انطلقت رؤية 2030 في السعودية في عام 2015، وكان لبّ هذه الرؤية “اقتصاديًّا” بحتًا، ومحور الارتكاز فيها: “تنويع مصادر الدخل”، وذلك بإيجاد إيرادات غير نفطية؛ من خلال جذب السياح من دول العالم، وجلب رؤوس الأموال الخارجية عبر الاستثمار الأجنبي المباشر. أمّا ما سوى ذلك من مجالات وبرامج ومبادرات فهو تبع للمجال الاقتصادي خادم له.
ولتحقيق رؤية 2030 وما تضمنته من أهداف وبرامج كان هناك استراتيجيتان:
- استراتيجية التمكين: أي توفير كل الممكنات لتحقيق المستهدفات الاقتصادية التي تطمح لها الرؤية.
- واستراتيجية التحطيم: أي إزالة كل القيود والتحديات التي يمكن أن تعرقل الأهداف الاقتصادية المنشودة.
ولذلك رأينا منذ أن بدأت الرؤية:
تحديثًا شاملًا للتشريعات وسن أنظمة جديدة، وتضخيم صندوق الاستثمارات العامة، وإعطاءه صلاحيات عالية ومنحه الحرية لإنشاء شركات كبرى تابعة له، وإنشاء وزارات وهيئات جديدة، وكذلك مكاتب باسم مكاتب تحقيق الرؤية مرتبطة مباشرة بالديوان الملكي من خلال مكتب الإدارة الاستراتيجية، وشركات غربية استشارية تقدم دراسات بعقود مهولة، وإعادة مأسسة وهيكلة المؤسسات واﻷجهزة الحكومية وشبه الحكومية، وضخ إعلامي غير مسبوق.
ورأينا أيضًا: قبضة أمنية متوحشة طالت من تحدث ولو يسيرًا عن الرؤية، بل امتدت إلى من تحدَّث قبل الرؤية عن قضايا تعارضها!
ومرة أخرى؛ إنجاح الرؤية في نظر صاحبها، يتضمن :التمكين لها، و”إزالة القيود والعقبات والتحديات التي قد تواجهها مهما كانت”؛ وبناء عليه؛ اُطلق مشروع: “التغيير الاجتماعي”، وكان “تغييرًا بأسلوب الصدمة”.
نشرت صحيفة الواشنطن بوست في فبراير 2018 مقابلة مع ولي العهد، وكان مما قاله: (إن الإصلاحات جزء من العلاج بالصدمة المطلوبة لتحسين الحياة السياسية والاجتماعية في المملكة).
ومن المعلوم أن التغيير بالصدمة يهيئ لتطبيق تغييرات جذرية غالبًا تكون مرفوضة في الظروف العادية؛ ﻷنه يستند على عنصر المفاجأة، وفرض اﻷمر الواقع، ومباغتة المقاومة، وإحداث رهبة لدى المجتمع من مجابهة التغيير.
في أول مقابلة تلفزيونية لمحمد بن سلمان، وكانت مع الإعلامي داوود الشريان -وسياق المقابلة كان إثر توتر ملحوظ مع النظام المصري حينها، وتراشق بين الإعلام السعودي والمصري- صرَّح بأن المشكلة مع (الإخونج) هكذا، وقال: (إن الإعلام الإخونجي المصري يثير الشائعات من أجل إحداث شرخ في العلاقات بين مصر والسعودية)!
وفي مقابلته مع برنامج (60 دقيقة) قال: (المدارس السعودية تعرضت لغزو من عناصر جماعة الإخوان المسلمين، ولا يزال البعض منهم موجودًا، ولكن في القريب العاجل سيتم القضاء عليهم نهائيًّا)!
وفي أكتوبر 2017 في مبادرة مستقبل الاستثمار التي عُقدت في الرياض صرح بعبارته الشهيرة عن “الصحوة”: (سندمرهم اليوم وفورًا)!
هذا التصعيد من أعلى رأس الهرم، لم يكن معهودًا في أدبيات البيت السعودي، وتجاوز قواعد اللعبة المتعارف عليها، ورافق هذا التصعيد حملة الاعتقالات الشرسة المعروفة التي بدأت في سبتمبر 2017، وكانت حملة غير مسببة ولا مفهومة المعالم، إلا إنها كانت جزءًا من التغيير بالصدمة، ومصممة وفقًا لذلك.
