الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد.
فإن الأحداث الإيرانية قابلة لأن تتكرر، وأسباب الاضطراب في المنطقة أكثر من أن تحصر، وإن كان يمكن أن تدرج في قسمين، وتحت كل قسم أنواع كثيرة:
الأول: ما يصب فيما يصنع بين الدول، وعلى نطاق قادتها، وشعوبها، وما يضرب من الأسافين بينها.
الثاني: ما يصب فيما يصنع بالشعب وعلاقته بدولته، ومن يفترض أن يكونوا ولاة أمره؛ الحادبين على مصلحته، القائمين على شؤونه، كما يقوم ولي كل مولى شرعي بشؤونه، ويتصرف لمصلحته.
والمقرر عند العلماء أن من لم يقم من الولاة بأمور ولايته فالشأن معه كما قال ابن تيمية: “كلُّ من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولايةَ له، بل إمّا أن يُرفَع يدُه عن الولاية ويُقام من يفعل الواجب؛ وإمَّا أن يُضمَّ إليه من يقوم معه بالواجب” [جامع المسائل، 3/421].
فالواجب يؤدى بقدر الاستطاعة، وعلى ما يمكن من الوجوه، ومن استطاع فيه أن يصلح بين أخوين أو جارين فقد ضرب بسهم، ومن استطاع أن ينشر ثقافة المحبة والتآلف بين شعوب المسلمين، فقد ضرب بأسهم، ومن استطاع أن يقوي تلاحم المسلمين داخل الدولة على أسس صحيحة تزيل المظالم وتحفظ الواجبات وترد الحقوق، فقد ضرب بأسهم.
أما رفع اليد عن الولاية وتنصيب من يقوم بذلك من الولاة ويرعاه فقد لا يتأتى في أمر الأمراء والملوك إلَّا بفتنة عظيمة، وإلَّا لو أمكن بدونها أو بمصلحة راجحة فهو المتعين الواجب على مقرر المحققين من العلماء، وهو المعمول به في بلادنا، وقد عزل من قبل الملك سعود وجاء الملك فيصل، وكان هذا عزلاً ظاهرًا جمع له العلماء، واستصدرت به الفتوى، وقد عزل آخرون بما سمي تنازلاً أو تنحيًّا أو اعتذارًا عن ولاية العهد أو الإمارة ونحو ذلك مما يلطفون به الأمور، ويسمونها بغير أسمائها.
والمهم هنا هو أن الأمراء إن لم يقوموا بالواجب فعلى الأمة والدعاة والعلماء سد ذلك الواجب، والقيام بما أمكنهم منه، والتسديد والمقاربة فيه، لعل محصلة جهودهم تكون سدًّا للخلل الناجم عن اضطراب أمر الولاة وفساده، بل قد يحمل ذلك الرؤساء على القيام بما يجب عليهم، من رعاية التآلف والتعاضد بين دول المنطقة، والعمل على تأييد ما يجمع شمل الأمة، ويجعل الحكم فيها بموجب اختيارها، وما يصدر عن أهل الشأن فيها، لا عن رأي مستبد له اليوم نظر، وبعد الغد آخر، من مشروع حالم إلى مشروع غير واقعي، ومن “جرف إلى دحديرة”!
والمقرر عند العلماء أن من لم يقم من الولاة بأمور ولايته فالشأن معه كما قال ابن تيمية: “كلُّ من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولايةَ له، بل إمّا أن يُرفَع يدُه عن الولاية ويُقام من يفعل الواجب؛ وإمَّا أن يُضمَّ إليه من يقوم معه بالواجب” [جامع المسائل، 3/421].
