من المسائل التي كثر فيها الجدل قديمًا وحديثًا: حكم الشرع من نقد الحاكم علنًا، وهل كان الصحابة رضي الله عنهم ينكرون على الولاة والخلفاء أمام الناس، أم كانوا يقصرون النصيحة على السر؟
والمتأمل في الآثار الصحيحة الواردة عن الصحابة يجد أن الأمر لم يكن على صورة واحدة مطردة، بل كان اجتهادًا يراعى فيه نوع الخطأ، وحال الحاكم، والمصلحة المتحققة من الإعلان أو الإسرار.
فقد كان الصحابة رضي الله عنهم ينكرون علنًا إذا تعلق الأمر بمنكر عام أو مخالفة ظاهرة تمس الأمة، ولم يكن ذلك مستنكرًا عندهم ما دام منضبطًا بالحق والعدل.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما وقع بين أبي موسى الأشعري وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما حين استشهد أبو موسى بحديث الاستئذان ثلاثًا، فطالبه عمر بالبينة، فلما شهد أُبيّ بن كعب بصحة الحديث قال لعمر: «يا ابن الخطاب، لا تكونن عذابًا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم» [رواه مسلم].
وقد وقع هذا الإنكار علنًا في المسجد بحضور الناس، ولم يُنكر أحد على أُبيّ، بل عُدَّ ذلك من قوة الصحابة في الحق وحسن قبولهم للنصيحة وأشار إلى ذلك بعض العلماء بقول: يدل على ما كانوا عليه من القوة في دين الله وعلى قول الحق ومن قبوله والعمل به فإن أُبيًّا أنكر على عمر تهديده لأبي موسى فقام بما عليه من الحق ولما تحقق عمر الحق قبله واعتذر عما صدر عنه رضى الله عنهم أجمعين [المفهم للقرطبي 5/477].
ومثل ذلك ما روي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال لعثمان وهو على المنبر: «يا عثمان، إنك قد ركبت بهذه الأمة نهابير من الأمر، فتب وليتوبوا معك»، فاستقبل عثمان القبلة ورفع يديه مستغفرًا وتاب الناس معه [الطبقات الكبرى 3/51]. ففي هذا الأثر يظهر قبول الخليفة للنقد العلني إذا تعلق بمصلحة عامة، كما يظهر أن الصحابة لم يروا مجرد الإعلان مانعًا من النصيحة.
وكذلك أنكر كعب بن عجرة رضي الله عنه على عبد الرحمن بن أم الحكم حين خطب الناس جالسًا، وعدَّ ذلك مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وتركوك قائمًا﴾ [الحديث رواه مسلم]. وذكر النووي أن في هذا دليلًا على مشروعية الإنكار على ولاة الأمور إذا خالفوا السنة [شرح النووي على مسلم].
ومن هذا الباب أيضًا إنكار عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه على بشر بن مروان حين رفع يديه في خطبة الجمعة، فقال: «قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا» وأشار بالسبابة [رواه مسلم].
وكذلك إنكار الرجل على مروان بن الحكم تقديم الخطبة على صلاة العيد، وقول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أما هذا فقد قضى ما عليه» ثم استدل بحديث: «من رأى منكم منكرًا فليغيره…» [رواه مسلم].
بل إن أبا سعيد نفسه جذب ثوب مروان حين أراد أن يخطب قبل الصلاة، وقال له: «غيرتم والله»، فحاوره مروان في ذلك أمام الناس [رواه البخاري ومسلم]. وقد استدل العلماء بهذا على جواز الإنكار على الوالي إذا ظهرت مخالفته، وأن الإنكار باليد مشروع عند القدرة [شرح النووي 6/216، وعمدة القاري 6/280].
وقد وقع هذا الإنكار علنًا في المسجد بحضور الناس، ولم يُنكر أحد على أُبيّ، بل عُدَّ ذلك من قوة الصحابة في الحق وحسن قبولهم للنصيحة وأشار إلى ذلك بعض العلماء بقول: يدل على ما كانوا عليه من القوة في دين الله وعلى قول الحق ومن قبوله والعمل به فإن أُبيًّا أنكر على عمر تهديده لأبي موسى فقام بما عليه من الحق ولما تحقق عمر الحق قبله واعتذر عما صدر عنه رضى الله عنهم أجمعين [المفهم للقرطبي 5/477].
