النظام الإيراني عدو لبلداننا في الخليج العربي شعوبًا وحكومات، وعداوته عرقية، ودينية، ومذهبية، وتاريخية، مشحونة بأحقاد وأوهام.هذه قضية لابد أن أذكرها في بداية هذه المقالة، وتلك قناعتي الراسخة.
لكن إذا قلنا إنه عدوٌّ فلا يعني ذلك أن ننكر ما تميز به، وينبغي لدولنا وأنظمتنا أن تستفيده منه، كما إذا قلنا إن الغرب عدوٌّ، فلا يعني ذلك إنكار ما لهم من خصال الخير، ولهذا جاء في حديث مسلم لما ذكر المستورد بن شداد قوله صلى الله عليه وسلم: “تقوم الساعة والروم أكثر الناس”، فقال داهية العرب عمرو بن العاص: إنَّهم لأحلَمُ النَّاسِ عِندَ فِتنةٍ، وأجبَرُ النَّاسِ عِندَ مُصيبةٍ، وخَيرُ النَّاسِ لمَساكينِهم وضُعَفائِهم.
وهذا يشهد لكون دوائر آخر الزمان ستكون في صالح الغرب مقابل الصين والهند، وهما العرقان الأكثر عددًا من الروم اليوم، أما العرب فدون النصف مليار، جلهم خارج جزيرة العرب، وكبر ثقلهم في مصر، وبينهم فتن، فكثير منهم يرغب في تقليل العدد لا تكثيره، فمن ناف لعروبة أقوام في مقابل وطنية تضم أعراقًا! ومن منتف من عروبته ملتحق بأمازيقية أو أفريقية أو فرعونية أو شعوبية أخرى!
والمقصود هو أن للشعوب مزايا، ومن أولئك الفرس وهم سواد الإيرانيين، وقد ظهرت مزايا لهم في هذه الحرب منها:
أولًا: إحكام النظم الحكمية والإدارية.
وتأمل كيف قُتل رأس النظام وقيادات شتى على أعلى المستويات فتمكنوا من استبدالها، وإحلال من يقوم مقامها، وفق نظام واضح سلس.
وطريقتهم قبل ذلك في الإدارة التنفيذية، لمن يتولى رئاسة الجمهورية، ومن أمثل أمثلة ذاك علي خامنئي نفسه المرشد الأعلى الذي اغتيل من قبل الحلف الصهيوني الأمريكي نفسه، هو رئيس الدولة الذي انتخب وأجريت الانتخابات بكل إصرار في الثمانينيات والحرب مع العراق على أشدها! فصوت الإيرانيون تحت قصف اسكود، وتحت دوي المضادات!
ومن أعظم أسباب ذلك حسن التراتيب الإدارية وتنظيم الدولة بحيث يكون الإحلال والاستبدال وفق قواعد واضحة من أعلى الهرم إلى أدناه.
بخلاف من يعتمدون على طويل العمر وما يقول! فهذا متى حصلت صدمة قصفت عمره، اضطربت الأوضاع حتى يأتي طويل عمر جديد، فإذا كانت الضربة من نحو ما وجه للإيرانيين فذهب أكثر من رأس وذراع ورجل وقعت الفوضى، وتنازع الناس الملك واضطربت الأمور!
واستفادة العرب من الفرس في النظم والتدابير قديم، ومن ذلك ما كان من التدابير العسكرية يوم الخندق، فقد أشار سلمان فارس رضي الله عنه بحفر خندق حول المدينة المنورة لحمايتها، وقال: إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا.
ومن ذلك أيضًا ما كان في عهد عمر رضي الله عنه من تدوين الدواوين.
فحري بدولنا أن تستفيد مما عليه القوم، فإن الاستبداد يعود بالضرر على المستبد وأسرته وأهل بيته والبلاد بأسرها إذا اضطربت الأمور.
ثانيًا: الخروج من قوقعة الوطنية الضيقة.
وكثير من دولنا رضيت بتحجيم نفسها، وحصرها نفوذها في حدود رسمت لهم في الأرض بعود! لا ترغب في الخروج منه! قوقعة يدخلنا فيها الوطنجية بزعم رعاية المصالح، وحقيقتها إعاقة الجسد عن النمو والامتداد وتحجيمه، وفي نهاية المطاف قتله داخل تلك القوقعة! ولابد لحياته من خروج منها، ومد الأطراف وانسياب الحركة والتداخل مع الجوار القريب، وما وراءه، بداية بدول مجلس التعاون بحيث تكون متنفسات لبعضها، متعاضدة متآزرة، ومن ثم تنساب قوتها الناعمة رافدة لمن بجوارها ممن هم على دينها وشاكلتها، فإذا أقامت هنالك كيانات صالحة كانت رفدا لها، ومدًّا في سلطانها.
