توظيف «القدية» وزفرة البطالة!

ستتكرر المشاكل الاقتصادية والاجتماعية تلو المشاكل في المملكة ما دامت سياستها الداخلية تسير في ذات الطريق الذي سلكته كل الدول التي تفجرت لديها أزمات وكوارث اقتصادية واجتماعية نتيجة الإفقار المتعمد، والرعونة الإدارية، والسفاهة الإنفاقية، ولم يأت كارل ماركس بجديد حين قال: «إن تراكم الثروة في قطب واحد من المجتمع، هو في الوقت نفسه تراكم الفقر والبؤس في القطب الآخر»، وقبله قال القرآن: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ}، فإن من تفيض بلاده خيرًا بالنفط والغاز والذهب لابد أن ينعكس على أبنائه كلهم، ولا يحتكره الأغنياء وأصحاب السلطة، يستأثرون به لأنفسهم أو ينفقونه على حلفائهم من الأجانب الحقيقيين.

ستظهر أعراض أمراض الاستئثار والاحتكار والإنفاق السفيه على النفس والغير ممن لا ينفعون أبناء المملكة ولا غيرهم من المسلمين، في صور شتى، منها هذا الغضب المكتوم الذي باحت به أقلام من الشباب العاطل وغيرهم الذين أثار حفيظتهم تعيين مدراء تنفيذيين وخبراء حقيقيين ووهميين من الغرب برواتب وحوافز ومكافآت فلكية في مشاريع السياحة الفاشلة، وترك جماهير من الشباب المجتهد المتعلم السعودي من ذوي الكفاءات والمهارات دون توظيف أو عمل كريم.

بدأت الاحتجاجات اللفظية ببعض التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، غضبًا من رواتب مدراء ولاعبين غربيين، وسرعان ما انتشر لهيب الغضب بين الشباب، ما وضع الحكومة والأمن في وضع حرج، وانحشرت السياسة بين خياري البطش أو ترك المجال للتنفيس واتخاذ بعض الإجراءات التي تُسكن المرض وتُرضي جموع الشباب العاطل، وخرج المستشارون بحل وسط، وهو استدعاء ٤٩ شخصًا ممن قالت إنهم هم مصدر هذه الانتقادات، التي التقفها الشباب العاطل عن العمل فأيدوها بالآلاف.

ولم تشأ السلطات أن تعتقل الناقدين تجنبًا لوضع الملح على جروح الغاضبين، واكتفت باستدعاء هؤلاء، خاصة أنها اكتشفت أنهم لا ينتظمون في حركة أو جماعة أو قوة سياسية، وأنهم قد تصرفوا بعفوية لا تستدعي أن تؤجج باعتقالهم المشاعر، وخرج وزير الإعلام سلمان الدوسري، مبررًا بأنه يرحب بـ “النقد الموضوعي”، لكن السلطات قد اقتصرت على استدعاء أولئك الذين انخرطوا في أعمال “تحريض وتضليل” للرأي العام، على حد تعبيره.

والمشكل لدى الحكومة، هو أنها فوجئت بوعي الشباب وإدراكهم للجريمة التي ترتكب بحقهم، فسرعان ما تلقفوا أول نقد، وانهالت صورًا وشواهد على تعيين لاعب كرة قدم نيوزيلندي سابق، في منصب إداري رفيع في مشروع «القدية»، للترفيه والرياضة في ضواحي العاصمة الرياض، وحصول أسترالي، كان يعمل سابقاً مدرباً للإبحار، على ترقية من وظيفة «مدير تطوير» بعد قضائه بضع سنوات في الشركة، بينما المملكة تزخر بعشرات الآلاف من الشباب الحاصل على دراسات ومهارات رفيعة المستوى، ولا يملك مثل هذه الفرص التي توزع على الغربيين بسخاء مبتذل.

ستظهر أعراض أمراض الاستئثار والاحتكار والإنفاق السفيه على النفس والغير ممن لا ينفعون أبناء المملكة ولا غيرهم من المسلمين، في صور شتى، منها هذا الغضب المكتوم الذي باحت به أقلام من الشباب العاطل وغيرهم الذين أثار حفيظتهم تعيين مدراء تنفيذيين وخبراء حقيقيين ووهميين من الغرب برواتب وحوافز ومكافآت فلكية في مشاريع السياحة الفاشلة، وترك جماهير من الشباب المجتهد المتعلم السعودي من ذوي الكفاءات والمهارات دون توظيف أو عمل كريم.

الشباب واعٍ، والحكومة مطمئنة إلى أنها تمسك بقبضتها الحديدية جيدًا، والغرب لم يعد يكترث بالتجمل برعاية حقوق التعبير والدفاع عنها، والرئيس الأمريكي العالق في مضيق هرمز لم يعد يعنيه سوى المال وابتزاز الخانعين. والصحافة الغربية في أودية أخرى، فحتى صحيفة فاينانشيال تايمز التي نشرت تحقيقًا على استحياء عن غضب الشباب، استضافت معلقين تكلموا بكل خجل عن قمع حرية التعبير هذه، فقال أندرو ليبر، الأستاذ المساعد في جامعة تولين، والذي أجرى دراسات حول سوق العمل في المملكة والخطاب المتداول حوله عبر الإنترنت: “إنهم يشعرون بقلق بالغ إزاء الصورة التي قد تُرسَم عنهم، وكأنهم عاجزون عن توفير فرص عمل للمواطنين. ولهذا السبب، فقد وصلوا إلى مرحلة يبدو فيها أنهم مضطرون إلى اتخاذ إجراءات صارمة للتصدي لهذا النوع من الخطاب، والحيلولة دون انتشاره”.

وأضاف: “يمثل الوافدون متنفساً سهلاً لتوجيه هذه الشكاوى، إذ إنك بذلك لا تهاجم قيادة البلاد”. وقالت جيليان يورك، مديرة برنامج حرية التعبير الدولية في «مؤسسة الحدود الإلكترونية»، إنه حتى وإن كان هذا الجدل قد انطلق شرارته بفعل سلوكيات غير حقيقية، فإنه يبدو أنه قد لامس مخاوف مشروعة وحقيقية.

هذا التحفظ الغربي من النقد أيضًا يعطي الحكومة مساحة أكبر للقمع، وهي تحاول استغلالها مع كل زفرة من قلب بركان الغضب الشبابي، كما فعلت مع حملة سابقة انطلقت العام الماضي بسبب ارتفاع الأسعار، وستستمر في سياستها، وسيظل الغضب مكتومًا، وستبقى مطمئنة لائذة بأجهزتها الأمنية الساهرة على راحة قادتها، لكن ما لم تدركه أن زحف الغضب يدخل مسارب لم يكن يلجها من قبل، فلم تعد الانتقادات المتحفظة تصدر من شيخ حكيم، ولا داعية متزن، ولكنها أصبحت سلعة في يد عامة الشباب المتحمس، وكل يوم ستطرق مجالًا وتتخذ وسائل لا يحسب لها المسؤولون حسابًا أو يتوقعون لها طريقًا.. ولن تكون الوسائل القمعية هي السبيل الآمن كل مرة، فالعوارض اللانمطية لا تعالجها الأساليب التقليدية البائدة، فمتى ستفيق السلطات وتثوب إلى رشدها وتصحح مسارها وتتصالح مع شعبها الواعي؟!