ولا بأس أن تتنوع الجهود في ذلك، وتختلف الاجتهادات في طرق تحصل غرض التأليف والتعاضد الخارجي، والتوافق والتلاحم الداخلي، فهذا يأمر بمعروف، وذاك يعظ بلطف، وآخر ينكر بلسانه ويده كل ما من شأنه تفريق الشمل، أو استعداء الجوار، من مظالم الداخل أو الخارج، ومن رأى النصيحة لأولياء الأمور وخالها تنفعهم فلينصح بما فيه جمع قلوب الشعوب على أكابرها من الدعاة والعلماء، ومن رأى الإنكار عليهم في شحنهم المجتمعات بسجن الدعاة وكبت الناصحين وأصحاب الرأي الرشيد فلينكر، ومن رأى العمل في المجتمع والقيام مكان من سجن من المصلحين أو الدعاة الصادقين أو العلماء الربانين فليَقُم.
أما من أبى إلَّا أن ينتصر لأهل التقصير والتفريط من الولاة أو الأولياء، ويقول سيروا على ما أنتم عليه، الرأي رأيكم! ويا بلادي واصلي على ما أنت عليه! فهو خطر على مستقبل البلاد، حرب على إصلاح مسيرتها، أو شحذ همتها، لتسير مسيرًا أفضل، هو عدوٌّ لها في ثياب صديق، غاشٌّ لأئمة المسلمين وعامَّتهم، يطربهم بالقول، ويخدرهم بالكلام، ويعمل جاهدًا على منع كل مزعج يوقظهم، وينبههم إلى مكامن الخلل، ويرشدهم إلى ما فيه صلاحهم، ومن حماقة بعضهم تأميلهم الاجتماع وائتلاف القلوب على مظالم ومنكرات باقية! والشرع والقدر يأبى ذلك!
وَإِذا رَجَوتَ المُستَحيل فَإِنَّما تَبني الرَجاءَ عَلى شَفيرٍ هارِ!
وحال بعضهم اليوم أشبه بحال بعض العلماء مع أمراء سلفوا، غشوهم بصنيعهم ولم ينصحوا لهم، كما فعل من فعل مع الأمير سليمان بن محمد بن غرير الحميدي الذي زين له علماء السوء ما هو فيه من الدعة، وحذروه من داعيةٍ مصلح مزعج في رأيهم، يخالف في الرأي العامة اسمه “محمد بن عبد الوهاب”، وكان سليمان حاكم الأحساء، فأرسل خطابًا إلى ابن معمر حاكم العيينة يأمره بطرد الشيخ من بلده، وإلا سوف يغزوه ويقطع مرتبه! فانظر أي شرف ضيع، وكيف كانت العاقبة! فاعتبروا يا أولي الأبصار!
نعم، قد يعذر صادق مخلص ناصح، ينهى عن الإنكار في العلن ويعده تشغيبًا بسبب سوء تصوره للواقع والحال، وسوء ظنه بالمصلحين القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب تشويه الإعلام والأبواق، مع حسن ظنه بالفاسقين، بالإضافة إلى مقررات شرعية اشتبهت عليه، فهذا إذا لم يقف عند حد الإنكار على منكري المنكرات السلطانية، متعبدًا الله بحرب الذين يأمرون بالقسط من الناس، إذا لم يقف عند هذا الحد، واجتهد في النصح وتصحيح المنكرات في السرِّ فعسى أن يُعذر، وعساه إن صدق في نصحه وإنكاره المناكر بقلبه أن يقذف الله في قلوب من أساء إليهم العفو عنه، ومثله يستبين له بعد أمد الحق، وتتضح له الأمور، ويفهم بعد الملابسة للولاة والنصيحة سبب جهر من جهر من الناس بالأمر والنهي، ورأي أنه لا يمكنه إلا الجهر بذلك تداركًا للركب، وتنبيها الأمة دون أن تنساق خلف من يسير نحو الهاوية! وسوف يعلم حينها ظلمه، وعكسه الأمور، وسيره في ركاب غير ركب محمد، فإما أن يعذر من أنكر على الأقل الأحوال، وإما أن يقول ما قاله الفاضل الأول:
لَعَمْرُكَ إنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ
لَكَالْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدَى وَأَهْتَدِي
(وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [سورة التوبة: 102].
اللهم أصلح المصلحين، واهد أئمة المسلمين، واجعلهم أئمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأدخلنا أجمعين في حزبك المفلحين، والحمد لله رب العالمين.