ومن المواقف البارزة أيضًا ما وقع لعبادة بن الصامت رضي الله عنه مع معاوية رضي الله عنه حين أذن ببيع آنية الفضة على وجه ربوي، فقام عبادة في الناس يروي حديث تحريم الربا، فرد الناس ما أخذوا، فلما اعترض معاوية أعاد عبادة الحديث وقال: «لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية» [رواه مسلم]. وقد عدّ القاضي عياض هذا من قيام العلماء بواجب البيان وعدم كتمان الحق [إكمال المعلم 5/269].
ومن أشد صور الإنكار العلني ما جرى بين ابن عمر والحجاج، حين قال الحجاج إن ابن الزبير حرف كتاب الله، فقام ابن عمر يكذبه علنًا ويقول: «كذبت كذبت كذبت، ما يستطيع ذلك ولا أنت معه» [الطبقات الكبرى 4/139]. وهذا يدل على أن الصحابة كانوا يرون أن المنكرات العامة العظيمة لا يجوز السكوت عنها.
ومع ذلك، فقد ورد عن بعض الصحابة اختيار النصيحة السرية في بعض الأحوال:
فمن ذلك قول أسامة بن زيد رضي الله عنهما حين قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال: «أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه» [رواه البخاري ومسلم]. وقد حمل العلماء هذا على ما إذا كانت المصلحة في الإسرار، لأنه أرفق وأقرب للقبول وأبعد عن إثارة الفتنة [إكمال المعلم 5/538].
كما روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه نهيه عن لعن الولاة والدعاء عليهم، وعن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه قوله: «إن كان السلطان يسمع منك فائته في بيته فأخبره بما تعلم».
إلا أن هذه الآثار لا تدل على منع الإنكار العلني مطلقًا، وإنما تحمل على أحوال مخصوصة تُخشى فيها المفسدة أو يكون المقصود فيها الرفق والستر.
وقد أنكر علي منع متعة الحج على عثمان وخالفه وأهل به رضي الله عنهما، وخالف عبد الله بن عمرو بن العاص معاوية في أرض نازعه عامله عليها، وأنكر على من أنكر عليه، وكل ذلك ثابت عنهم رضي الله عنهم، وهم السلف، والأئمة الذين يقتدى بهم، ويذم من تنكب طريقهم.
والمحصلة هي أن مجموع الآثار يدل على أن الصحابة رضي الله عنهم لم يجعلوا الإنكار العلني أو السري حكمًا واحدًا لازمًا في كل الأحوال، بل كانوا ينظرون إلى طبيعة المنكر وآثاره ومآلات الإنكار. فإذا كان الخطأ عامًّا ظاهرًا متعلقًا بحقوق الأمة وشعائر الدين ظهر منهم الإنكار العلني، وإذا كانت المصلحة في المناصحة الخاصة اختاروا السر، ثم بعض ذلك اجتهاد قد يصيب وقد يخطئ فيجهر من حقه الإسرار، ويسر من حقه الإجهار، وصاحب الاجتهاد إما على أجر موفور أو أجر مضاعف، والمهم ألا ينكر الحق ويتنكب طريق السلف، ويبطل بعضه.
أما الحديث المشهور: «من أراد أن ينصح لسلطان فلا يبد له علانية…» فقد تكلم أهل العلم في ثبوته، وعلى فرض صحته فإنه لا يدل على منع الإنكار العلني بإطلاق، بل يمكن حمله على الإرشاد إلى ما هو أولى في بعض الأحوال، أو على ما يتعلق بالمعاصي الخاصة التي الأصل فيها الستر وعدم التشهير، جمعًا بينه وبين النصوص الكثيرة الدالة على مشروعية قول الحق والإنكار على الظلم علنًا عند الحاجة، أو على التفريق بين النصح الذي يتوجه إلى المنصوح، والإنكار الذي يتوجه إلى المنكر، ويتعلق بتحذير العامة في أمر يمسهم قد يفتتنون به، أو يقتدون بصاحب المنكر فيه.
وبذلك يتبين أن منهج الصحابة رضي الله عنهم كان قائمًا على تحقيق المصلحة الشرعية، لا على التزام صورة واحدة في كل زمان ومقام، وأن مقصدهم الأعظم كان حفظ الدين، وإقامة العدل، ومنع المنكر، مع مراعاة الحكمة والرفق واجتماع الكلمة.. والحكمة مدار الأمر، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 269].