتى ولو فرضناها مثل اللغات الأخرى في رونقها وجمالها وقوة دلالتها وحسن بيانها!

فكيف وعلوم اللغة من علوم الشريعة! 

 

وقل مثل ذلك في علم الاجتماع والحاجة إلى مختصيه! أما ما يعتقده بعض من لا يكترثون لثقافتهم وبلدانهم، من أن الأسواق تُدار بالأرقام والمعادلات الرياضية فقط، فهو خطأ، واتباعه جناية على الأمة! فالسوق نفسه ظاهرة اجتماعية قبل أن يكون ظاهرة اقتصادية، وعلم الاجتماع هو الذي يفسر لماذا يشتري الناس؟ وكيف تتشكل الثقة بين البائع والمشتري؟ وعلى ماذا يجب أن تبنى العلاقات؟

وكم من مشروع اقتصادي عملاق فشل لأنه لم يراعِ طبيعة البشر في تلك المنطقة؟ وإغفال علم الاجتماع يجعل المخطط الاقتصادي كمن يبني جسرًا فوق نهر جاف؛ الجسر سليم هندسيًّا لكنه بلا وظيفة حقيقية تنفع الناس!

ومما يذكر في هذا الصدد أن مجمعًا سكنيًّا ضخمًا في سانت لويس صممه مهندس معماري شهير (مينورو ياماساكي) في الخمسينيات، وكان يُعتبر معجزة هندسية للقضاء على العشوائيات، فشل فشلاً ذريعًا لأن المصممين تجاهلوا طبيعة الروابط الاجتماعية للسكان الفقراء؛ فوضعوا مصاعد تتوقف في أدوار محددة فقط، وخلقوا مساحات عامة “مجهولة” لا يملك أحد حس المسؤولية تجاهها، ثم تحولت تلك (المعجزة) إلى سبب عجز! وبؤرة جريمة وفقر في غضون سنوات قليلة، حتى اضطرت الحكومة في عام 1972م إلى تفجير المباني بالديناميت، واعتبر علماء الاجتماع هذا اليوم هو “يوم وفاة العمارة الحديثة” التي لا تراعي الإنسان!

فبينما يتوجه الناس لإحياء لغاتهم الميتة حفاظًا على الهوية! يتوجه قومنا في قلب جزيرة العرب! إلى تقليص أقسامها! وهو أمر حري بأن يثير استغراب الأكاديميين عالميًّا؛ لأن الدول عادة ما “تستميت” لإحياء لغات ميتة، فكيف بدولة هي أصل لغة حية وعالمية، حتى ولو فرضناها مثل اللغات الأخرى في رونقها وجمالها وقوة دلالتها وحسن بيانها!

ولهذا نظائر أخرى كثيرة، وما نوم وذا لاين عنَّا ببعيد!

ختامًا فإن السوق الذي يغفل الإنسان وهويته وتاريخه! سوق بلا مبادئ، ولا ذاكرة! والمخطط الذي يتجاهل ما يعزز الهوية والتاريخ، كمن يبني ناطحة سحاب عملاقة على أرض رملية؛ المظهر مبهر والتقنيات حديثة، لكنها أسسها ضعيفة مهدة بالانهيار بأسباب عديدة! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ) [سورة إبراهيم: 25-26]، فثقافتكم وهويتكم، هي أساس رسوخ حضارتكم ونهضتكم.