جِنِّ الحكومة لم يُصدِّق بعد!

لقلة إدراك الجن الذين كانوا يعملون في مملكة سليمان عليه السلام، لم ينتبهوا إلى وفاته إلا حين أكلت الأرضة عصا سليمان عليه السلام بعد نحو عام من موته، وقد كان الإنس يظنون أن الجن يعلمون الغيب حتى عمى الله عليهم ذلك، وكذلك يفعل «الوطنجيون» في السعودية الذين يظنون أن قيادتهم تملك «رؤية» لعشر سنين؛ فإذا بهم قد غرقوا في شبر ماء مع اهتزاز أمر الولايات المتحدة الأمريكية وظهور اضطرابها في حرب الخليج، ومع ذلك؛ يظل القادة يحسنون بحمايتها الظن، ويضعون كلَّ كراتهم في سلَّتها، يدورون في فلكها حيث دارت ولو أوردتهم مستنقعات الهزيمة والخذلان، التي لا يرونها إلا «مرافئ الأمن والسلام» على حد تعبير السديس!

ولأن قلة من صناع القرارات في العاصمة السعودية هم من يقرؤون التاريخ، ويقفون عند دروسه القاسية؛ فستظل السفينة تبحر بلا بوصلة حتى تتيه في بحور الظلمات، فأظهر دروس التاريخ تقول إن أفول الإمبراطوريات والممالك لابد أن يسبقها ضعف ثم شلل في الأطراف، وتخور حينها قوة وقدرة تلك الدول الكبرى على الاحتفاظ بأراضيها وولاياتها البعيدة.

ودعونا نتحدث بلا مواربة، فالولايات المتحدة الأمريكية لا تنظر إلى دول الخليج إلا على أنها مجرد أجزاء من أملاكها البعيدة، تعاملها مثلما كانت تعامل الإمبراطوريات ولايات الأطراف: تستولي عليها، ثم تترك تسيير أمورها لولاة من أبنائها حتى تضمن استقرار أوضاعها، ولا تتكلف كثيرًا في إرسال جموع من أفراد الشرطة والموظفين، وتكتفي بوجود «حاميات»، أو لنسمها في عصرنا الحديث «قواعد عسكرية»!

 وكنوع من إظهار الاستقلال اللازم للاستقرار نزعم أن تلك الحاميات إنما بقيت بناء على «اتفاقية دفاع مشترك»، أينعم هكذا: دفاع مشترك بين القوة العظمى، الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة أكبر ميزانية وزارة حرب في العالم والتاريخ كله، و«مملكة» البحرين مثلًا!

والتاريخ يقول بكل صرامة وحزم أنه حين تضعف قدرة المركز على بسط سيادته على الأطراف؛ فإن علم الاستراتيجيات يلقي هو الآخر أهم دروسه، وهو أن الفراغ في القوة لابد أن تملؤه قوة بديلة، فإن كان «الوالي» جاهزًا للاستقلال وتأسيس دولته المستقلة؛ فستكون هذه هي الفرصة السانحة التي جاء بها خير القدر، وإن كان غارقًا في ولائه غير مكترث بهذه المسألة، معدًّا لها أدواتها، متأهبًا لانتهازها؛ فهو ماضٍ إلى شر القدر، وهو الخضوع والعبودية لسيد جديد، وإمبراطورية أو قوة فتية، جاءت لموعدها لترث أملاكها الإمبراطورية السابقة!

ولأن قلة من صناع القرارات في العاصمة السعودية هم من يقرؤون التاريخ، ويقفون عند دروسه القاسية؛ فستظل السفينة تبحر بلا بوصلة حتى تتيه في بحور الظلمات، فأظهر دروس التاريخ تقول إن أفول الإمبراطوريات والممالك لابد أن يسبقها ضعف ثم شلل في الأطراف، وتخور حينها قوة وقدرة تلك الدول الكبرى على الاحتفاظ بأراضيها وولاياتها البعيدة.

في الرياض لا ترشح أي مؤشرات عن أن قادتها قد قرأوا ذلك ذات يوم أو فطنوا إليه، وتبدو البلاد ماضية إلى قدرها المحتوم بلا وقفة تأمل أو لحظة تفكر لرسم طريق الخروج من نفق التبعية المظلم!

والحقيقة بينة لكل ذي عينين، فقرار الولايات المتحدة بالحرب أو بالتوافق مع إيران لا تُستشار فيه الرياض، ومن باب أولى غيرها من الدويلات الخليجية، وقرارها لا يأخذ بالاعتبار فيه سوى أمن «إسرائيل»، وخزانات وآبار النفط التي تراها واشنطن أملاكًا لها، أو بأقل تقديد تعتبر نفسها شريكة فيها، وعدا ذلك لا وزن لديها لكل أصحاب البشوت الفاخرة والقصور الباهرة!

ونحن نقول هذا، مع أننا نرى أمامنا حلفًا يتشكل ما بين السعودية وتركيا وباكستان وربما مصر من أجل ضمان أمن المنطقة، وقد كان من الممكن أن نستبشر به، ونراه لحظة إفاقة من غيبوبة طويلة ألمَّت بالمنطقة، وخصوصًا المملكة بما لديها من تأثير كبير في محيطها الإقليمي، غير أن ما يقلق كثيرًا أن المملكة تُقدم رجلًا وتؤخر الأخرى، والحلفاء لا يجدون الشجاعة الكافية لإظهار قدرتهم على ملء الفراغ المنتظر، فضلًا عن جرأتهم في الحلول مكان القوات الأمريكية قبل أن تحزم حقائبها راغبة أو مكرهة، وترحل مودعة قواعدها خاوية كأن لم تغن بالأمس.

المنطقة برمتها تقف على مفترق طرق، وما لم تفطن الرياض لدروس التاريخ وحقائقه، وتتخذ مسارًا هادئًا وحازمًا معًا للتغيير، والقفز من سفينة الولايات المتحدة المضطربة، وتمد جذورها في تربتها الأصيلة، وتبادر إلى مشروع الاستقلال قبل فوات الأوان، فلن تجد نفسها سوى «غنيمة حرب»، والتاريخ لا يكذب!