كما فعلت إيران في جوارها، لها في كثير من البلدان رجال، يدافعون عنها باللسان أو بالسنان، ولست أعني أمثال الحوثي وحزب الله، والحشود الأخرى، لكن من ترعى من الرافضة في دول الجوار وما تلاها إلى أقصى الغرب! وانظر اليوم ضجيجهم في محاربة حربها.
ومما يقطع النفوس حسرة أن نرى من كانوا يمثلون الفتح السلمي، والتوسع من غير ضجيج، من المشايخ والعلماء والمفكرين، وأصحاب أعمال الخير والإغاثة في السجون! يستطيل عليهم دعاة القوقعة الوطنجية، وتساعدهم الدولة في تكسير نفوذ لها، وضرب امتدادات تعود رفدًا لها!
وأن نرى أناسًا من جملة السنة كحماس تكسب تعاطفهم إيران، وتستدرجهم إلى معسكرها بدعم قليل، بينما تخسرها دولنا بالوقوف مع عدوها لوجستيًّا، فتسمح بإمداده، وتمر الشاحنات عبر أراضيها إليه، بينما تمنع التبرعات لحماس وغيرها، ويسجن رجالها!والنتيجة أن تكتوي بخذلان قوم خذلتهم!
وكثير من دولنا رضيت بتحجيم نفسها، وحصرها نفوذها في حدود رسمت لهم في الأرض بعود! لا ترغب في الخروج منه! قوقعة يدخلنا فيها الوطنجية بزعم رعاية المصالح، وحقيقتها إعاقة الجسد عن النمو والامتداد وتحجيمه، وفي نهاية المطاف قتله داخل تلك القوقعة! ولابد لحياته من خروج منها، ومد الأطراف وانسياب الحركة والتداخل مع الجوار القريب، وما وراءه، بداية بدول مجلس التعاون بحيث تكون متنفسات لبعضها، متعاضدة متآزرة، ومن ثم تنساب قوتها الناعمة رافدة لمن بجوارها ممن هم على دينها وشاكلتها، فإذا أقامت هنالك كيانات صالحة كانت رفدا لها، ومدًّا في سلطانها.
ثالثًا: الرؤية الاستراتيجية الناضحة لا تبنى على أسس هشة.
هناك استراتيجيات يقوم عليها النظام الإيراني، ملخصها تقوية الدولة، سياسيًّا بإتاحة المجال لرؤوى قد تحتاج تغليب بعضها على بعض في أوقات؛ فتارة رئيس إصلاحي منفتح على الحوار والغرب، منفس لاحتقان الشعب بما يفتحه من نوافذ للحريات الاجتماعية، وتارة أصولي أكثر صرامة في حواره مع الخارج، وفرض رؤى معينة على الداخل.. وتعاير ذلك إرادة شعبية شبه حقيقية تحتكم إلى صناديق الاقتراع.
ومن الناحية العسكرية، تقوم استراتيجية إيران على تقوية الصناعات العسكرية الدفاعية والردعية الهجومية، وقل عام يمر دون أن تستعرض فيه ذلك. وفي المقابل دولنا اكتفت بأن يكون عدوها حاميها! وسلاحها منه! وقواعده فيها، وهذا مهدد خطير لها.
ومن الناحية الاقتصادية لا ترتهن إيران إلى دولة بعينها وتنفتح في استثماراتها وتعاملاتها مع كل من يمكنها.
وأيضًا لا يمكن أن تبني إيران رؤيتها على سياحة وترفيه ومدن (يفركش) أحلامها صاروخ، في منطقة ملتهبة ومعرضة لذلك في كل الأوقات!
وبعد فلا يعني ما تقدم أن إيران مثال يحتذى، كلَّا فلها أخطاؤها الاستراتيجية القاتلة، ومن ذلك خيانتها لخيارات الشعوب المجاورة، كما هو حالها في العراق والشام، وكان بإمكانها أن تكسبها أو يكون لها مكانٌ محترمٌ عندها، كما هو صنعت بين مقاومين في غزة!
