هل غاض معين الفهم، أم أن عصابة العين قد لفت قلوب القضاء، فجعلتها غُلفًا، فصار العدل في سوقها بضاعة مزجاة؟
اعتقال النائب الكويتي السابق، وليد الطبطبائي، في السعودية، يوم ٥ مايو، كان فضيحة خليجية مركبة بكل المقاييس والمعايير.
جاء اعتقال النائب الكويتي السابق، وليد الطبطبائي، في السعودية قبل أن يغادر مدينة الدمام السعودية، متوجهًا إلى المشاعر المقدسة، بعد أن وصل المنفذ الحدودي السعودي قادمًا من الكويت بعد الإفراج عنه في ٤ مايو، ليُعاد مرة أخرى للكويت لتنفيذ محكومية مزعومة تقضي باستمرار فترة حكمه لعامين قادمين تنفيذًا لحكم (أول درجة) بالسجن لمدة أربع سنوات!
الفضيحة مركبة، من إلقاء القبض عليه قبل سنتين، ثم الحكم القضائي (الفضيحة)، ثم الاستئناف (الفضيحة)، ثم حكم محكمة التمييز (الفضيحة)، ثم التنسيق الأمني (الفضيحة) بين السعودية والكويت، ثم تفسير حكم محكمة التمييز (الفضيحة)، ثم عرض النائب السابق في مقطع متلفز (فضيحة) أثناء تسلمه ورده للسجن!
ويحار المرء، وهو يشاهد كل هذا، ألا يمكن للمستبدين يومًا أن يكونوا عقلاء؟! وأليس ميسورًا لديهم أن يقدموا مسرحية لبطشهم بالمعارضين بشكل متقن محكم، لا يطيش بكل هيبة لنظمهم المهتزة؟!
كان في وسع السلطات الكويتية ألا تزج بالطبطبائي في السجن قبل عامين بسبب تغريدة مست الأمير تلميحًا، لا يقول فيها غير ما يُقسم عليه الأمير الكويتي ليل نهار بأنه يدافع عن حرية الشعب ومكتسباته الدستورية، فكان ما قاله الطبطبائي لا يعدو أن يكون عهدًا يعاهده كل مسؤول من أمير أو وزير أو نائب، أن يحافظ أو يدافع عن حرية الشعب ودستوره، فأخرج الأغبياء التهمة كما لو كان هذا العهد إساءة للأمير، وكأن المطلوب هو «الدفاع عن استعباد الشعب ودوس دستوره بالأقدام»، هكذا أساؤوا للأمير متهمين الطبطبائي بـ«الإساءة للذات الأميرية»!
وقد خمّن كويتيون أن الطبطبائي قد ألمح في تغريدة تالية إلى إمارة أبوظبي، يوم قال: «غير مقبول تدخل بعض الدول في الشأن الداخلي الكويتي والذي سيتم حله بطريقة التفاهم وروح الأسرة الواحدة»، أساءت السلطتان الأمنية والقضائية للأمير أيضًا، مظهرة إياه بالائتمار بأوامر محمد بن زايد، وكذلك فعلت نظيرتاهما في السعودية من قبل يوم ألقت القبض على المفكر البارز محمد الحضيف لأنه وجه سهام نقده لحكام الإمارة المارقة!
وحكمت المحكمة حكمها المشين بتوقيع حكم قاسٍ (قريب من أقسى العقوبة البالغة ٥ سنوات) على الطبطبائي، فاستأنف فخفف الحكم ثم نكصوا على رؤوسهم لقد علمتم ما هؤلاء يحسنون حكمًا ولا يعقلون!
وجاءت الفضائح تترا، تفرج السلطات الأمنية الكويتية عنه، فييمم وجهه شطر المسجد الحرام، فتحول الرياض بينه وبينه، في أسرع تنسيق أمني في التاريخ، يحسدهم عليه الـFBI، ويتصاغر أمامهم الانتربول خجلًا من قلة حيلته! ليُعاد النائب مصفدًا في قيوده، بين وحوش ملثمين يمثلون ذروة بطولات مغاوير الأمن المنقض على فرائس الإجرام!
كان في وسع السلطات الكويتية ألا تزج بالطبطبائي في السجن قبل عامين بسبب تغريدة مست الأمير تلميحًا، لا يقول فيها غير ما يُقسم عليه الأمير الكويتي ليل نهار بأنه يدافع عن حرية الشعب ومكتسباته الدستورية، فكان ما قاله الطبطبائي لا يعدو أن يكون عهدًا يعاهده كل مسؤول من أمير أو وزير أو نائب، أن يحافظ أو يدافع عن حرية الشعب ودستوره، فأخرج الأغبياء التهمة كما لو كان هذا العهد إساءة للأمير، وكأن المطلوب هو «الدفاع عن استعباد الشعب ودوس دستوره بالأقدام»، هكذا أساؤوا للأمير متهمين الطبطبائي بـ«الإساءة للذات الأميرية»!