ومن المعلوم أن التغيير بالصدمة يهيئ لتطبيق تغييرات جذرية غالبًا تكون مرفوضة في الظروف العادية؛ ﻷنه يستند على عنصر المفاجأة، وفرض اﻷمر الواقع، ومباغتة المقاومة، وإحداث رهبة لدى المجتمع من مجابهة التغيير.
لتُدشن بعدها “حملة التوحش” ضد التدين والمتدينين، وتشويه سمعة الدعاة والعلماء، وهنا بدأت حملات الذباب الإلكتروني، ومارست تشويهًا ممنهجًا لذوي التوجهات الإسلامية وتنميطهم ووصمهم: بالانغلاق، وفرض الوصاية، والدروشة، والخيانة، ومعاداة التغيير، والسعي للحكم، وإسقاط الأنظمة، والتآمر مع الأعداء، والانتماءات المشبوهة، والتطرف!
وتطور الخطاب الرسمي، والخطاب الإعلامي الرقمي والتقليدي الرسمي وغير الرسمي؛ لينسج سردية منظمة غير مباشرة قائمة على: (إما الانفتاح والتحديث والتنمية، وإما المحافظة ولكن معها الانغلاق والفقر واﻷزمة)، وأضرب على ذلك مثالًا واحدًا:
تكرر الطرح الإعلامي حينها بأن البلد كان متجهًا لأزمة حتمية بسبب اعتماده على النفط، وأنه لولا التدخل في العهد الحالي ضمن رؤية 2030 ، لصار البلد يعاني أزمة اقتصادية خانقة.
هذه السردية على سبيل المثال – وجوهرها: التخويف من الفقر- صارت تعزف على هذا الوتر، وتسوغ كل السياسات والمشاريع الحكومية بهذه الحجة، حتى لو كانت المشاريع تتضمن محرمات ومخالفات قطعية للشريعة!
في مقابلة لولي العهد مع فوكس نيوز قال إنه سيفعل ما يراه ضروريًّا حتى لو كان مخالفًا للدين باتفاق المسلمين وذلك بحجة الضرورة! وقال ما نصه: (لدينا أمور في تعاليم الرسول تقول: إن الضرورات تبيح المحظورات).
هذا التصعيد من أعلى رأس الهرم، لم يكن معهودًا في أدبيات البيت السعودي، وتجاوز قواعد اللعبة المتعارف عليها، ورافق هذا التصعيد حملة الاعتقالات الشرسة المعروفة التي بدأت في سبتمبر 2017، وكانت حملة غير مسببة ولا مفهومة المعالم، إلا إنها كانت جزءًا من التغيير بالصدمة، ومصممة وفقًا لذلك.
إذًا، وفقا للسردية الحكومية، فإن مشاريع الرؤية لا مناص من تنفيذها “بحجة إنقاذ البلد” حتى لو تضمنت محرماتٍ اتفق المسلمون على حرمتها، ﻷن”الضرورات تبيح المحظورات”!
ظلت هذه السردية صارخة وغير مكتملة، لتأتي السردية الأخرى لتساندها، سردية “إحنا كنا كذا”!
فمما ذكره ولي العهد في لقائه مع برنامج 60 دقيقة الأمريكي: (كنا نعيش حياة طبيعية جدًّا … كانت النساء يقدن السيارات، وكانت هناك دور سينما في السعودية، وكانت النساء يعملن في كل مكان، كنا مجرد أشخاص عاديين نتطور مثل أي بلد آخر في العالم حتى أحداث عام 1979).
ومن أشهر التصريحات، تصريح تركي آل الشيخ معتليًا منصة الرقص، حين قال بلهجته العامية: (هذا إحنا ترى، إحنا كنا كذا قبل ثلاثين وأربعين سنة، لكنا اختطفنا فترة، ولكن الحمد لله رجعنا)!
هذه السرديات حاولت تمهيد الطريق “للتغير الاجتماعي” الذي يُراد منه “صنع بيئة دينية مجتمعية” متقبلة لمشروعات الرؤية وما تتضمنه من مضامين حتى لو كانت مخالفة للشريعة مخالفة قطعية بإجماع المسلمين!