وهذا خطأ يجب أن تتنكبه دولنا، فتترك معارضة خيارات الشعوب، والعمل على وأد ثوراتها، ومد زبانيتها بالسكاكين لتذبح شعوبها، والسياط لتجلدها!
ومما يقطع النفوس حسرة أن نرى من كانوا يمثلون الفتح السلمي، والتوسع من غير ضجيج، من المشايخ والعلماء والمفكرين، وأصحاب أعمال الخير والإغاثة في السجون! يستطيل عليهم دعاة القوقعة الوطنجية، وتساعدهم الدولة في تكسير نفوذ لها، وضرب امتدادات تعود رفدًا لها!
قد نتساءل: لم لا تقف شعوب عربية معنا وضرب إيران لنا منكر ظاهر يجب أن ينكر! لكن كيف لنا أن ننتظر من شعوب أسهمنا في قمعها بمصر وتونس وليبيا وغيرها! كيف لنا أن ننتظر نصرها! السودانيون على سبيل المثال اكتووا بدعم الإمارات للدعم السريع، الذي فعل بهم الأفاعيل، فهل تتوقع أن يتعاطف هؤلاء معها إذا ضربت؟!
بل هل يتعاطف معها السوريون وقد رأوها تغسل يدي بشار الملطخة بدماء أبنائهم حتى آخر أيامه! المقصود أن على دولنا أن تتلافى أخطاء إيران، وأن تجعل شعوبها تحتضنها وتكون ردءًا لها، لا ضحية لها، أو كارهة منافرة، وفي شعوبنا الخليجية مشايخ وعلماء وأهل نخوة ومفكرون ومصلحون وأصحاب رأي أخرجوهم من السجون وضعوهم مواضعهم اللائقة بهم قبل أن يفوت أوان الإصلاح!
أعيدوا كرامة من أُذلوا مِن كرام الناس، ووجوه القبائل، وأكابرهم، واعتذروا لهم فهم من دعائم تلاحم الشعب معكم. أما إذا أهنتم كبراء الناس، وجعلتم القبائل لا كبير لهم، يسودهم جهال وأمراء صغار، فقد أحكمتم بذلك صناعة الكراهية الداخلية، ولئن أحكمتم بذلك قبضتكم اليوم فسوف ترتخي غدًا، وينفلت الناس!
ابتعدوا عن الجبايات والمكوس وأكل أموال الناس والتحكم في مؤسساتهم وشركاتهم وفرض من يوظفون رجالًا أو نساء مواطنين أو أجانب!
وليكن إغداقكم على مواطنيكم بتوظيفهم في مشاريع منتجة تخدم البلاد؛ استثمارات في الزراعة، والصناعة، والطاقة النظيفة أو الخضراء، وإقامة بنى تحتية غير عالية التكاليف التشغيلية، مشاريع توفير المياه من المصادر الجوفية والآبار الارتوازية.. وغير ذلك مما يقوي جانب الدولة، وينفع العامة.
قد نتساءل: لم لا تقف شعوب عربية معنا وضرب إيران لنا منكر ظاهر يجب أن ينكر! لكن كيف لنا أن ننتظر من شعوب أسهمنا في قمعها بمصر وتونس وليبيا وغيرها! كيف لنا أن ننتظر نصرها! السودانيون على سبيل المثال اكتووا بدعم الإمارات للدعم السريع، الذي فعل بهم الأفاعيل، فهل تتوقع أن يتعاطف هؤلاء معها إذا ضربت؟!
انصروا قضايا الشعوب المجاورة العادلة واحترموا خياراتها وإياكم ودعم من يظلمها.
حالفوا القوى التي فيها خير بدلًا من شيطنتها، كتركيا أوردوغان الذي أسماه سفهاؤكم (قردوغان)!
أقيموا مراكز الأبحاث، وشجعوا حركة الفكر والثقافة، ودعوا اللهو الماجن والترفيه السخيف! عوضًا عن تكلف أتعاب مصارعين ومصارعات، وفنانيين وفنانات، وممثلين وممثلات، ولاعبين ولاعبات، تكلفوا نصف ذلك في مفكرين ومفكرات، ومثقفين ومثقفات، وعلماء وعالمات!
تحمدوا ذلك إذا جاءت الأزمات.