ويحار الكويتيون، كيف تسبق محكمة الدرجة الأولى، محكمة الاستئناف، وكيف تنقض الأولى حكم الثانية كما بدا للنظرة الأولى، غير أن «النظرة الأولى» دائمًا بريئة، فتأتي النظرة المتفحصة الأخيرة من وسائل الإعلام الكويتية، التي سارعت بتفسير هذا «الاضطراب»، ومحو هذا «اللغط»، وشفاء «وساوس» الشعب الكويتي بهذا التفسير العميق:
يقول إعلام الكويت: «وتعود أحداث القضية إلى ١١ مايو ٢٠٢٤ حين ألقت الأجهزة الأمنية القبض على الطبطبائي وأحالته إلى محكمة الجنايات، التي قضت بسجنه ٤ سنوات مع الشغل والنفاذ في قضية المساس بالذات الأميرية، وبعد صدور الحكم، طعنت النيابة العامة مطالبة بتشديد العقوبة إلى ٥ سنوات باعتبارها الحد الأقصى، في وقت طالب دفاع الطبطبائي بإلغاء الحكم والقضاء ببراءته.
وعند نظر القضية أمام محكمة الاستئناف، رفضت الأخيرة طلب النيابة بتشديد العقوبة، لكنها قبلت استئناف الطبطبائي جزئياً وخففت العقوبة إلى سنتين. وبعد ذلك، طعن الطرفان أمام محكمة التمييز؛ إذ عادت النيابة للمطالبة بتشديد العقوبة، في حين تمسك الدفاع بطلب البراءة. وفي مارس ٢٠٢٥، قررت محكمة التمييز إلغاء حكم الاستئناف، لتتحول بذلك إلى محكمة موضوع لنظر القضية بنفسها، قبل أن تصدر حكمها النهائي في إبريل ٢٠٢٥، متضمناً رفض طعنَي النيابة والمتهم، مع «تأييد الحكم المستأنف». وأثار منطوق حكم «التمييز» جدلاً في تفسير المقصود بالحكم المستأنف؛ إذ اعتُبر في البداية أنه يشير إلى حكم الاستئناف القاضي بالحبس سنتين، بينما يرى التفسير القانوني المعتمد أن محكمة التمييز، بعد تحولها إلى محكمة موضوع، أصبحت بحكم محكمة الاستئناف، وبالتالي فإن تأييدها «للحكم المستأنف» يعني تأييد حكم أول درجة القاضي بحبس الطبطبائي ٤ سنوات عن جريمة المساس بالذات الأميرية، وبناءً على هذا التفسير، تُحتسب مدة العقوبة حتى ١١ مايو ٢٠٢٨.»
ويوضح الإعلام أكثر: «رفضت محكمة التمييز برئاسة المستشار سلطان بورسلي طلب التفسير المقدم من وكيل النائب السابق وليد الطبطبائي على حكمها الذي قضى بحبسه ٤ سنوات. وتسبب منطوق حكم محكمة التمييز الجزائية في قضية النائب السابق وليد الطبطبائي في خطأ بتنفيذ العقوبة الصادرة ضده، بعدما تم التعامل مع الحكم على أنه يؤيد عقوبة حبس المذكور لمدة سنتين، مما أدى إلى الإفراج عنه، قبل أن تتبين الجهات المعنية أن المقصود قانوناً هو تأييد حكم محكمة أول درجة القاضي بحبسه ٤ سنوات مع الشغل والنفاذ». أي أن حكم المحكمة الذي يُقال عنه أنه «عنوان الحقيقة»، وحيثياتها كانت موضع جدل تفسيري، وأن المعنى كان في بطن بورسلي!
وتنتهي القصة البسيطة: إمارة ذات نفوذ خليجي على جيرانها، تُحرض على كل مقاوم سلمي ضد الكيان الصهيـ.وني؛ فيُسجن على الفور، وليس على القفازات القضائية والأمنية إلا أن تنفذ صاغرة، ويأتي الإعلام ليُشيطن، فلا يحق لسائل أن يسأل: ما دام الطبطبائي خرج نتيجة خطأ غير مقصود من السلطات الأمنية، فلماذا انتهكتهم حقوقه وأظهرتهم نائب الشعب هكذا يُفتش بطريقة مهينة، ويتم تبصيمه أمام الكاميرات، ويُصفد بالأغلال كما لو كان بابلو اسكوبار أشهر بارون مخدرات في التاريخ!
أما السعودية، فأمرها في هذا التنسيق عجب، فما لها وللطبطبائي، أن تُعيد إلى الأذهان تسليم اللاجئين لبيت الله الحرام من الإويغور للصين لتذيقهم سوء العذاب، وغيرهم من المعارضين، وما لها لقضية ستجعلها مادة للنقد من كل المعارضين في العالم الذين يتهمونها بأنها قد جعلت من الحج مصيدة للمعارضين، وما كان أغناها عن التحرك السريع الموحي بأنها لا تتعامل مع مثل هذه القضايا بالقانون وبانتظار مذكرات وإجراءات متأنية، ولو كانت شكلية، وما لها أن تضع نفسها في دائرة الاتهام والإدانة وتأجيج نفوس العالمين ضدها؟!